في الوقت الذي انتشرت فيه كاميرات الهواتف المتحركة ذات الجودة العالية، ظهر جيل جديد من المصورين والمخرجين الشباب ممن أبدعوا في تصوير وإخراج العديد من الأفلام القصيرة عن طريق الهاتف المتحرك، وسرعان ما انتشرت هذه النوعية من الأفلام حول العالم حتى إن بعض المهرجانات السينمائية العالمية خصصت لها جوائز كبقية الأفلام المشاركة، ويسعى مقدمو هذه الأفلام إلى تقديم رؤية سينمائية خاصة بهم بشكل مميز وبأقل التكاليف . فما ميزة هذه الأفلام؟ ولماذا يقبل عليها البعض؟ وإلى أي مدى هي مقبولة؟ هذا ما نطرحه في هذا التحقيق .

تمثل أغلبية هذه الأفلام قصصاً واقعية عاصرها مصوروها ومخرجوها، أو أحداثاً وقعت أمامهم بالصدفة وأسهمت كاميرا الموبايل في التقطاها بشكل حرفي متقن خاصة مع تطور جودتها إضافة إلى سرعة تحرير وعمل مونتاج للفيلم وإرساله في اللحظة نفسها لشبكة الإنترنت على موقع اليوتيوب، ليتمكن ملايين المشاهدين حول العالم من مشاهدته في التوقيت نفسه .

على شبكة الإنترنت انتشرت المواقع المتخصصة في نشر مسابقات أفلام الموبايل والتي تتميز بدقة وجودة عالية يمكن أن تنافس الكاميرا العادية في كثير من الأوقات، ومن بين هذه المواقع آي فون فوتوغرافر وآي فون إف إف وهي اختصار لمهرجان أفلام آي فون . وما يميز كاميرات معظم الهواتف المتحركة هي إمكانية إضافة عدسات متخصصة لها يمكن من خلالها منافسة الكاميرات المتخصصة في التصوير السينمائي، إضافة إلى سرعة تحرير وعمل مونتاج للفيديو في وقت قصير لا يتعدى الدقائق .

حسن كياني مخرج إماراتي وأحد مصوري الأفلام السينمائية من خلال الهاتف المتحرك يقول إن عملية تصوير الأفلام من خلال الموبايل وخاصة الآي فون انتشرت مع زيادة نسبة مشاهدتها من قبل الشباب عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي .

ويوضح كياني أن أحد أفلامه وهو بعنوان تليفوني حاز على جائزة في مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته الماضية، وهو ما أعطاه دفعة قوية لتطوير نفسه في تنفيذ الأفلام المختلفة من خلال عدسة الهاتف المتحرك، لما لها من مميزات متعددة .

ويرى كياني أن أحد أهم مميزات التصوير السينمائي بالهاتف المتحرك هي التكلفة القليلة التي يحتاجها إنتاج فيلم سينمائي قصير، حيث لا يتعدى الأمر جهاز الهاتف المتحرك الخاص بالمصور وبعض برامج المونتاج البسيطة الموجودة على الهاتف نفسه أو على جهاز الكمبيوتر .

ويتحدث كياني عن فيلمه قائلاً: هو قصة زميلي المؤلف أحمد الزين وقد اتفقنا على تصويره من خلال الهاتف المتحرك كفكرة جديدة يمكن أن نقوم بها داخل الإمارات، لكن من خلال إعداد جيد، وتدور قصة الفيلم حول طفل عمره 9 سنوات اشترى له والده هاتف آي فون كهدية، وحاول الولد أن يستغله في تصوير عدد من المشاهد داخل المنزل، وخرج حاملاً هاتفه وتعرف إلى أحد العمال وقام بتصويره أثناء عمله .

منصور راشد خريج كلية التقنية وهو أحد هواة التصوير من خلال الهاتف المتحرك يقول إنه قام بتصوير الكثير من اللقطات والأفلام السينمائية عبر هاتفه، منها ما هو معد سلفاً ومنها ما جاء عن طريق الصدفة من خلال الأحداث والوقائع اليومية التي نعاصرها .

ويرى منصور أن تجربة التصوير عبر الهاتف المتحرك تعد أسهل الطرق للتحرر من قيود التصوير بالكاميرات العادية التي تتطلب أن تكون موجودة معك طوال الوقت لتصوير أي حدث أو حالة قد تقع أمامك، بينما من خلال الهاتف يمكن التصوير في أي وقت وأي مكان .

وعن أحد الأفلام التي قام بتصويرها يقول منصور: قمت بتصوير فيلم قصير بعنوان شباب تصل مدته إلى نحو 6 دقائق، حاولت فيه رصد الكثير من السلبيات المختلفة التي يقوم بها بعض الشباب طوال اليوم . كقيادة السيارة بسرعة جنونية والتعامل مع الآخرين بشكل غير لائق ومقبول .

ويضيف: حاولت أن أعالج هذه القضية بشكل سريع من خلال عدسة الموبايل حيث اعتمدت على التصوير في النهار كي تكون الصورة أوضح، على الرغم من جودتها في المساء من خلال استخدام الفلاش، إضافة إلى أنني رصدت عدداً من الوقائع بشكل يجذب المشاهد، وقد عالجت الكثير من الأمور من خلال المونتاج وعن طريق الهاتف أيضاً .

منصور يعتبر أن سينما الموبايل باتت أمراً حتمياً وفرضت نفسها على الجميع في الوقت الذي أصبحنا نعيش فيه عصر الفيس بوك واليوتيوب والتويتر، حيث تتسارع وتيرة الأحداث والأخبار، وهنا كان للموبايل الدور في تصويرها بشكل سينمائي وحرفي .

المخرج الإماراتي حمد صغران وهو أيضاً أحد مصوري الأفلام السينمائية عبر الموبايل يؤكد أن الوقت الحالي هو عصر سينما الموبايل خاصة مع توفره لدى كل الناس، وبالتالي بات من السهل على أي شخص القيام بالتصوير، لكن هناك شروط يجب أن تتوافر في صانعي مثل هذه الأفلام، وهي أن يكونوا على دراية كاملة بكيفية التصوير من خلال زوايا فنية مختلفة يمكن من خلالها أن يظهر الفيلم بشكل مميز يجذب المشاهد، خاصة وأن هناك ملايين الأفلام التي تم تصويرها، ولكن بشكل غير محترف ولا يجذب الناس .

يضيف حمد: من الممكن أيضاً أن يصور الفيلم عن طريق الصدفة، ويقوم بذلك أي شخص غير محترف من خلال الهاتف المتحرك، وهو ما يحدث في أغلب الأوقات، حيث يسعى البعض لتوثيق كثير من الوقائع والأحداث المحيطة به ليدونها في سجله الخاص على شكل فيلم قصير .

وعن تجربته مع صناعة هذه النوعية من الأفلام يقول صغران: أسعى لعمل ذلك، لكن من خلال تجربة مختلفة استخدم فيها الموبايل أو أجعله هدفاً رئيساً لي، حيث أصور الفيلم بالكاميرا العادية وأقوم بتحويل صيغة المشاهدة الخاصة بالفيلم إلى الهاتف المتحرك لكي تكون سريعة الانتشار، خاصة للصيغة التي تعمل بها هواتف بلاك بيري، وقمت بتصوير فيلم بعنوان أنا الروح من نوعية أفلام الفيديو آرت وهي أفلام بعيدة عن التصوير الاحترافي، وتسمى أيضاً أفلاماً تجريبية وهي واسعة الانتشار بين الشباب .

أحمد الكتبي مخرج إماراتي قام بتصوير العديد من الأفلام السينمائية والوثائقية من خلال كاميرا الهاتف المتحرك، ونقلها إلى موقع التواصل الاجتماعي يوتيوب وحظي معظمها بنسبة مشاهدة وصلت إلى 70 ألف مشاهد في أقل من يومين .

يقول عن هذه التجربة: قمت بتصوير مجموعة من الأفلام القصيرة من خلال الهاتف التحرك، وكنت قد أعددت لها عدداً من الأفكار المسبقة بالتعاون مع بعض الزملاء والمتخصصين في هذا المجال، والهدف من هذه الأفلام تقديم النصائح وتوعية الشباب .

يتابع الكتبي: حاولت أن أقدم فكرة وبطرق غير مكلفة .

من جانبه يقول الدكتور سيد بخيت أستاذ الإعلام في جامعة الشارقة إن العصر الذي نعيشه يتميز بوجود الكثير من الوسائل التقنية والإعلامية المختلفة، التي باتت تمثل واقعاً يساعدنا على تقديم المادة عبر وسائل إعلامية مختلفة، سواء كانت فيلماً سينمائياً أو وثائقياً أو تصوير أحداث بعينها .

ويضيف: بات التصوير من خلال الهاتف المتحرك متاحاً للجميع في ظل التطورات السريعة للأحداث التي نعيشها، وبالتالي فرضت هذه الوسيلة نفسها في بعض الأحيان لتكون بديلاً عن الكاميرا العادية التي تتطلب تجهيزات ووقتا حتى تصل لمكان الأحداث في حال عدم وجودها .

ويوضح د . بخيت أن كثيراً من الناس أصبحوا إعلاميين بفضل تطور التقنيات الحديثة التي سهلت إيجاد شكل جديد لواقع السينما والإعلام، حيث بدأ البعض يتعلم التصوير من خلال كاميرا الهاتف المتحرك التي أصبحت في متناول الجميع وبدقة وجودة عالية، ويمكنها في بعض الأحيان أن تنافس الكاميرا المتخصصة .

من جهته يقول الدكتور خالد الخاجة عميد كلية الإعلام في جامعة عجمان أن سينما الهاتف المتحرك، باتت تمثل جانباً كبيراً من الأعمال التي يقوم بها كثير من هواة تصوير الأفلام في العالم بشكل عام وفي منطقة الخليج بشكل خاص، لا سيما أنها سهلة الاستخدام وقليلة التكلفة .

ويضيف: أسهم انتشار المواقع الاجتماعية في رواج هذه الأفلام التي خرج معظمها من نطاق التسلية إلى نطاق الجدية في العمل، وتقديم أفلام هادفة بأفكار ورؤى مختلفة، وهو ما جعل كثير منها يدخل في مسابقات عالمية للأفلام ويحصد الكثير من الجوائز .

ويوضح الخاجة أن هذه الوسائل تعد منبراً مهماً لتعلم كيفية تصوير الأفلام فيما بعد، وتجربة مميزة للتدريب على تصوير تلك النوعية من الأفلام خاصة الوثائقي منها .