كان بإمكانها أن تتخير طريقة أخرى للانتقام من زوجها القاسي الذي أهدر آدميتها وعذبها حتى استحالت إنسانة لا تقيم وزناً لأي شيء إلا لرغبتها المجنونة في الانتقام والثأر لكرامتها المهدرة، إذا كانت تحقيقات الشرطة والنيابة قد أثبتت أنها جمعت بين زوجين ولو على الورق فقط، فإن جريمتها في حق طفلتها كانت أفدح من جريمة زوجها في حقها وحق أولادهما .
بعد وفاة والديها عاشت "حنان" حياة أسرية مشتتة، فقد وجدت نفسها تمثل عبئاً على أشقائها الثلاثة كما أن إقامتها بمفردها أمر مرفوض بينهم، لذلك كانت تتنقل للإقامة لدى أحدهم فاقدة الشعور بالاستقرار، وكلما شعرت بعدم القبول من أسرة أحد أشقائها على الفور تلملم متعلقاتها وترحل إلى شقيق آخر، رغم هذه الظروف السيئة التي تعيش فيها فقد ارتبطت مع جارها "فتحي" بقصة حب بريئة وكبر الحب في قلبيهما مع الأيام، وامتلك عليها وجدانها وأصبحت أسيرة لحبه إلا أنها لم تتمكن من مطالبته بالزواج منها كما كبلته ظروفه ومنعته حتى من التجرؤ والتقدم لخطبتها نظراً لظروفه المالية السيئة، رغم أنه لم يتخيل يوماً أنها لن تكون من نصيبه أو يمكن أن تتزوج شخصاً آخر غيره وتعيش معه تحت سقف واحد فقد حصل على دبلوم الثانوي التجاري، لكنه لم يتمكن من الحصول على وظيفة حتى يتزوجا ويحققا حلم حياتهما، نظرا لجمالها كان العرسان لا ينقطعون عن طرق بابها، لكنها كانت تجد في كل منهم عيبا حتى ترفضه، وبالطبع كان أشقاؤها يقيمون الدنيا ولا يقعدوها مع كل عريس يجيء وترفضه حتى تقدم ''سمير'' سائق التاكسي، وكان شاباً في مقتبل العمر سمعته طيبة وأخلاقه عالية ودخله لا بأس به إلى جانب أنه يقيم في منزله بمفرده بعد وفاة والديه ووعد بتحمل كل نفقات وأعباء الزواج وتقديم شبكة ثمينة فرحب به أشقاؤها وأعلنوا موافقتهم، كان "سمير" يحب ابنة خالته حبا ليس له حدود لكنها رفضته لضعف إمكاناته المادية، فقد كان وقتها يعمل على سيارة "ميكروباص" ودخله منها يكفي بالكاد نفقاته ونفقات علاج والدته لذلك لم يكن قد ادخر إلا القليل، فسافر للعمل بإحدى الدول العربية واستمرت غربته خمس سنوات ليعوض ما كان يفتقده والذي قوبل بالرفض من أجله، لكن بعد عودته وجد حبيبته قد تزوجت من رجل آخر فأضرب عن الزواج وعاش على ذكراها، وكانت والدته تؤنس وحدته وهو مشغول بها وبمرضها واشترى سيارة أجرة جديدة، وكان يعمل عليها وقتما يشاء دون قيد من أحد، ومع ذلك ادخر مبلغاً كبيراً لكن بعد وفاة والدته أصبح يعاني الوحدة، فأشار عليه أصدقاؤه المقربون بضرورة الزواج حتى يجد أنيساً له في وحدته أو ينجب طفلاً يملأ عليه حياته ويغير من نمطها الرتيب، رشحت له شقيقته "حنان" فوافق دون تفكير وتقدم للزواج منها، لكن نظراً لأن قلبها كان مشغولا بغيره فلم تشعر بأي شيء يجذبها إليه بل شعرت بالنفور منه، انتظرت أن يخطو حبيبها "فتحي" خطوة إيجابية ليدافع عن حبهما، لكنه لم يفعل أو لم يستطع أن يفعل، لم تصمت "حنان" أو تكتم حبها في صدرها ولو حرصا على التقاليد وإنما أعلنت وبملء فمها رفضها إلا أن أشقاءها أرغموها على القبول ولم يكن لديها أب أو أم لتشكو إليهما فلم يكن أمامها هي الأخرى سوى الموافقة، لم يتغير شعورها تجاه زوجها بعد الزواج خاصة أنه تعامل معها ليلة الدخلة بقسوة بالغة علاوة على المعاملة الفظة وألفاظه القاسية وضربه المستمر لها عند أقل هفوة وكأنها جارية اشتراها بنقوده، كما لم يظهر لها أي اهتمام لوجودها في حياته ففي الحقيقة لم يكن يحبها هو الآخر وإنما اعتبرها نوعا من إكمال حياته ووعاء للإنجاب فقط، كما أصبح يخرج كل يوم في الصباح الباكر ولا يعود إلا في ساعة متأخرة من الليل وبالطبع عندما يعود يكون منهكاً يحتاج إلى الراحة، مع الوقت والمعاملة التي تسوء يوماً بعد الآخر تحول شعورها تجاه زوجها إلى كراهية مقيتة فلم يحاول يوما أن يحنو عليها أو يعاملها كإنسانة لها قلب ولم يداعبها أو يلاطفها، كما يفعل جميع الرجال مع نسائهم وحتى الأطفال الثلاثة الذين أنجبتهم منه تباعا لم يغيروا من تصرفاته وسوء معاملته، لكنها كانت تفكر في الحياة التي تنتظرها كمطلقة لديها ثلاثة أطفال إذا تركت له المنزل أو طلبت الطلاق وشجعه صبرها على التمادي فكان العذاب والضرب في كل مكان في جسدها والأسباب مختلفة، لكنها جميعاً أسباب تافهة لا تستحق كل هذا العذاب كما كان يأخذ حقوقه الزوجية عنوة ومن دون مراعاة لمشاعرها، أفقدها الشعور بالظلم كل رغبة في الحياة وضاعت منها كل الأشياء الجميلة حتى اختمرت في عقلها فكرة الانتقام والرد على ما يفعله بها زوجها، لجأت إلى أغرب وسيلة للانتقام منه وكان الهاتف هو وسيلتها لتنفيذ انتقامها، كلما ضربها زوجها كانت تنتقم منه بعد خروجه من المنزل مباشرة بإدارة قرص الهاتف بطريقة عشوائية حتى يصادفها صوت شاب أو رجل فتبدأ في مغازلته بأفحش الألفاظ، حتى صار لها أصدقاء ينتظرون مكالماتها من دون أن تعطي أحداً منهم رقم هاتف منزلها، استمرأت الأمر حتى أصبح الهاتف تسليتها الوحيدة التي تنسيها همومها معتقدة أنها بذلك تنتقم من زوجها .
من بين أصدقائها الكثير ألقت بشباكها على موظف يدعى "بهاء" أفهمته أنها غير متزوجة وأن والديها مسافران إلى إحدى الدول العربية للعمل هناك وتعيش في جحيم بين أشقائها واستمرت المحادثات بينهما فترة طويلة من الوقت حتى تم اللقاء الأول بينهما في أحد النوادي، بعد عدة لقاءات عرض عليها الزواج فأقنعته أن أشقاءها لن يوافقوا على زواجها منه لاحتياجهم إليها في تدبير أمور المنزل، لكنه أخذ يلح عليها وكانت قبل ذلك قد تمكنت من إقناع موظف آخر باستخراج شهادة ميلاد لها باسم آخر غير اسمها الحقيقي ومع إلحاح "بهاء" على الزواج منها وافقت بشرط أن يظل زواجهما سراً حتى يأتي والداها من الخارج وبالفعل تزوجته باسمها المنتحل، لكن ظل زواجهما مجرد عقد قران على الورق فقط لأنها كانت تصر على مقابلته في "الكازينوهات" حتى يعود والداها من الخارج ويباركا زواجهما!
فجأة اختفت "حنان" من حياة زوجها الجديد "بهاء" وكأنها اكتفت بما فعلته انتقاما من زوجها الأول وعبثا أخذ يبحث عن زوجته الغائبة، حتى أعياه الأمر فقام بطبع عدة صور لها ووزعها على معارفه وأصدقائه لعل أحدهم يعثر عليها، وصلت إحدى هذه الصور إلى يد صديق زوجها الأول سائق التاكسي فأسرع بإبلاغه، وعندما بحث في أوراقها عثر على شهادة الميلاد بالاسم المنتحل وقسيمة الزواج من زوجها الجديد، وعلى الفور أسرع بإبلاغ الشرطة واتهم زوجته بالزنا والتزوير، كما أنكر نسب الطفلة الصغيرة التي ولدتها زوجته بعد واقعة الزواج الثاني، ألقت الشرطة القبض على "حنان" وعلى زوجها الثاني "بهاء"، أمام النيابة أدلت زوجة الاثنين باعتراف تفصيلي بما حدث وبررت جريمتها بأنها كانت ترغب في الانتقام من زوجها الأول بسبب سوء معاملته منذ اليوم الأول لزواجهما، وأكدت أنها لا تخشى العواقب وأصرت على أنه يستحق كل ما فعلته به وفي نفس الوقت أكدت أن علاقتها بزوجها الثاني مجرد حبر على ورق فلم تنشأ بينهما أي علاقة زوجية أو تعاشره، بينما قرر الزوج الثاني أنه وقع ضحية لهذه المرأة التي أوقعته في شباكها عن طريق الهاتف وأكد أنه لم يعاشرها طوال فترة زواجهما ولم يكن يعرف أنها متزوجة، أمرت النيابة بحبسهما على ذمة التحقيق كما أمرت بالقبض على الموظف الذي دبر لها شهادة الميلاد الجديدة بالاسم المستعار .