ستبقى الأم دوما النبع الأول الذي ينهل منه المبدعون، والملهم الذي يأخذ بأيديهم إلى بساتين النغم يقطفون منها صادق الكلام وصافي الألحان. وما من فنان مخلص إلا وفيه من روح الأم التي تفيض صدقاً وعطاء من غير انتظار لكلمة شكر.
على أن فنانينا لم يتوانوا في التعبير عن الامتنان لملهمهم الأول وتباروا، شعراء وملحنين ومطربين، في صوغ أعمال يعلمون يقينا أنها لن ترد للأم مثقالا من جميلها، لكنهم بهذه الأعمال طبعوا قُبلا على جبينها ويديها.
ولعل في عيد الأم مناسبة سنوية لإحياء هذه الأعمال، التي تعددت لهجاتها ومواقيت صناعتها، لتواكب الأجواء الاحتفالية التي تتكثف فيها المشاعر وتتجلى، وإن كان الأمل أن تبقى هذه المشاعر متقدة متجددة كل صباح وليس ليوم واحد.
في تسجيل تلفزيوني شهير للموسيقار محمد عبدالوهاب يروي لمحاوره قصة أغنية بلاش تبوسني في عينيا قائلا إنه استلهمها من أمه التي اعتاد أن يقبلها بين عينيها كلما ودعها أو التقاها وكانت ترفض ذلك في محبة تأسيسا على اعتقاد أن هذه العادة مقدمة فراق.
ولم ينس عبدالوهاب قول أمه له في كل مرة بلاش تبوسني في عينيا، البوسة في العين تفرق ودفع به إلى الشاعر المبدع حسين السيد ليصوغ الأغنية الشهيرة التي وإن كانت الأم ملهمتها توجهت إلى المحبوبة.
وفي وقت لاحق، يبدو أن عبدالوهاب أراد أن يعوض أمه فتعاون مع الشاعر حسين السيد أيضا ليبدعا في خمسينات القرن الماضي أغنية ست الحبايب التي ذاعت في الوطن العربي بواحد من أكثر الأصوات العربية دفئا وصدقا وهو صوت الفنانة فايزة أحمد.
ولم تكن الأغنية، كعمل فني، هي التعويض الوحيد الذي أراده، كما أتصور، عبدالوهاب لأمه، فاسم هذا العمل أصبح مرادفا لكلمة الأم واختصارا لمعانيها الخالدة.
ومنذ أن بثت الأغنية أصبح كل ابن يشير إلى أمه بوصف ست الحبايب، ولعل ذلك، بالإضافة إلى صدق الكلمات واللحن والأداء، ما منح الأغنية حضورها الطاغي بين المستمعين وربطها بمناسبة عيد الأم ارتباطا يتوثق كل عام.
والطريف في أمر هذه الأغنية أن مؤلفها استلهمها أيضا من أمه التي كانت تقول له كلما رأته أهلا يا ست الحبايب، رغم أن المفروض أن يبادرها هو بهذه العبارة، كما يفعل كل منا اليوم مع أمه.
وربما أراد حسين السيد أن يربط توصيف ست الحبايب بأمه، وكل أم من بعدها، فكتب كلمات الأغنية ودفع بها إلى عبدالوهاب ليلحنها لتبقى اعترافا بدور الأم تنشده فايزة كلما سنحت الفرصة لنردد خلفها:
ست الحبايب يا حبيبة
يا أغلى من روحي ودمي
يا حنينة وكلك طيبة
يا رب يخليكي يا أمي
يا ست الحبايب يا حبيبة
هذا التعبير عن الحضور الطاغي للأم في وجدان مبدعين بحجم عبدالوهاب وحسين السيد لم يكن أمرا استثنائيا، فبعد ما قدماه توالت أعمال تشاركت فيها أسماء رفيعة على خريطة الإبداع العربي.
وهكذا جاءت أغنية أمي يا ملاكي التي لحنها الأخوان رحباني وهي للشاعر سعيد عقل لتصدح بها فيروز في ألبوم أنا وسهرانة:
أمي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد
لم تزل يداك أرجوحتي ولم أزل ولد
وغنت فيروز ثانية للأم أمي الحبيبة من كلمات وألحان زكي نصيف:
أمي يا أمي الحبيبة.. نفح الرياحين والورود
أين ابتساماتك الرطيبة.. تسمو بإشراقة الوجود
و لاسم أمي الجميل لحن في القلب أحلى من النسيم
لا وجه قد لاح فيه حسن يرقى إلى وجهها الكريم
بقاء الأم حلما، والإحساس في كل لحظة افتقاد إليها بأن يديها كانتا أرجوحته، والابتسامات الرطيبة ليس فقط ما يثير في الابن حنينا إليها، فهناك ما هو أبسط من ذلك، وإن كان في نظر البعض أعمق.
هذه البساطة العميقة الدالة على طفولة مقيمة فينا مهما بلغ شأننا أو عمرنا تفيض في كلمات محمود درويش التي تغنى بها مارسيل خليفة:
أحن إلى خبز أُمي
وقهوة أُمي
ولمسة أمي.
وفي مسيرة المطرب عماد عبدالحليم القصيرة إحدى الأغنيات الرائعة، كما كل ما قدم رغم رحيله في سن مبكرة، التي يعبر فيها عن حاجة جلية إلى أمه التي يستدل بحبها في زحام المدن القاسية. يقول هذا المطرب الذي اشتهر بأغنياته الحزينة قبل العثور عليه ميتاً في أحد شوارع القاهرة:
أنا مهما خدتني المدن
وخدتني ناس المدن
دايما حبك يا أمي
دليلي في المدن
وعاد تعبير ست الحبايب ليطل من جديد في أغنية أداها الفنان الكبير دريد لحام ويقول فيها:
يامو يامو
يا ست الحبايب يامو
يامو يامو
يا ست الحناين يامو
تسع شهور وانتي حاملتيني
وبعدها تعبتي كتير حتا جبتيني
وعزبتك كتير لتربيني
وضاعت الترباية فيني يامو
ولم تبق كلمات أغنيات الأم دائرة في فلك الاعتراف بفضلها أو التعبير عن حنين فائض إلى حضنها، إذ أطلت فيها معان أخرى منها طلب دعائها للابن المغترب ليبقى زاده الأول.
وفي هذا الجانب غنى جورج وسوف:
أنا مسافر يا أمّي ودّعيني
انقليني وبحنانك زوّديني
وبعطف الأم تترضّي عليي
وإذا بهجري جرحتك سامحيني
آخ يا أمّي
أنا عرفان دمعاتك سخيّة
لكن لا تبكي يا حنونة بتجرحيني
وغنى ملحم بركات واعداً أمه بالسير على ما ربته عليه من قيم:
مش رح تلاقي حدا بحبك
اكتر من ما هيي بتحبك
بوعدك يا كبيرة هاك البيت
يوعى الندي ع وهج كلماتي
كمّل طريقي متل ما تربّيت
و عيش الحياة بصدق مع ذاتي
وغنت ماجدة الرومي للأم في ألبوم ماجدة الرومي والأطفال، ونجاح سلام يا أمي، وسعاد محمد يا غالية، وشادية ماما يا حلوة، ونجاة الصغيرة عيد الأم، وجوليا بطرس يا أمي، وغريس ديب ربيتيني بدموعك، وعاصي الحلاني كل اللي ليا، وراغب علامة يا أمي، ومعين شريف الدنيا أم وبي.
ولا بد أن نلاحظ أن معظم الأغنيات قدمت بأسماء متشابهة يطغى عليها اسم يا أمي أو الأم ومشتقاتها مثل أمي الحبيبة لهشام عباس، وهو اسم إحدى قصيدتي فيروز عن الأم، لكنها هنا بالعامية المصرية، والأم لصابر الرباعي، وأمي لأنغام، وأمي ومحتاجلك يا أمه لتامر حسني، ودعواتك يا أمه لجواهر، وأمل وهبي ياما، وهناك الست دي أمي لخالد عجاج وغناها في مقدمة ونهاية برنامج قدمه الكاتب يوسف معاطي للتلفزيون المصري قبل سنوات بالاسم نفسه مستعرضا دور الأم في حياة عدد من المشاهير. كما غنى علاء عبدالخالق للأم نبع الحنان وسلامتك، وعمرو دياب ريحة الحبايب، ومصطفى كامل أمي، وحكيم يامايا، والأم للراحلة ذكرى.
وفي الوسط الغنائي الخليجي، قدم عبدالمجيد عبدالله العزيزة، وراشد الماجد أمي، وغنت أحلام غلاة أمي، وهي أغنية شجية تقول في أحد مقاطعها:
أشوفك في حنان الأم
وفي روعة معانيها
وطفل (ن) ما يعرف الظلم
وجنة راحتي فيها
وغنى المطرب العراقي الكبير سعدون جابر للأم أمي يا أم الوفا.
هذا التنوع، كماً فقط، ليس قاصراَ على أغاني الأم، فلدينا في كل مناسبة أغنيات لا تحصى، لكن ما يبقى لا يستلزم جهدا في الحصر. وإذا كنا نتحدث عن عيد الأم، لن نجد أغنية احتلت مكانة في الوجدان على مدى عقود كما فعلت ست الحبايب، وفي استقبال رمضان نردد جميعا رمضان جانا لمحمد عبدالمطلب، وفي الأعياد لا نتذكر إلا يا ليلة العيد لأم كلثوم، وهكذا.
ليس من اللائق بأمة مطربوها أكثر من مستمعيها ألا تستطيع تجاوز هذه الأعمال القديمة وتنتج أخرى تناسب العصر. صحيح أن المشاعر لا تتبدل، لكن التعبير عنها يحتاج إلى تطور يتناسب مع تجدد ذائقة كل جيل.
وهذا التطور يتطلب جهدا وإخلاصا للفكرة منذ أن تنبت في خيال كاتبها حتى تقع في يدي ملحنها ثم تصل إلى مغنيها.
للصغار والكبار
للموسيقار محمد فوزي أغنية يعرفها عشاقه اسمها أحن قلب يقول فيها:
أحن قلب في الدنيا أنت أنت يا أمي
ربيت أختي كبرت أخويا
تعيشي ليا أنت وأبويا
وبجانب هذه الأغنية، هناك عمله الأشهر ماما زمانها جايه التي يفترض أنه صنعها للأطفال لكنها تتردد يومياً على لسان الصغار والكبار من دون أن ترتبط بمناسبة عيد الأم:
ماما زمانها جايه
جايه بعد شويه
جايبه لعب وحاجات