مما لا شك فيه أن ألف مبروك ليس فيلما عاديا، ومن الخطأ أن يذهب إليه المشاهد وهو يمني النفس بجرعة كبيرة من الكوميديا لمجرد أن بطله أحمد حلمي، أي الشاب الذي أثبت خلال السنوات الأربع الأخيرة أنه نجم الكوميديا الأول في العالم العربي خصوصا بين أبناء جيله، والقادر على الارتقاء بفنه إلى الأمام دائما (عكس زملائه) دون السقوط في فخ النمطية وهاجس التمسك بالشخصية الناجحة وتكرارها في قوالب مختلفة ليضمن إقبال الجمهور. ففيلم ألف مبروك لا يشبه معظم أفلام اليوم العربية، وخصوصا تلك التي تعتمد على البطل الواحد، بل يتحدى عقولنا ويحثنا على التفكير بأحداثه وبالحياة والموت وبأهلنا والمحيطين بنا، وكأنه جردة حساب ذاتية لا بد منها قبل فوات الأوان.
أحيانا لا تستوقفك التفاصيل الصغيرة كثيرا، لأن العمل الموجود أمامك جيد وفيه تكامل بين الكتابة والتمثيل والاخراج مع بعض الملحوظات التي نستعرضها تباعا. فسواء كانت القصة مأخوذة عن أسطورة إغريقية معروفة كما يقول الكاتبان محمد وخالد دياب، أو مستنسخة عن الفيلم الأمريكي يوم الجراوندهوج، فإن أحدا لا يمكنه إنكار براعة حلمي في التمثيل وذكاءه في اختيار أوقات تغيير جلده سينمائيا، خصوصا وأنه مهد لهذا الانقلاب نحو الأدوار الجادة المغمسة بنكهة الكوميديا في فيلمه ما قبل الأخير آسف على الإزعاج الذي لمس من خلاله قبول النقاد والجمهور لهذا النوع من الأفلام، فعاجلهم بجرعة درامية أقوى في ألف مبروك. وها هو يحصد إعجاب الغالبية وشهادة تقدير للمجهود الذي بذله في البحث عن أعمال ترتقي به وبنا وبالسينما العربية.
كل هذا لا ينفي أن جرعة الكوميديا الموجودة في الفيلم قوية وعالية تعتمد على الموقف والكلمة والحركة، وقد نجح المخرج أحمد نادر جلال بإدخالنا إلى عمق الرسالة منذ البداية، وان كان المشاهد لا ينتبه إلى هذا الترابط إلا لاحقا. فكل ما تركز عليه كاميرا المخرج في المشهد الأول هي خطوات البطل وحذاؤه ومجموعة سيقان وأقدام يقابلها في طريقه وصولا إلى مكتبه، لنفهم أن البطل إنسان يهتم بالمظاهر كثيرا ويعتني بنفسه جيدا ولا قيمة لأي شيء في الحياة. وليس من باب المصادفة أن يكون أحمد جلال عبد القوي (بطل الفيلم) مديراً للحسابات في إحدى الشركات، لأن مهنته ترتبط بشخصيته وبهذا النقيض الذي يعيش فيه، فهو إنسان عملي غير عاطفي، لكنه غير مادي، بل يفضل أن يعيش حياته بسلام وأمان بعيدا عن المغامرات والبورصة، ويرضى بالمكسب المادي القليل، على أن يلبي أهله طلباته مهما كان الثمن خصوصا أنه الابن الذكر الوحيد وله أخت أصغر منه. وفي نفس الوقت نجد أحمد حلمي النجم الوحيد في الفيلم والآخرون يدورون في فلكه، ولا نعرف منهم أحدا، ويمكن القول ان الأم والأب والأخت والصديق أدوا جميعا أدوار البطولة الثانية بالتساوي، وأثبتوا براعتهم في الأداء.
الفيلم يتضمن تفاصيل لا يمكن التوقف عندها لكثرتها ولما تحمله الرواية من رسالة قوية تذهب معك إلى بيتك بعد انتهاء الفيلم وتلح عليك لتفكر بها أكثر من مرة. علما أن الأحداث كلها تدور في يوم واحد، يوم زفاف أحمد الذي يقوم بجولته الصباحية على زملائه في العمل، ومن ثم عودته إلى المنزل للاستعداد للزفاف، فيستلقي على كرسيه وهو يتحدث مع عروسه عبر الهاتف، ثم يغط في نوم عميق ويأخذه الحلم في رحلة طويلة وكأنها رحلة العمر حتى نصل إلى الجزء الأخير من الفيلم.
يحلم البطل بأنه نائم فتدخل عليه أمه لتوقظه كي يستعد للزفاف، فينهض ويدور الحوار المعهود واليومي بينه وبين كل أفراد الأسرة، لنكتشف مدى أنانيته في التعامل مع الكل، وعدم اكتراثه لمشاعرهم وهمومهم، حتى أزماتهم الصحية لا تعنيه ولا تستوقفه، بينما يخاف على نفسه من الأمراض والأوبئة والتلوث كثيرا، وحين يجرح إصبعه وتسيل منه الدماء يسارع لتضميده، بينما أمه مريضة تعاني ألما في رأسها لا يلتفت إليها، وأبوه يسقط أرضا بسبب أزمة صدرية ألمت به بعد اختلاسه أموالا من الشركة التي يعمل بها ليعطيها لابنه الذي يتركه مرميا حتى تسعفه الأم، كما يفرض أوامره على أخته ويحرمها من الكلمة الطيبة.. يخرج أحمد من المنزل ليواجه مجموعة مواقف مؤسفة منها مواقف إنسانية في الشارع، ومنها مع زملائه وصديقه الوحيد.. وفي آخر اليوم الطويل، يذهب إلى الزفاف، ليلقى حتفه أثناء عبور الشارع فيستيقظ مرعوبا من الحلم. يعيش البطل خارج الحلم وداخله نحو ساعة من زمن المشاهدة السينمائية، مما يتسبب في ضياع المشاهدين ويتطلب منهم تركيزا أكبر. لكن كان لا بد للحلم أن يتكرر ويطول وكأنه أيام وليال، كي يترك هذا الأثر في البطل وفينا، ولكي يصبح منطقيا أن تتطور شخصية أحمد وتتغير مع كل مرة يعود فيها إلى نفس الأحداث، حيث يكتشف في رحلة بحثه عن مخرج من هذا المصير البائس والموت المحقق، حقائق كثيرة لم ينتبه إليها يوما رغم وجودها أمام عينيه. ومن غير المنطقي أن يتحول الإنسان من أناني ومهمل إلى حنون ومعطاء ذي مشاعر حساسة في ثوان ودقائق ولا حتى من مجرد حلم.. لذلك تكرر كابوس أحمد وفي كل مرة كنا نرى الأحداث نفسها إنما مع إضافات صغيرة وتعديلات مهمة يحدثها عقله الباطني في محاولة منه لتغيير القدر والهروب من الوفاة.
في هذه المشاهد تكمن صعوبة الفيلم على فريق العمل وعلى المشاهد في آن، إذ يتطلب التكرار إخراجا ذكيا يمنع الغموض والملل ويتمكن من زيادة جرعة الإثارة، كما يحتم على السيناريو أسلوبا ذكيا منعا للإطالة الفارغة، بل هي مجموعة سيناريوهات في فيلم واحد، كما يتطلب من الممثلين الإجادة في إعادة نفس المشاهد مع تعديلات بسيطة ولكنها مهمة. وإذا اكتملت هذه الشروط، تمكن المشاهد من استيعاب التطور الحاصل في المواقف، والتقاط أدق التفاصيل التي ستوصل البطل إلى الانقلاب على ذاته، ليقرر تغيير الواقع طالما أن القدر محتم ولا يستطيع أحد تعديله أو منعه.
حين يصحو أحمد فعليا من حلمه الطويل، يكتشف أن أمه تعاني من مرض السرطان وترفض العلاج لتوفر المال لابنها، وأن والده تقدم بطلب تسوية المعاش ليعطيه لابنه ويتقاعد هو في منزله، فيقرر استغلال الساعات القليلة المتبقية في عمل الخير مع الجميع في العمل والشارع والبيت ومع صديقه، ليواجه قدره بقلب شجاع ويقرر أن يفتدي أهله بموته. وما رأيناه من تفاصيل هامشية في الحلم، تكرر في الواقع مع تعديلات صغيرة لكن رموزها كبيرة، مثل الكرة التي ترتطم برأس أحمد كل مرة في الحلم، ترتطم في الواقع برأس أبيه، وشقيقته علا تجرح إصبعها وتسيل منه الدماء بدلا من أخيها، ونرى أحمد قد وصل إلى موعد الفرح قبل أهله - وهو عكس ما كان يحصل في الحلم؟ فينقلب المشهد ويصبحون هم في خطر الموت أثناء عبور الشارع أمام الشاحنة.. كل هذه المواقف ترمز إلى التوحد بين أفراد الأسرة الواحدة وكأنهم جسد واحد، الأمر الذي لم ينتبه إليه أحمد في الواقع قبل الإنذار الذي جاءه في شكل حلم.
من عيوب الفيلم أنه أسقط عمدا العروس من حساباته، علما أن الأحداث كلها ترتبط باليوم المفصلي في حياة أحمد وهو يوم الزفاف، لكننا لم نر العروس ولم تشارك إلا بالصوت أثناء اتصالها بعريسها، دون أن نفهم السبب، علما أنها من المفترض أن تكون موجودة في حلم خطيبها أكثر من صديقه وزملائه والجيران.. حتى في مشهد الحادث الأخير لم نر سوى أهل البطل والمدعوين إلى الفرح يلتفون حول السيارة ويبكون ولا أثر للعروس، وهو أمر غير منطقي ولا مبرر.. كذلك لم تأت النهاية كما توقعها البطل، إذ إن الموت لم يختره (حسب السيناريو) بل هو من اختار الموت وسارع ليفدي أهله بروحه. صحيح أن المعنى إنساني جميل وعاطفي، لكن المشهد لم ينسجم مع المعنى، إذ إن الوقت الذي أضاعته الأم في بحثها عن الموبايل في حقيبتها وسط الشارع غير منطقي ولا يستأهل أن تعرض حياتها وحياة أسرتها للموت من أجله، والوقت الذي استلزمه أحمد ليسرع إلى سيارته ويستدير بها وسط الشارع كان كافيا ليسير على قدميه ويبعد أهله ويعيش الكل وتكتمل الفرحة ويكون الموت في الحلم مجرد رمز لموت أحمد القديم وولادة إنسان جديد بمشاعر مختلفة.. وكان كافيا أن يرمز الفيلم إلى قمة التضحية بمشهد حلق البطل شعره قبل ذهابه إلى عرسه، تضامنا مع أمه وتشجيعا لها كي تقبل على العلاج بلا خوف أو تردد، وهو مشهد درامي رائع والأداء فيه عال، ولفتة إنسانية مهمة. كما أن ألف مبروك لا تعبر فعليا عن الفيلم ومعناه.
ما يقال عن ذكاء أحمد حلمي صحيح، فهو فنان يعرف كيف يطوع قدراته لتتلاءم مع الشخصيات التي يلعبها، ويدرك جيدا أن الكوميديا ليست مسخرة الأفلام ولا تعتمد على تفاهة القصة وسذاجة البطل أو قلة أدبه وطول اللسان، بل يميل إلى منطقة سبق أن أخذنا إليها الفنان عادل إمام في أفلامه الكوميدية الجادة، مع اختلاف تركيز إمام على المواضيع السياسية والدينية التي قدمها على طبق من الكوميديا، بينما اختار حلمي المواضيع الاجتماعية والإنسانية ليلبسها زيا كوميديا راقيا. كما يدرك حلمي أهمية التغيير بالنسبة للسينما، فيقدم أفلاما متقاربة متباعدة متقاربة في الزمن، حيث يحرص على التواجد في المواسم السنوية الكبيرة والمهمة سينمائيا، ومتباعدة في المحاور والروايات والشخصيات وأسلوب الأداء، ليحبه الجمهور أكثر وينتظره بطلا جديدا في كل فيلم.