من الأكيد أن عملية الرسم لها علاقة وثيقة بمسألة فهم الموضوع الذي نشتغل عليه تشكيلياً، لأن الأمر سوف يؤثر ويتأثر بتقنية الاستجابة العضوية ما بين براعة اليد المنفذة، والذاكرة المختزنة للمعلومات والتي هي مصدر الأوامر الفعلية. من هنا تنبع أو تتأكد نوعية ما نرسمه على أي مسطح تصويري نابع من مدركاتنا الحسية أو العقلية، سواء أكنا نرسم ما نشاهده، أو ما نفكر فيه ونستذكره، لذلك نبدأ أولاً بالنظر بإمعان جيد إلى الأشياء مستجمعين كل المعلومات التي سبق وشاهدناها، بغية إعطاء رسوماتنا نظارة وشخصية فريدة من نوعها ومغايرة لأي سابق، علماً أننا وأثناء عملية التنفيذ العملي لحالة الرسم علينا ألا نخشى تكرار الخطوط والإشارات لكي تبدو الرسمة صحيحة أو مضبوطة وفق المعيار البصري المباشر، فلقد كانت بعض المعتقدات الخاطئة حول عملية الرسم تقوم على عدم الاسترسال في الخطوط، بل الاختصار بها لكي نبرهن للآخر بأننا وعبر زيح أحادي نستطيع أن نكون شكلاً.

إن كل علامة جديدة نضعها أو نضيفها على التصميم أو الفكرة الأساسية العامة لمشروع الرسم تنعكس في المستوى التشكيلي العام مانحة ما ترسمه قيمة إضافية، لأن الرسم كما يجب أن ندرك ذلك من أكثر الفنون إنشائية إضافة إلى أنه حالة ارتجالية آنية تعتمد على تسجيل ما نراه أو ما نفكر فيه، ومن المرجح أن كل من يمتلك ثقافة بصرية سوف يتمتع أكثر، بل سوف يؤخذ بالرسم، وباكتشاف كيفية إيجاد البعد ضمن المنظور في نظرنا، أو إضفاء (العمق) إلى الأشكال المرسومة على مسطح ذي بعدين فقط.

إن الجانب البحثي هو معالجة لا تهدأ من قبل الرسام، فأصل الرسومات هي تلك التي يكافح فيها الرسام لحل بعض المشكلات التأليفية والإجابة عن بعض الأسئلة التي لا بد أن تواجهه أثناء عمله في عملية التأليف بغية خلق الصورة الحسية التي هي النتاج المثالي للانفعال الحقيقي بين الفنان وموضوعاته.

إن أكبر معضلاتنا تنبع من نظرتنا الناضجة التي تمنحنا حساً يميز بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح في عملية الرسم، علماً أن خيطاً وهمياً يكاد لا يرى هو الذي يفصل بين الصحيح وغير الصحيح، بل إن الحداثة حولت ما كان يعتبر خطأً فادحاً في عالم الرسم، إلى مفردة تشكيلية تؤكد بقدر ما تنفي.

لذلك يرى العديد من منظري مرحلة ما بعد الحداثة: أن إحساس الفنان المرهف والذي ربطه ردحاً من الزمن بالجانب العقلاني من الرسم، هو الذي قتل العفوية واندفاعتها الجريئة التي أضافت على الإبداع التصويري بعداً صوتياً طارئاً، جعل اللوحة مراحاً لكل التأويلات، بل أحالها إلى جزء من عالمنا المعاصر الذي يعتبر كل الأفعال والإبداعات نتاجاً صائباً لأنها تلامس الجزء الحي المخفي من عالمنا المفعم بالحركة والحضور.

الدور الإيجابي للماتيريال

الماتيريالات كما نحاول أن نكتبها ونلفظها عربياً هي في الواقع مأخوذة من مفردة Mat#233;riel الفرنسية أو Materiel الإنجليزية ومعناها الأجهزة أو اللوازم، كما تستخدم أيضاً للدلالة على الأسلحة والذخيرة والمعدات العسكرية، لكن كلمة Materialism هي المذهب المادي الذي يستند إلى نظرية تقول إن المادة هي الحقيقة الوحيدة، وإن الوجود ومظاهره وعملياته يمكن تفسيرها كمظاهر أو نتائج للمادة، لذلك فإن كل المتغيرات والقيم والأهداف العليا هي مظاهر للمتغيرات المادية.

إذن مواد تنفيذ عملية الرسم أخضعت لمتغيرات هائلة، بل إن مواد إضافية لا علاقة لها سابقاً بموضوع الرسم قد دخلت على العملية التشكيلية المعاصرة.

هذه الحقيقة يجب ألا تحجب عنا رأي العديد من كبار نقاد الرسم والرسامين أمثال (جون كونستابل) والناقد الإيطالي (ليونالي فنتوري) الذين يجاهرون بأن العديد من المواد المتوفرة للفنانين اليوم هي ذاتها التي كانت متوفرة لفناني عصر النهضة، أي منذ حوال 650 عاماً، فالرسم على الورق بالفحم مثلاً لا يزال يتضمن العملية نفسها تماماً كالسابق، إذ على الرغم من التقنيات الحضارية المعقدة المتوفرة اليوم للفنانين استطاع الفن الحفاظ على مقدرته في منحنا المتعة والفائدة، ولكن رغم أن العصر منح الفنان مزيداً من التقنيات المبتكرة، فإن القاعدة الأساسية التي تقوم على ثنائية مادة الرسم لم تزل قائمة حسب رأي هؤلاء حتى اليوم، فالألوان الزيتية تقابلها الألوان المائية والمشتقات من كلتا المادتين تتطور مع تطور تقنيات العصر- بالطبع هذا الرأي يتجاهل العديد من المواد المستحدثة اليوم لكن الباحثين هنا لا يركزون على الجانب التقني بل على الإضاءات التاريخية بحثاً عن تأريخ تطور الإمكانات في مادة الرسم ومدى سيطرة الفنان على عمله، بل ترويض حالة الإنتاج الفني لمصلحة الجودة.

ونحن نعترف بأن عصر النهضة شهد تطوراً كبيراً في ترويض مادة الرسم المتوفرة آنذاك وكانت في الغالب من (الكاميرا) المستحضرة، ومواد الرسم في الأساس، من الورق إلى السطح الخشبي المجهز إلى بعض أنواع الأقمشة كانت تستحضر في محترفات الرسامين المرموقين الذين لهم مكانتهم الاجتماعية، فرسام ونحات بمستوى (ميكائيل أنجلو) 1405- 1564 كان لديه العديد من الشغيلة الذين يجهزون له مواد الرسم وكان مشغل الفنان النهضوي الكبير رافائيل 1483 -1520 رغم قصر عمره، إذ لم يعش أكثر من 43 عاماً، يعتبر واحداً من المشاغل الفنية المميزة، وكان المساعدون يجهزون له السطح الذي يرسم عليه جدرانياته، كما يحضرون له الألوان التي هي بدرجة (التامبرا) بالمناسبة هناك في الغرب من يخطئ ويصفها بالأكريلك بل يقال إنه أدخل نوعاً جديداً من أنواع المواد اللاصقة المضادة للرطوبة على الألوان. مع ذلك كله فإن عصرنا الحديث يقدم للفنان المعاصر مشتقات تتجاوز الثنائية اللونية إلى أقصى حدود التجاوز، والرسامون المعاصرون يرسمون بكل ما يقع تحت أيديهم، فهم يرسمون على سبيل المثال لا الحصر بما يلي:

الرسم على القماش، أو الورق المقمش أو الخشب المجهز للزيت بمادة الألوان الزيتية ذات النوعيات التي لا تحصى وبألوان المجندة التي يبلغ عددها أربعة آلاف لون تقريباً.

الرسم بالزيتي المذاب بالماء وهو نوع مستحدث يمنح ذات المستوى الزيتي ذاته المذاب بالزيوت، أمثال زيت الكتان أو النفط أو غيره.

الرسم بالإكريلك، وهي مادة حساسة لها كثافة الزيت ولكنها معدومة اللمعان، تذاب بالماء، وتتقبل الرسم على كافة أنواع المسطحات من الورق إلى القماش والخشب والخيش وغير ذلك.

الرسم بالتامبرا وهي ألوان تذاب بالماء.

الرسم بالأكواريل وهي ألوان صلبة أو سائلة تذاب بالماء وترسم على الورق بأنواعه الكثيرة وبخاصة الورق القطني من نوع الكونسون.

الرسم بألوان (الفيتراي) على الزجاج وهي ألوان ذات قابلية فذة للتشغيل على الزجاج بأنواعه.

الرسم بألوان الباتيك على الحرير، وهذه الألوان على نوعين.. نوع يذاب بالماء ونوع يذاب بالمواد الكيماوية وهي من نوع الألباتيكس.

الرسم بالمواد النافرة وهي مواد ذات قابلية سريعة لليباس والتصالب وترسم على شتى المسطحات.

الرسم بالمواد الميتاليكية وهي مستحضرة من مساحيق الفضة والحديد والنحاس.

الرسم بالفحم وهي تقنية قديمة.

الرسم على الزجاج بواسطة القصف بذرات الرمل.

الرسم بالطبشور الملون الفيزان وهي مواد أساسها بودرة الجفصين الملون.

الرسم بالفيزان الزيتي، وهي من أنواع الطبشور المعجون بالزيوت.

الرسم بالبودرة الملونة والأصباغ الشعبية التحضير وهي مستحضرة من مادة الكلورين وتذاب بالماء وهذه الألوان من الأسس النباتية، ولكنها تلغى (بالأنتيكلورين).

الرسم بالحبر الصيني وبأنواع متعددة من الأحبار الملونة.

الرسم بأقلام الفاتر وهي ألوان مضافة إليها مادة طيارة.

الرسم بالشرقطة الكهربائية على المسطح التنكي أو الحديدي.

الرسم بالنار على أنواع من الأسطح التي تكتسب ألواناً متنوعة ومتداخلة بفعل الحرارة.

الرسم بالحرق على الخشب أي باستعمال الأسياخ المحمرة على النار.

الرسم بالمواد الدباغية على المسطح الجلدي مدرسة المغرب الحديثة لفن الرسم.

الرسم بالوشم على الأجساد وهي ألوان زرقاء مطبوعة بواسطة غرز الأبر في الجلد وتفاعل الدم مع مادة السخام.

الرسم بالحناء على بعض أنواع الأسطح، وهنا يمكن استعمال بودرة الحناء بأنواعها الأسود أو البني المحروق أو البني الفاتح.

الرسم بمياه البحر على المسطحات الزنكية، وهنا يلعب الوقت الذي تترك فيه المياه على السطح دوره في التعتيق والحرق.

الرسم بالكولاج أي باستعمال الصور الجاهزة ولصقها.

الرسم بالمقص أي رسم الوجوه في وضع البروفيل وقصها بالمقص.

الرسم بالمواد المتنوعة وهي عملية استعمال كافة أنواع مواد الرسم على المسطح.

الرسم بالليزر على المسطحات الشفافة وحفرها من الداخل.

الرسم بالباطون أو الرسم على الباطون بحفره بواسطة المقدح كما فعل بيكاسو.

الرسم الوهمي، وهي عملية تنتمي أصلاً إلى الفنون التجهيزية المعاصرة حين يعمق الفنان إلى فتح كوة في المسطح التصويري ويعلقه أمام شجرة أو جبل أو بحر، حيث تتحول الفتحة إلى منظر.

الرسم بالقلم الرصاص على المسطحات الورقية بأنواعها.

الرسم بأقلام الكرنداش الخشبية الملونة.

الرسم بواسطة الرذاذ اللوني (الأير برش) وهو يصح على أغلب المسطحات وبخاصة لوحات الإعلان.

الرسم باستخدام الكمبيوتر وهناك برامج عديدة لتكون لوحات سوريالية وكذلك تجريدية مع إمكانية كبيرة للتنويع بواسطة الفوتوشوب.

الرسم بواسطة الأدوية أو المواد الكيميائية، إذ إنها تستعمل عند تلوين السطح بالألوان (الكلورينية) حيث (الأنتي كلورين) والحوامض قاطبة تلغى وتتغير من اللون.

الرسم بواسطة مواد التظهير التصويري، وذلك عندما نعرض المسطح المدهون بهذه المادة على الضوء بعد وضع فيلم نيجاتيف عليه فنطبع الفيلم بصورة (بوزتيف).

الرسم الغرافيري وهو أنواع متعددة منها لوحة (المونو) التي يضاف على الغرافير مداخلات إضافية على السطح فتكون النسخة وحيدة، ومنها النسخ المكررة حيث السحب على الأصلية بواسطة الأحبار والضغط بواسطة الماكينة.

الرسم على الشاشة الحريرية السلك سكرين وهي تقنية متداولة لدى العديد من الفنانين.

الرسم بالحفر على الخشب وتحبير السطح لكي يظهر المحفور كفراغ (نيجاتيف).

الرسم بمواد جاهزة للحفر والرسم وهي من مصدر بلاستيكي.

الرسم بمادة الآرك وهي مادة كثيفة وسميكة مكونة من مزيج الغراء الأبيض والأكريلك.

الرسم باستعمال المواد الدلغانية الطين، كما يرسم العديد من الفنانين ومنهم الفلسطيني منصور سليمان.

الرسم بواسطة الرصاص أو الفضة المذابة حيث يعمد الفنان إلى إذابة كمية منها ثم سكبه في (طشت) يحتوي على ماء بارد فتتجمد فجأة وتكون أشكالاً يختار منها الفنان ما يريد.

الرسم بواسطة الألوان المشوية بالفرن وهذا النوع من الرسم يستعمل على القاشان والسيراميك والخزف.

الواقع أننا نستطيع أن نسترسل في تعداد مواد الرسم وإمكانات التشكيل إلى الحد الذي نقول فيه إن كافة المواد التي تقع تحت يد الفنان تصلح للتشكيل، وقد أقدمت فنانة عراقية في ستينات القرن العشرين في بغداد على قص شعرها الأسود والرسم به كولاجيا على مسطحات بيضاء مكونة لوحات تجريدية جميلة، كما يتجه فنان سوداني معاصر إلى الرسم بواسطة الأقمشة الملونة الجاهزة إذ يركبها تركيباً فنياً ويرسم فوقها أحياناً، وتسمى هذه الطريقة Patching.