بعض الأفلام التي تم إنتاجها مؤخرا لم تجد طريقها لدور العرض، ومن وجد منها هذا الطريق لم يستمر سوى أيام قليلة وتم بيعه للفضائيات، فهل هناك أفلام يتم إنتاجها من أجل الفضائيات تحديدا دون أن يهتم المنتج بعرضها سينمائيا أو ما يمكن أن تحققه من إيرادات؟ وهل انتشار فضائيات الأفلام شجع على ظهور هذه النوعية؟ وهل يمكن اعتبار تلك الأفلام عودة لسينما المقاولات خاصة أن معظمها يتم تصويره في أسابيع قليلة وبدون نجوم كبار؟ علامات استفهام نبحث في هذا التحقيق عن إجابات لها مع بعض المعنيين. بنات وموتوسيكلات كامب، دقي يا مزيكا، مصر الجديدة، ورقة شفرة، وغيرها من الأفلام التي لم يهتم منتجوها بالدعاية الكافية لها. بل إن فيلما مثل بنات وموتوسيكلات الذي لعبت بطولته ريم هلال واللبنانية تتيانا لم يسمع عنه الجمهور إلا عند عرضه مؤخرا، فهل عدم اهتمام المنتج بالدعاية لفيلمه أثناء التصوير وقبل العرض أحد المؤشرات على أن هذا الفيلم مصنوع للفضائيات وأن الدعاية من أجل جذب الجمهور له في دور العرض لا تفرق كثيرا؟ يقول المنتج والموزع السينمائي محمد حسن رمزي: أي منتج يهمه أن يكسب من فيلمه، هذه هي القاعدة التي لا خلاف عليها ولذلك لا يوجد تعارض بين الاهتمام بالجانبين معا: إيرادات الفيلم من دور العرض، وتسويقه للفضائيات، لأن المكسب يمكن أن يتحقق من الاثنين أو على الأقل يعوض أحدهما الآخر، لكن حتى نكون واقعيين هناك أفلام لا تحصل على حقها الكافي في العرض في السينما لظروف مختلفة ربما لأن أصحاب دور العرض يفضلون أفلاما أخرى، وربما لأن توقيت نزولها يصطدم بزحام أفلام أخرى، وبعض الأفلام لا يتوقع منتجوها إيرادات ضخمة لها، ولذلك لا ينفقون الكثير على دعاياتها وتكون الأولوية عندهم لتسويق تلك الأفلام للفضائيات بسعر جيد لكن هذا لا يعني أن هذه الأفلام تتم صناعتها أساسا للفضائيات وإنما لا تجد حظها من النجاح الجماهيري فيكون الاعتماد الأكبر على تسويقها فضائيا.

المنتج هاني فوزي الذي أنتج مؤخرا مجموعة من الأفلام بوجوه شابة في الكتابة والإخراج والتمثيل، يؤكد أنه يهتم جدا بعرض أفلامه في السينما وأنه لا يصنع أفلاما ليعرضها في القنوات الفضائية لأن هذه مرحلة تكون بعد العرض في الصالات.

ويضيف: المشكلة هناك حيتان في سوق التوزيع ودور العرض لا يمنحون أي فيلم فرصة التواجد بسهولة، خاصة إذا كان الفيلم معتمدا على وجوه شابة وليسوا نجوما معروفين، وأنا أرفض وصف أي فيلم من أفلامي بأنه سينما مقاولات لأنه ليس معنى تقديمي لفيلم بوجوه شابة وميزانية متوسطة أنه فيلم مقاولات، وجزء كبير من الميزانيات الضخمة التي يرصدها الآخرون لأفلامهم هي في أجور نجوم هذه الأفلام، بينما أجور الوجوه الجديدة لا ترهق ميزانيات الأفلام، فيلم المقاولات هو الذي لا يقدم أي مضمون وليس متوسط الميزانية لأن هناك أفلاما تنفق عليها ملايين وهي في الحقيقية تافهة وتشبه تماما أفلام المقاولات التي كان يتم إنتاجها في السبعينات.

أنتم السبب.. هكذا بدأ الفنان الشاب أحمد فلوكس بطل فيلم شارع 18 كلامه ويضيف: الصحافة والإعلام عموما يتحملان جزءا كبيرا من مسؤولية عدم إحساس الناس ببعض الأفلام لأن كل اهتمام الإعلام الفني يكون منصبا على أفلام النجوم وتبدأ متابعتها من فترة التحضير لها وحتى ما بعد عرضها، لكن الأفلام التي تعتمد على وجوه جديدة لا يهتم بها الكثيرون ولا يتابعون أخبارها فتكون النتيجة أنه لا أحد يشعر بها حتى يتم عرضها في الصالات، وهذا لا يعني أنها أفلام تافهة أو ضعيفة أو أنها مصنوعة فقط للفضائيات لأن هذا يظلم أفلاما كثيرة بها جهد حقيقي ولا تجد من يتابعها أو يكتب عنها.. وأنا عن نفسي لا يمكن أن أشارك في أي فيلم لن يمر أولا على دور العرض لأن متعة الفنان السينمائي الحقيقية في أن يرى عمله على الشاشة الكبيرة حتى لو عرض لأسبوع واحد فقط، وفيلم مثل شارع 18 الذي يعتمد علينا كنجوم شباب به جهد كبير ومضمون مختلف عن معظم الأفلام الموجودة وهو ما شعر به الجمهور الذي شاهده، والمهم أنه عرض للناس في السينما بغض النظر عن إيراداته أو مدة استمراره في دور العرض.

أما ريم هلال بطلة فيلم بنات وموتوسيكلات فتقول: أي فنان يحب أن يرى فيلمه في دور العرض ومهما حقق من نجاح في الفضائيات بعد ذلك فإن هذا لا يعوضه أبدا عن متعة نجاحه في السينما، أما الدعاية وظروف العرض وغيرهما من التفاصيل فهي أشياء لا يمكن أن يتحكم فيها الفنان وأنا في فيلم بنات وموتوسيكلات عملت مع منتجة مهمة هي مي مسحال ومخرج له اسمه هو فخر الدين نجيدة ولا يمكن أن يكون هناك فيلم لهما من نوعية أفلام المقاولات أو التي تنتج للفضائيات فقط. أما كون الفيلم عرض فجأة أو بدعاية قليلة فهذه أشياء لا أعرف ظروفها لأنها تكون مرتبطة أكثر بالإنتاج والتوزيع لكنني واثقة من أن الفيلم سيحقق نجاحا مع الشباب وأنه سيكون في حد ذاته دعاية لنفسه لأنه فيلم جيد.

وحول ما تردد عن تعويض قلة الدعاية بأخبار مثيرة عن وجود مشاهد ساخنة في الفيلم أثارت اعتراض الرقابة قالت ريم: الرقابة اعترضت على الأفيش لأن الملابس التي صورناه بها كانت في نظر الرقابة ملابس ساخنة مع أنها تعبر عن موضوع الفيلم الذي يدور حول العلاقة بين بعض الشباب والبنات في مدينة شرم الشيخ، لكن تم التوصل لحل وسط وأجازت الرقابة الأفيش وهو ما جعل من يراه يظن أننا نقدم فيلما مثيرا وهذا غير صحيح كما أن حكاية المشاهد الساخنة هذه لم تعد عنصر جذب للجمهور ليدخل فيلما.

الفنانة جيهان قمري بطلة فيلم دقي يا مزيكا الذي يجري تصويره حاليا تؤكد أنها تصور الفيلم دون أن تتدخل في مواعيد أو ظروف العرض لأن هذه اختصاصات المنتج والمؤكد أنه سيكون حريصا على فيلمه لكنها كممثلة يهمها أن تقتنع أولا بالدور وأن تجتهد فيه وأن يراه أكبر عدد ممكن من الجمهور.

وتكمل جيهان: فيلم دقي يا مزيكا يعتبر أول بطولة مطلقة لي في السينما بعد أن شاركت في أعمال كثيرة ناجحة ولكنه ليس فيلم مقاولات، بالعكس هو فيلم به مضمون وكلنا نقدم فيه أفضل ما لدينا كما أنه من غير المعقول أن يحكم أحد على فيلم لم يشاهده بأنه مصنوع للفضائيات فقط أو أنه مقاولات لمجرد أنه لا يضم أسماء نجوم شباك.

ويؤكد المخرج السينمائي نادر جلال أن هناك فوضى كبيرة تشهدها السينما حاليا ولم يعد أحد يعرف إلى أين تذهب السينما المصرية، لكن يجب ألا نظلم كل الأفلام فهناك محاولات لصنع سينما جيدة وإن كانت قليلة والمؤكد أن هناك بالفعل أفلاما أصبحت تضع عينها على الفضائيات أكثر من دور العرض لأن مكسبها يكون من التسويق أكثر، لكننا يجب ألا نحكم على الأفلام التي يتم تصويرها في شهرين أو ثلاثة على أنها أفلام مقاولات لأنه حتى أفلام نجوم الشباك لا يستغرق تصويرها أكثر من هذه الفترة ولم يقل أحد عنها إنها أفلام مقاولات وفترة التصوير أو فترة بقاء الفيلم في دور العرض ليست المقياس على أن هذا الفيلم مقاولات أم لا، لأن المقياس يجب أن يكون مضمون الفيلم ومدى الإخلاص والجهد المبذول في صنعه.

ويفرق الكاتب والناقد السينمائي رؤوف توفيق بين نوعين من الأفلام متوسطة التكاليف، الأول يكون معتمدا على وجوه شابة ويحمل فكرا ومضمونا جيدا حتى لو كان مضمونا خفيفا، وهذه الأفلام لا يمكن وصفها بأنها أفلام مقاولات حتى لو تم رفعها بسرعة من دور العرض لأن هناك أفلاما ترفع من دور العرض لصالح أفلام أخرى. أما النوع الثاني فهو الفيلم المسلوق، على حد تعبير رؤوف توفيق، ويتم صنعه باستعجال وبأقل تكلفة ممكنة ولا يهم المنتج عرضه في أي وقت لأن عينه تكون على الفضائيات فقط التي من المؤكد أن انتشارها وراء ظهور إنتاج سينمائي يعتمد خصيصا على دخله من البيع الفضائي وليس من العرض الجماهيري، وهذه الأفلام أشبه بالفعل بسينما المقاولات التي كانت تقدم في فترة السبعينات وكان لها نجومها المعروفون وكانت كتابة الفيلم وتصويره لا تستغرق أكثر من شهرين.