كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ العرب وأفصح قريش، تنثال المعاني الرفيعة من فمه الكريم انثيال السيل، لا يدانيه في ذلك قائل، ولا يباريه خطيب وهو هكذا في كل حالاته، سواء أقال كلاماً مرسلاً أم اعتلى منبراً للخطابة، أم حاور محدثيه .
وبلاغة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته وراثة واكتساباً، وراثة من بلاغة بني هاشم في قريش، واكتساباً من بني سعد الذين رضع في باديتهم، ومما زاد فضله في البيان أنه علم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في بلاغتها، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد، وقد سأله يوماً أبو بكر عن سر فصاحته بقوله: ما رأينا الذي هو أفصح منك . فأجاب صلى الله عليه وسلم قائلاً: وما يمنعني وقد نزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين .
أوائل خطب الرسول
ويذكر الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه البيان المحمدي أن ابن قتيبة يقول في صفة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم: تتبعت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت أوائل أكثرها الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأشار قتيبه الدينوري في كتابه عيون الأخبار إلى أن خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تبدأ ب أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته، ووجدت كل خطبة مفتاحها الحمد إلا خطبة العيد فإن مفتاحها التكبير، وتكبير الإمام قبل أن ينزل عن المنبر أربع عشرة تكبيرة .
ويقول محمد خليل الخطيب في كتابه خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم، عن الزهري قال: كان صدر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله .
وعن ابن شهاب قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب: كل ما هو آت قريب، ولا بعد لما هو آت، لا يعجل الله بعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً، ويريد الناس أمراً ما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز .
وأوضح ابن خلاد في كتاب أمثال الحديث صفة النبي صلى الله عليه وسلم حين يخطب فكان وفقاً لرواية جابر بن عبدالله: إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه نذير جيش يقول: صبحكم ومساكم، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويفرق بين أصبعيه السبابة والوسطى .
نفور من التصنع
وكان صلى الله عليه وسلم ينفر من الكلام الذي يتسم بالتصنع، ولا يرتاح إلى السجع الذي يجافي الطبع . ويؤذي السمع، وقد ضاق ذرعاً - على الرغم من حلمه الواسع - برجل قال كلاماً يستغرب فيه دية حكم بها رسول الله لامرأة ضربتها ضرتها وكانت حاملاً فأسقطت جنينها، وكان الرجل - واسمه العلاء بن مسروح - وهو أخ للمرأة الضاربة . قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: كيف ندي (أي: ندفع دية) من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، فمثل هذا يطل؟! فقال عليه السلام-: أسجعاً كسجع الجاهلية؟ وفي رواية: أسجعاً كسجع الكهان؟ .
ومن البداهة بمكان أن قوله صلى الله عليه وسلم لا يفيد باستكراه السجع، لأن السجع ضرب من القول الجميل يزين الكلام، ويريح الأسماع، وكلامه صلى الله عليه وسلم فيه سجع كثير جميل، مثل قوله: أيها الناس: أفشو السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلو الجنة بسلام وإنما قصد الرسول بسجع الجاهلية أو سجع الكهان ذلك الكلام المتنافر الثقيل على الذوق والسمع وإن اتشح بقوالب السجع والتزم فواصله .
كانت موضوعات خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم هي كل ما يتعلق بالإسلام نفسه، وأولها الدعوة إلى الله، ثم التربية والتنبيه، والوعظ وغرس التقوى في نفوس العباد، والتذكير بمضي الأجل وبزوال الدنيا وحتمية الموت وانتظار الآخرة، وذكر الفرائض والعبادات والمحافظة عليها، وحب الله، وحب القرآن، وحب الناس بعضهم بعضاً، وخطبه في الأيام العظام مثل دخوله المدينة، وفتح تبوك، وفتح مكة، وعند المشاعر، وخطبة الوداع التي ضمنها وأكد فيها على الحلال والحرام، وإصدار الأحكام .
لقد فاض بيان الخطب المحمدية على العالمين منذ أكرمه الله بالرسالة وظل هذا الفيض النوراني يواكب الحقب والأزمنة، يستضئ به المسلمون، وينهل منه المهتدون، وقد لقيت خطبه صلى الله عليه وسلم العطرة في جوانبها المتعددة اهتماماً من العلماء فرووها، ومن المؤرخين فسجلوها، وتسابقت الأجيال في روايتها، وتلاحقت الجهود في الحفاظ عليها .