إعداد - محمد فتحي:

كثيراً ما سألنا أنفسنا منذ الصغر، كيف يخدعنا الساحر بإمكاناته المتواضعة وحيله البسيطة التي نراها بأعيننا، ونتأكد أنها حقيقة ملموسة؟ فعلى الرغم من التحليلات والتفسيرات لكيفية إتقان فنانو ألعاب الخفة أعمالهم، فقد تم إثبات أنهم ينتهجون أساليب علمية دقيقة بالغة التعقيد للسيطرة على إدراكنا وجعلنا نقوم بتوقعات مغايرة لما يدور في أذهاننا، وقد تجلت قدرتهم من خلال اللعب على وتر قدرتنا على الإدراك بحد ذاتها، لما يجعلنا نصحح العديد من المفاهيم القديمة التي تدور حول تفسيرات ركيكة، تربط بين حيل فناني الألعاب السحرية وخفة أيديهم، فالواقع يقول إنهم استطاعوا الاستخفاف بعقولنا لآلاف السنين من خلال تبنيهم لخطط معدة مسبقاً، وليس بالحيل التقليدية، التى مازلنا نقتنع بها منذ الصغر حتى بعد أن كبرنا ونضجت عقولنا . وما يبرهن على ذلك أن لكل فنان قدراته الخاصة، التي تختلف من شخص إلى آخر بحسب مهارته وقدرته على السيطرة على الحشود المترقبة لحيله الماكرة . والحقيقة أن الجمهور يُسهل من مهمة الفنان، حيث يجلسون أمامه في انتظار ما يبهرهم، وعلى استعداد عقلي ونفسي أن يتم خداعهم، وكثيراً ما يصدق العقل العديد من الأشياء التي تبدو عادية في الواقع لمجرد أنه يريد الاقتناع بها كشيء خارق للطبيعة، بغرض الاستمتاع بمشاهدتها، أصبح لفناني ألعاب الخفة في الآونة الأخيرة خطط علمية معقدة لإنتاج المزيد من الحيل والألعاب الجديدة التي يتوق إليها المتابعون، يدرسون خلالها الحالة المزاجية للأشخاص، ومستوى قدراتهم العقلية ومدى استعدادهم النفسي، لاستقبال مؤثراتهم الصوتية والضوئية، ومدى تكيفهم مع البيئة التي يقومون بإعدادها مسبقاً لسلب قدرة العقل البشرى على الإدراك، فهو أشبه بأخذ العقل بعيداً عن الواقع كي يصدق ما يحدث أمامه، كما أصبحوا يدرسون كيفية سلب قدرة الجمهور على التفكير بشكل منطقي في داخل تفاصيل الحيل السحرية، والتي تجعله غير قادر على فهمها، ليستسلم في النهاية للفكرة التي وضعها فنانو ألعاب الخفة واستسلام عقلهم الذي لم يستطع تبرير ما يحدث أمامهم، ليقر بقدرة الفنانين الذين استطاعوا ترويضه لمصلحتهم .
ظهر فنانو ألعاب الخفة منذ القدم، وكانوا دوماً بالنسبة إلينا أشخاصاً عاديين يحيط بهم عالم من الألغاز ولم يبح أحد منهم بأسراره، أو بكيفية قيامه بتلك الحيل الماهرة، وحرصوا جميعاً على عدم الكشف عن أدواتهم لتظل أفكارهم راسخة في الأذهان تتوارثها الأجيال والأطفال والكبار، ومنذ سنوات عدة أصبحت الألعاب السحرية، التي كانت تحظى بمتابعة الأطفال والسائحين في الملاهي العامة والمسارح والفعاليات، مصدر اهتمام وبحث داخل الأوساط العلمية، بصورة كبيرة، حيث رأى العديد من العلماء فهم ألغاز كثيرة في الحياة يتعلق بالعقل البشري، ولا بد من دراسة كيفية قيام الفنانين بألعابهم السحرية، وبالفعل أصبحت نتائج مراقبتهم أكثر فائدة من نتائج فئران التجارب داخل المعامل، لذا قامت مجموعة بحثية في مجال علم الأعصاب بجامعة "بنسلفانيا" بعدة دراسات لتسجيل ردود الأفعال البشرية ودراستها بدقة أثناء مشاهدة الخدع السحرية بوساطة أجهزة مماثلة لمعدات التصوير - الرنين المغناطيسي في تتبع حركة العين، والهرمونات المفرزة داخل جسم الإنسان، وكذلك معدلات تبادل الإشارات الكهربية والعصبية داخل الجسم وتأثيرها في الحالة النفسية للأفراد، ومن ثم تحليل تلك النتائج للوقوف على العديد من الحقائق، ولكن كان التحدي الأكبر، أن العلماء مجرد مبتدئين في عالم الخداع والحيل، على العكس من فناني ألعاب الخفة الذين أحكموا سيطرتهم على العقول منذ آلاف السنين، كما أن علاقة الفنانين وأصحاب الحيل تجاه جماهيرهم ليست بالعلمية وإنما تتعلق بالفهم وكيفية استشعار الجمهور، واستخلاصهم للمعلومات، ومن ثم محاولة السيطرة على ردود أفعالهم .
جاءت نتائج التحليلات مبهرة بعد قيام الفريق بالعديد من التجارب لتوضح كيفية خداع الفنانين لنا، وقاموا بإثبات الكثير من الحقائق، لتغير الكثير من التصورات .
يقول ألكسندر فويل أستاذ علم الأعصاب بجامعة "بنسلفانيا" وأحد أعضاء المجموعة البحثية، إنني بعد فهم الكثير من الحقائق أستطيع الآن أن أقوم بإظهار أربع عملات ورقية فضية اللون في وقت واحد بوساطة الجزء الخلفي من يدي وجعل أي شخص يرى كف يدي فارغاً تماماً قبل أن أظهر خمس أوراق أخرى أمامه، فالإنسان العاقل سوف يصاب بالذهول وينظر إلى أنني قمت بالإتيان بخمس عملات ورقية بينما كانت يداي فارغتين، ففنانو ألعاب الخفة هنا، يجعلون الأمر مرهقاً للعقل بسبب سرعة أدائهم العالية، يقول فنان ألعاب الخفة الأمريكي "تيلر"، إنني وصديقي "بين" قمنا بإنتاج 500 صرصور من داخل قبعة أثناء عرض "دايفيد ليترمان" التليفزيوني، واستغرق الإعداد لتلك الخدعة أسبوعين من العمل الشاق، استعنا خلالهما بعالم للحشرات، إذ أمدنا بكاميرا تصوير بطيء لفهم تحركات تلك الحشرات، ويضيف ضاحكاً، دربنا أيضاً على كيفية التقاط تلك الحشرات من دون أن نصرخ كالفتيات المراهقات، ثم قمنا بعمل دوائر سرية حلزونية ملتفة داخل القبعة ما أمكننا من الاحتفاظ بالحشرات في الداخل ومن ثم إطلاقها، والآن قد يبدو الأمر مرهقاً للغاية بالنسبة للأشخاص العاديين في تصورهم لكيفية الإعداد لتلك الخدعة، ولكنه في الواقع غاية في البساطة بالنسبة للماكرين أمثالنا .
يؤكد الدكتور ألكسندر أن الإنسان لا يستطيع أن ينتقد بواقعية بينما يضحك، فكثيراً من مؤدي الحركات السحرية يحرصون على عمل حركات وإلقاء النكات، وعلى الرغم من أن المشاهد عادة ما يلقي بكامل انتباهه أثناء العروض، يتم إثارة انتباهه لشيء آخر كي يبقى عقله مشغولاً بدرجة كبيرة بما سيقوم به المؤدي من أفعال ضاحكة أكثر مما سيقوم به ليجنب المشاهد التفكير بشيء من العقلانية .
ويقول "بين"، إذا أردت أن تكون ماهراً في تلك المهنة، فعليك أن تبقي أسباب خدعك خارج الإطار وطي الكتمان مع القيام بها بتلقائية شديدة، فأنا أستطيع الآن أن أخلع سترتي وأرميها جانباً، ثم آتي إليك وأستخرج عنكبوتاً كبيراً من داخل جيبك ما سوف يصيبك بالذهول، والجميع سيظن أنني قمت بإلقاء السترة لأحظى بكثير من الراحة أو لأن الطقس حار، لكن الحقيقة حينما رميت السترة التقطت من داخلها العنكبوت، ويضيف: إذا أردت أن تخدع العقول، فعليك بالدمج بين خدعتين في آن واحد، فكل ليلة لي في أحد عروض "لاس فيغاس" كنت أقوم بتحريك كرة لتبدو حية وكأنها كلب يتم ترويضه، وكان منهجي الذي خدع الجميع، يتمثل في تحريك الكرة بوساطة خيوط دقيقة لا ترى بالعين، ولكن الكرة كانت تتدحرج نحو طوق خشبي، وهو أمر لا يمكن تصور أنه بوساطة خيط رفيع، لذا فوظيفة الطوق الخشبي في تلك الحالة يطلق عليها فنانو ألعاب الخفة "التوجيه الخاطئ" أي الخدعة الثانية التي تبرهن الخدعة الأولى، فالطوق لم يأخذ أي مجهود لأنه حقيقي، ولكن الخدعة الأولى هي ما أخذت مني 18 شهراً لإعدادها .
ويقول "تيلر" إن لا شيء يخدعك أكثر من الكذبة التي تقنع بها نفسك، ويضيف: خدعة الكرة التي طورها "بين" وضع أساسها من قبل فنان ألعاب الخفة الشهير "دايفيد ابوت" حينما جعل كرة ذهبية صغيرة تحوم داخل حجرته كالطيور أثناء عرض له عام ،1907 وبعدها قام أبوت عن عمد بترك الكرة أعلى رفٍ للكتب، فظن الجالسون أنه فعلها سهواً، وتسللوا وحملوا الكرة فوجدوها ثقيلة جداً كي تُحمل بواسطة خيط رفيع ما أثار دهشتهم، والواقع أن الكرة التي شاهدوها تطير أمامهم، كانت تزن نحو 140 غراماً فقط، أما تلك فواحدة أخرى تركها أبوت لتثير اهتمامهم ويستكشفوها، فالحقيقة أن الساحر حينما يتركك تلاحظ شيئاً بنفسك، فاعلم أنه يقصد بذلك أن تكون كذبته غير قابلة للشك بعد اقتناعك بما فعل، كما أنه حينما يشركك المؤدي معه في أداء بعض الحيل، يستخدم عقلك في تطبيق كل الوسائل والقواعد باحترافية عالية، ويجعلك أيضاً تفعل ما يريد هو، على نحو يبدو وكأنك مارست تلك الحيلة بحرية شديدة على عكس ما تم من إرغامك على أداء بعض الحركات واستخدامك كأداة لتبرهن على براعة حيله أمامك وأمام الآخرين الذين سوف يقتنعون بمجرد اقتناعك .
يقول "ألكسندر"، إن بعد إجراء العديد من التجارب والأبحاث، ومراقبتنا للعديد من المؤديين، وقراءة أفكار قطاعات عريضة من الجمهور، تبين لنا أن ألعاب الخفة هي "فن الجمال" يؤديها فنانون قادرون على سحر الناس بأدائهم الراقي والغامض، مثل الموسيقى والشعر والرسم، ولكن جوهر الحيل الماكرة أنها تجارب معرفية للإدراك الإنساني تهدف إلى دفعهم لتذوق إبداع يصعب عليهم وحدهم إدراكه، ويضيف "بين"، إن نماذج وبيانات ومعلومات الساحر وكيفية تجميعها، تعد سراً منذ قرون، كما أن وسائله وتجاربه عادة ما تكون متقاربة من حيث الشكل والأسلوب والأهداف، وعلماء الأعصاب يقومون بنية حسنة، بجمع عينات من سفح جبل من الألغاز، قام فنانو ألعاب الخفة بتشييده وإرساء دعائمه منذ القدم، فكل محاولاتهم العلمية لفهم ما يدور في أذهاننا تعد جيدة، ولكنها ضرب من ضروب الأوهام التي سيفنون عمرهم بداخله ولن يستطيعون إلا فهم القشور، ويضيف: إذا أردت أن تكون فناناً تسحر الجميع بمهارتك أو أن تفهم سيكولوجية تلك المهنة، فلا سبيل إلا أن تكون واحداً منها .