يفقد رواد الفضاء الكثير من الميزات التي يتمتعون بها على الأرض، ويصابون بأمراض تسمى أمراض الفضاء Space Sickness، بسبب انعدام الجاذبية الأرضية .
ويعانون أعراضاً كثيرة مثل الصداع والغثيان، علاوة على فقدانهم الإحساس بالمكان وبأجزاء من أجسامهم مثل الأطراف .
وتتلاشى الأعراض خلال عدة أيام بعد تكيفهم مع الوضع الجديد عند وصولهم إلى المحطة الفضائية الدولية . ولا تقتصر معاناتهم على فترة وجودهم في الفضاء، إذ تستمر بعد انتهاء مهمتهم والعودة إلى الأرض، حيث يجدون صعوبة في التأقلم مرة ثانية مع الجاذبية الأرضية، وربما يستغرق ذلك وقتاً أطول من التكيف في الفضاء، ربما يمتد لشهر كامل .
يعرف ما يعانوه علمياً بالاضطراب الذهني بسبب الفضاء، بحسب تشارلز أومان من معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، ويشتمل هذا الاضطراب على حالة من التبلد الذهني، والأوهام البصرية، وفقدان الإحساس بالمكان .
ويضيف أومان أنه وإن كانت خطورة هذه الأعراض لم ترقَ بعد لتكون سبباً بالوفاة، إلا إنها تشكّل خطورة بالغة على رواد الفضاء إذا طالت مدد رحلاتهم عبر الفضاء، وأيضاً على سلامة مهامهم في محطات الفضاء . ووردت تقارير خلال العقدين الماضيين حول ظاهرة يعانيها رواد الفضاء تعرف بالضباب الفضائي .
ديفيد دينجز، الذي يدرس آثار انعدام الجاذبية في سلوك رواد الفضاء في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، يشير إلى أنه لابد أن تؤخذ شكوى رواد الفضاء على محمل الجد إذا تحدثوا عن مشكلات في قوتهم الإدراكية .
وأطلق علماء روس مشروع مارس 500 في العاصمة موسكو، نفذ العام الماضي، وصاغوا محاكاة أرضية لرحلات الفضاء، بهدف دراسة الضغوط النفسية الناجمة عن انعزال رواد الفضاء لفترات طويلة، لكنهم لم يتعمقوا في دراسة الآثار الذهنية لهذه العزلة، لذا قام كثير من الباحثين بالتحليق في الفضاء، في طائرات صممت خصيصاً لمحاكاة الآثار المترتبة على الدماغ جراء انعدام الجاذبية الأرضية، وكيفية تخفيف حدتها، لتجنب كوارث قد تقع لرواد الفضاء .
ويتعرض جسم رائد الفضاء وعقله، منذ اللحظة الأولى للانطلاق، لمعاناة شديدة، فيقع جسمه ضحية لكثير من الأحاسيس المزعجة، بسبب دوي المحركات، كما يعاني احتقان الجيوب الأنفية، وزغللة في العين نتيجة تعرض الشبكية للأشعة الكونية . وربما تقلل هذه العوارض المزعجة من كفاءة عمل الرائد في بيئة غريبة عليه، يقع فيها تحت ضغوط كثيرة لم يألفها، مثل تغير دورة النوم، ومستويات ثاني أكسيد الكربون المرتفعة . ومما لاشك فيه، فكل هذه العوامل مجتمعة تؤثر سلباً في كفاءة رائد الفضاء الذهنية، بل ويمكن لانعدام الجاذبية نفسها أن تعرضه لحالة من التوعك الذهني .
فالجاذبية تساعدنا على حفظ التوازن بفضل جهاز الاتزان في الدماغ، وهو عبارة عن مجموعة من التركيبات العصبية في الأذن الداخلية، ذات حساسية بالغة لقوة الجاذبية . وترسل الأعصاب في جهاز الاتزان إشارات إلى العين والعضلات، كما تربط بين مناطق كثيرة في الدماغ، أهمها المناطق المسؤولة عن الإدراك، مثل باريتال كورتيكس أو القشرة الجدارية في الدماغ .
فريد ماست من جامعة برن في سويسرا، يوضح أن أي خلل في جهاز الاتزان يؤثر في سلوك الإنسان، ووجد وفريقه أن إمالة جسم الإنسان بزاوية 135 درجة، تضعف قدرته على التعرف إلى الوجوه، بالدرجة التي يصعب معها اكتشاف تشوهات في صورة ما . وتوصلت تجارب أخرى إلى أن إثارة أعصاب الأذن الداخلية يحدث خللاً في اتزان الجسم، يدمر الذاكرة والقدرة على تذكر مشهد ما من زوايا مختلفة .
فإذا كان لاختلال التوازن تأثير في ظل وجود الجاذبية الأرضية، فما الحال في الفضاء؟ منذ عقدين، أجرى جيلليز كليمنت وعدد من زملائه في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، في تولوز بفرنسا، لقاءات مع رواد فضاء طلبوا إليهم إغلاق أعينهم وكتابة أسمائهم أفقياً ورأسياً، قبل انطلاقهم إلى الفضاء .
وجد كليمنت وفريقه أن حجم الأحرف المكتوبة تقلص في الفضاء، خاصة تلك التي كتبت بشكل عمودي، وقل حجمها كثيراً خاصة خلال الأيام الثلاثة الأولى من الرحلة .
وفي أواخر التسعينات من القرن الماضي، طلب باحثون إلى اثنين من رواد مكوك الفضاء الأمريكي ديسكفري إغلاق أعينهم ووضع رسم تخطيطي لعدد من المكعبات . وجدوا أن الخطوط الطولية كانت أطول من العمودية أثناء وجود الرواد في الفضاء، ففسروا ذلك بأن انعدام الجاذبية يؤثر في تصور المخ للأبعاد الرأسية . وفي أسلوب ترجمته للصور الأولية التي تقع عليها العين للوهلة الأولى .
وأوضح كليمنت أن الجهاز البصري يحدد شكل الأشياء حسب العلاقة بين درجة ميلها وقوة سحب الجاذبية لها .
كما يؤثر انعدام الجاذبية في قدرة رواد الفضاء على تكوين الصور الذهنية، فخلال رحلات محاكية لرحلات الفضاء، عرض ماست ولوزيا زميلته في جامعة برن بسويسرا، على عدد من الرواد رسومات مختلفة لجسم بيد ممدودة، أو بأصابع مفلطحة، وطلبوا إليهم تحديد ما إذا كانت اليد أو الذراع في اليمين أو اليسار، وهي مهمة يسيرة في ظل الجاذبية، لكن في ظل انعدامها يختلف الأمر .
نجح المشاركون في تحديد الأشكال المجردة ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك عندما تعلق الاختبار بأجزاء جسم الإنسان، ما يدلل على تأثير انعدام الجاذبية في بعض وظائف الإدراك .
ومن السهل تصور مدى تأثير الضغوط التي يتعرض لها رواد الفضاء في أداء مهامهم بكفاءة لاتقبل الخلل، التي تحتاج منهم لدرجة عالية من الوعي البصري والمكاني . وتحدث رواد أبوللو عن فقدانهم الإحساس بالمنحدرات والتضاريس أثناء قيادة مركبات الفضاء على سطح القمر،، وشعروا في أوقات معينة بأن المركبة كما لو كانت على وشك التدهور عند ابتعادها عن الحفر .
ويمكن أن يولد انعدام الجاذبية أوهاماً تؤثر سلباً في حكم رائد الفضاء على الأشياء .
وأورد أحدهم أنه عندما نهض من نومه وأزال المظلات التي كان يضعها على نوافذ المركبة، وجد أن الأرض لم تعد في المكان التي رآها فيه عندما خلد للنوم، وهي حالة يعرفها العلماء بوهم إعادة التوجيه البصري، (VRI)، يشعر خلالها رائد الفضاء بأن الأسطح المحيطة بها برحت مكانها، فأرضية المكان تتحول إلى سقف، واليسار يصبح يميناً، تماماً مثل النظر في المرآة، بحسب أومان .
ويضيف أومان أنه إلى جانب تأثر الجسم بهذا الإحساس المزعج، يمكن أن يوقع رائد الفضاء في أخطاء فادحة، مثل الضغط على الزر الخطأ .
ووصف رواد آخرون تعرضهم لظواهر يعرفها العلماء بانعكاس التصور، شعروا خلالها بأنهم في وضع مقلوب، رأسهم لأسفل، وأرجلهم لأعلى، وتختلف هذه عن وهم إعادة التوجيه البصري، التي يرى فيها رائد الفضاء الأشياء وقد انقلبت، بينما هو في وضعه الطبيعي . والسبب في تعرض رائد الفضاء لمثل هذه الظواهر، بحسب تقرير علمي لمجلة نيوساينتست، يعزو إلى غياب دور جهاز الاتزان، فيعتمد المخ على معطيات بصرية ليحدد اتجاه الأشياء، فلو كانت هذه المعطيات غامضة ومبهمة، أو تغيرت فجأة، فإن المخ يعيد النظر في اتجاهاتها، ويعاني الرائي وهم إعادة التوجيه البصري .
أما بالنسبة إلى انعكاس التصور، فيرى العلماء أنه أكثر غموضاً، إذ إن الإحساس بوضعية الأشياء المقلوبة موجود حتى إذا أغلقت العينان .
ويعتقد أومان أن هذا الإحساس ليس سوى أثر جانبي عارض ناتج عن تغير بدني في ظل انعدام الجاذبية الأرضية، فسوائل الجسم تنتقل من الأطراف السفلية إلى منطقة الخصر والدماغ، فتصور للرائي وجوهاً وعيوناً منتفخة، وسيقاناً هزيلة، وهي صور يمكن أن يراها المخ إذا وقف الإنسان على رأسه .
وتعزو إيزابيل فيود ديلمون من المركز الوطني للبحث العلمي في باريس (CNRS) انعكاس التصور إلى ما يعرف بخبرات الخروج من الجسد (OBEs) وإلى وهم الإمالة، وهي الحالة التي يشعر خلالها الإنسان فجأة بأن المجال البصري استدار 90 درجة، أو انقلب كلية رأساً على عقب . ويرجع العلماء حدوث هذه الظواهر إلى خطأ في عملية الاتصال في منطقة التقاطع الصدغي في المخ (TPJ)، التي تربط ما بين مدخلات جهاز الاتزان والمعلومات البصرية والإشارات الصادرة من المفاصل والأوتار والعضلات .
وتشكك ديلمون في كون انعدام الجاذبية السبب وراء حدوث الخلل بمنطقة التقاطع الصدغي في المخ . وفي حين أن اكتشاف الأسباب التي تؤدي إلى هذه الأوهام الغريبة سيرضي فضول العلماء، إلا أن ما يهم رواد الفضاء هو تقليل المخاطر التي يمكن أن تسببها لهم .
وهناك عدد من الحلول التي توصل إليها العلماء، منها على سبيل المثال، سترة الحياة، التي تثبت مع كيس هوائي يساعد مرتديه على التأقلم مع الظروف المحيطة به، وعندما ينتفخ الكيس الهوائي يضغط على الصدر بطريقة ميكانيكية، فيساعده على التأقلم، وأثبتت التجارب التي أجريت على عدد من المتطوعين فاعلية هذه السترات، بحسب كليمنت وفريقه .
وطوّر ديفيد دينجز، في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا نظام إنذار مبكر يعطي إشارة قبل تدهور قدرات رائد الفضاء الإدراكية .
ويقيس الجهاز مدى يقظة الرائد النفسية وردود أفعاله، وهو مثبت حالياً في حواسيب الدعم في محطة الفضاء الدولية (ISS)، وسيتلقى دينجز بيانات من رواد المحطة عما قريب . ويسعى العلماء إلى اكتشاف مدى تأثر قدرات رواد الفضاء الإدراكية بطول فترة وجودهم في الفضاء، وقدرتهم على التأقلم مع انعدام الجاذبية، وآليات استعادة هذه القدرات .
وأثبت مشروع (BISE) الذي أطلقته (ناسا)، بالتعاون مع رواد محطة الفضاء الدولية، وباحثين من جامعة يورك في تورنتو بكندا، نقص قدرة رائد الفضاء على تحديد اتجاهات الأشياء كلما امتدت فترات انعدام الوزن التي يمر بها، وتمتد هذه التأثيرات ستة أشهر بعد عودته إلى الأرض .
ويؤكد الباحثون تعرض رواد الفضاء على المريخ للمتاعب نفسها، بيد أنهم يجدون الحل في إحاطة رائد الفضاء بأجهزة طرد مركزي أثناء الرحلة، لتوليد جاذبية اصطناعية تساعدهم على التأقلم مع الظروف على المريخ .