إن الخوض في التراث الفكري والإبداعي الصوفي العربي ظل محل اشتباك ثقافي وفكري بين المثقفين العرب بكل أطيافهم واتجاهاتهم، وقد تعددت الآراء والمواقف تجاهه، لكن التعاطي معه بقي مع بعض الاستثناءات خارج إطار التعاطي التاريخاني بالمعنى الهيغلي للكلمة، أي الدخول معه في سجال فكري مواز له، ليس من أجل الوصول إلى اتفاق حول قيمته الإبداعية والفكرية أو الاختلاف معه لكونه خارج مألوف ما سلفه من تراث، ما جعل العلاقة به تنحو إما إلى تبجيله أو نكران صفة الإبداع عنه، وإنما لفحص البنى التي ينتمي إليها، والإشارات التي يتضمنها، وذلك من أجل بناء حراك صحي ومطلوب بين مختلف طبقات الإنتاج الفكري والإبداعي في التاريخ العربي، يصب في مصلحة رؤية أكثر موضوعية لذاك التراث، وفهم ما قدمه، وما يمكن أن يقدمه لعملية التجديد الفكري والفلسفي والإبداعي.
لا ريب في أن أطروحة الثابت والمتحول لأدونيس، وهي أيضا ما زالت أطروحة إشكالية إلى حد كبير إلى يومنا هذا، قد كانت الدراسة الأكثر تحديدا على مستوى مقاربة التراث من منظور حداثي، وهو منظور قائم على محاكمة التراث نقديا وفقا للقيم التي طرحتها الحداثة، والتي أعطت القيمة الرئيسية للتجديد الذي يستمد مشروعيته من الحاضر والمستقبل أكثر من الماضي، وإعطاء الأولوية للنقد العقلي والإبداعي، والاعتراف بالتحول التاريخي، باعتباره تحولا إنسانيا بالدرجة الأولى.
وإذا ما نظرنا إلى ما قدمه المتصوفة العرب أمثال محيي الدين بن عربي، والسهروردي، والنفري، وغيرهم، سنجد إن إشكالية التطرف والمبالغة في إطلاق أحكام القيمة سلبية كانت أم إيجابية على نتاجهم، نابعة من كونها موقفا فكريا سابقا على القراءة الموضوعية لإبداعاتهم، وأطروحاتهم، وهذا ما يجعل من إعادة النظر لذاك النتاج جزءا من عملية أعم وأشمل، هي عملية التعامل الموضوعي مع الذاكرة الإبداعية العربية، كما يفتح الباب لمقاربات وتأويلات تستفيد من المنجزات النقدية الحديثة، ومنجزات العلوم الإنسانية، باعتبار أن كل منجز معرفي هو منجز قائم في الأساس على التطور الفكري، وهو ما عبر عنه أدونيس في الثابت والمتحول بشأن علاقة الفكر بالنص بقوله أُعرفُ المتحول بأنه، إما الفكر الذي ينهض، هو أيضا، على النص، لكن بتأويل يجعل النص قابلا للتكيف مع الواقع وتجدده، وإما أنه الفكر الذي لا يرى في النص أية مرجعية، ويعتمد أساسا على العقل لا على النقل.
تكمن أهمية رؤية أدونيس للعلاقة بين النقد والنص في أمرين اثنين، خاصة إذا ما تم اتباعها وفقا للمنهج التطبيقي على النصوص الصوفية، أولهما نزع أي قيمة لا تنبع من النص نفسه، والثانية اهمية إعادة إنتاج الأدوات النقدية نفسها وفقا لتطور الفكر والحاجة إلى تجديده النظرة إلى الفن والكون والحياة.
في هذا الإطار تصبح إمكانية قراءة الثيمات المشتركة للمتصوفة، قابلة للتفكيك بناء على الأطر التاريخية التي تشكلت فيها، كما يمكن التعامل معها من نظرة نقدية أفرزتها الحداثة، ومن أهم الثيمات التي يشترك فيها الصوفيون ثيمة الحب، والتي تتجلى في عناوين كتبهم، كما تتجلى في أشعارهم فلم يكن عبثا اختيار الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي اسم ترجمان الأشواق عنوانا لأحد كتبه والذي أشار فيه إلى أن كل ما كتبه في ذاك الكتاب هو مخصص لمدح نظام بنت الشيخ أبي شجاع بن رستم، والتي عرفها عام 598 للهجرة في مكة، كما أشار إلى أن كل ما تحتويه الأشعار من أسماء وغزل ومديح ما هي إلا إشارات إلى معان إلهية، وهو ما يعرف اليوم بعملية التقنع عن قصد أو من دونه، والتقنع هو نوع من التخفي خلف الإشارة نفسها، وهو يوحي أكثر مما يخفي، وهنا يصبح بالإمكان فهم المسألة في إطارها التاريخاني على حد تعبير المفكر المغربي عبد الله العروي، كما يمكن تفكيكك البنى التي قامت عليها تلك الأشعار من منظور النقد الحديث، وذلك بعد تنحية إشارات ابن عربي إلى القصدية التي أرادها، فالشعر وفقا لكل المناهج النقدية الحديثة من الألسنية إلى البنيوية إلى التفكيكية لا يعترف بالقصدية المسبقة، طالما أن النص موجود وجاهز للتشريح النقدي.
في قصيدة ناحت مطوقة فحن حزين يقول ابن عربي:
ناحت مطوقة فحن حزين
وشجاه ترجيع لها وحنين
جرت الدموع من العيون تفجعا
لحنينها فكأنهن عيونُ
إن الفراق مع الغرام لقاتلي
صعب الغرام مع اللقاء يهون.
إن نظرة أولية فاحصة للأبيات السابقة تكشف عن تناقض بين قصدية ابن عربي التي أعلنها في بداية تصديره للكتاب وبين الدلالات المباشرة التي تشير إليها بوضوح لا لبس فيه، وهو ما يؤكد صوابية نظرية التخفي التي تنطبق في هذا الموقع على ابن عربي، كما أنها تؤكد البعد الواقعي في علاقة ابن عربي مع محبوبته، ومع نفسه في الوقت ذاته.
يعتبر ترجمان الأشواق نموذجا مثاليا للتفحص في العديد من الإشكاليات الفكرية التي ما زالت تحضر بقوة في الفكر والثقافة العربيتين، خاصة في ما يتعلق بإمكانية إعطاء التراث المزيد من الحيوية والفاعلية ضمن سياق التجديد، ما يسهم في بناء جدل بناء بين التراث والمعاصرة، على اعتبار أن التواصلية الثقافية جزء أصيل من الدلالات الحضارية لأية أمة منتجة، أو أنها لم تخرج بعد من الحيز الحضاري.
أما على المستوى البنيوي للنص فأشعار ابن عربي تبقى مفتوحة الدلالة، وهو ما يجعلها وفقا للرؤى الحداثية، ذات أفق توقعي، يلعب المتلقي دورا كبيرا في تكوينه، وهو دور المشارك في تأويل النص، وبهذا المعنى فالصوفية وإن كانت تعتمد على اللغة في الانحراف عن أي تأويل نهائي، فلأن مبدعيها الكبار كابن عربي كانوا قد أدركوا فكرة الصيرورة، المتجاوزة للأفق المكاني والزماني للإبداع نفسه، وهو ما يجعل منه بلغة اليوم إبداعا كونيا، وهو ما يمكن أن نتلمس الكثير من مفاتيحه في قصيدته اغيب والتي يقول فيها:
أغيب فيفني الشوق نفسي، فألتقي
فلا أشتفي، فالشوق غيبا ومُحضرا
ويُحدِثُ لي لقياهُ ما لم أظنّهُ،
فكان الشفاء داءً من الوجد آخرا
من الصعوبة بمكان الإمساك بالنص وتحليله من ثيمة واحدة هي ثيمة الحب، مع أنها المبرر الظاهري للتعبير، وهي في الوقت نفسه فضاء النص، وهذا ما يجعل التناقض القائم بين الثيمة/الحب ومن الفضاء الذي تتحرك فيه اللغة بين الذات والآخر، تناقضا يصب لمصلحة حيوية النص، وانفلاته من التأويل المباشر، وهي الميزة الكبرى للصوفية الإبداعية.
قيمة كبرى
في السياق نفسه يتخذ متصوف آخر وهو السهروردي من ثيمة الحب أساسا لبناء علاقة مع الحياة والكون، تنطلق من إعطاء الحاضر قيمة كبرى وهو ما يجعله سباقا في طرحه على الفلسفة الوجودية التي استثمرت هي الأخرى الإبداع في التعبير عن أطروحاتها الفكرية والجمالية، فقصيدة يا مليحا قد تجلى تشير إلى حس وجودي عال، متصالح مع اللحظة المعيشة واقعيا وحياتيا، حيث يقول السهروردي:
يا مَليحاً قَد تَجلّى فيهِ أَهلُ الحَيّ هاموا
سِيَما لَمّا تَحلّى وَحَلا فيهِ الغَرامُ
قُلت لَمّا لاحَ يجلى وَاِنجلى عَنّي الظَلامُ
هَكَذا العَيشُ وَإِلّا فَعَلى العَيش السَلامُ
حَبذا لَمّا سَقاني صَفوَ كَأسِ الحُب صِرفا
وَحَباني بِالتَداني وَاِنثَنَى جيداً وَعطفا
مُبعدٌ في القَلبِ حَلا وَجَلى عَنّي الظَلام
هَكَذا العَيش وَإِلا فَعَلى العَيشِ السَلام
يا خَليّ البالِ هَلا تَدخل الحان وَتَعشق
إِنّ لَيل الصَدّ وَلّى وَصَباح الوَصلِ أَشرَق
وَمقامُ الحَب جَلّ لا يُضاهيهِ مَقامُ
هَكَذا العَيشُ وَإِلّا فَعَلى العَيشِ السَلامُ
إن ثيمة الحب في النص السابق هي المعادل الموضوعي للحياة نفسها، والحب هو النور في ضديته للعالم المظلم، وتأسيسا على الرؤية التي تبناها السهروردي فإن العالم قائم على صراع بين النور والظلام، والحب لكونه إبداعاً للحياة فهو نوع من أنواع الكشف، الذي يتخطى الشعور إلى الموقف الفكري والإنساني.
أما عند ابن الفارض فإن ثيمة الحب حاضرة من خلال جدل اللغة مع ذاتها، وهو جدل إبداعي يستعير من لغة الفلسفة القدرة على توليد الأفكار، وهي مسوغ للخروج عن مألوف الكلام ليس تغريبا للمفردة، وإنما كشفا عن إغتراب الإنسان، ما جعل من الحب نفسه مبررا للوجود فهو يقول في قصيدته قلبي يحدثني:
قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي
روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي
لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَنْ يَفي
أخفَيتُ حُبّكُمُ فأخفاني أسىً
حتى لعَمري كِدْتُ عني أختفي
يصعب في النص السابق اعتبار إن للآخر هوية محددة، وهو ما يبرزه التناقض في صيغتي المفرد والجمع، فلو أن المخاطب كان فردا لما احتاج إلى صيغة الجمع في وصفه لواقع إخفائه مشاعر الحب، تلك التي أودت به إلى التلف والنحول وهو ما عبر عنه بصيغة كدت عني أختفي.
إن محاولة التعرف إلى القيمة التجديدية للإبداع الصوفي، لا تكمن فحسب في الكشف عن قيمة التراث العربي الإسلامي، وإنما لمعرفة مدى الانقطاع الذي تم على مدار عصور عدة على المستويات الفكرية والثقافية والإبداعية، وهو ما جعل من الفكر النقدي حتى يومنا هذا يميل إلى اعتماد المقولات الاستاتيكية، في تعاطيه مع الظواهر الإبداعية، ويجعل العربة أمام الحصان، ما أعاق وما زال، تطوير آليات نقدية موضوعية تتخذ من المنجزات المعرفية، خاصة تلك التي تمت خلال العقود الفائتة، نقطة انطلاق تؤسس لحراك ثقافي وإبداعي جديدين بعيدا عن الانحياز المسبق لفكرة بعينها، واعتبار المنجز الإنساني مهما كان منبته، قابلا لأكثر من قراءة، وأكثر من تأويل، بعيدا عن احتكار الأحكام، والاحتكام لأدوات النقد ومناهجه واجتهاداته.