كان الجنرال الأمريكي وليام جيري بويكن الذي شغل في عهد بوش الابن نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات، الذي كلفته وزارة الدفاع البنتاجون تتبع أثر زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والرئيس العراقي السابق صدام حسين إضافة إلى أهداف كبيرة أخرى وتصفيتها، يرى أن الحرب على الإرهاب في جوهرها ما هي إلا صدام بين المسلمين (الذين ينعتهم بالشيطان) وبين القيم اليهودية المسيحية، حسبما ذكرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية .
حسب التقارير الموثقة فإن الجنرال بويكن تحدث في أكثر من 30 مؤتمراً ومناسبة دينية خلال السنين التي مضت وكان يرتدي الزي العسكري ويسيء إلى الإسلام بشتى الأساليب بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
وظهر الجنرال بويكن ذات مرة في ولاية أوريجون ليعلن وهو بالزي العسكري أن الإسلاميين يكرهون الولايات المتحدة لأننا دولة مسيحية، ولأن أساسنا وجذورنا يهودية مسيحية . . .
وصعد الجنرال بويكن منبر كنيسة بروكن أرو المعمدانية الأولى في ولاية أوكلاهوما ذات يوم وراح يصف مجموعة من الصور التقطها في العاصمة الصومالية مقديشو وهو على متن مروحية عسكرية للجيش الأمريكي مباشرة إثر إخفاق عملية بلاك هوك داون الكارثية التي تمخضت عن مقتل 18 جندياً أمريكياً، ويقول إنه لاحظ علامة قاتمة فوق المدينة، ثم التفت إلى الجمهور فقال سيداتي سادتي هذا هو عدونا إنها إمارات الظلام، إنها حضور شيطاني، وقد ألهمني إلهي أنهم هم الأعداء . وقال بويكن أيضاً وكان يتحدث أمام حشد آخر في خضم نقاش ثار حول معركة خاضتها قوات قادها الجنرال ضد أحد زعماء الحرب في الصومال كنت أعرف أن إلهي أكبر من إلهه، كنت أعرف أن ربي إله حقيقي، وربه صنم . نحن في جيش الرب وفي بيت الرب .
وقال الجنرال بويكن، وهو يخاطب جمهوراً كبيراً في مدينة ساندي بولاية أوريجون لقد جاء الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض لأن الله وضعه هناك، فنحن في جيش الرب وفي بيت الرب .
وأما وزير الدفاع الأمريكي وقتها دونالد رامسفيلد فقد قال معلقاً على تصريحات الجنرال التي أكثر منها بصورة لافتة للنظر دعوه يعبر عن وجهة نظره، فهذا هو نمط حياتنا، ونحن شعب حر . وبدوره أوضح الجنرال ريتشارد مايرز رئيس هيئة الأركان بالجيش الأمريكي أنه للوهلة الأولى لا يبدو أن أي قواعد قد انتهكت . وفي إشارة إلى ارتداء الجنرال بويكن زيه العسكري أثناء إدلائه بتصريحاته قال مايرز إنه تحدث هو نفسه في لقاء إفطار للصلاة مرتدياً الزي العسكري .
ولكن ما فحوى هذه الرسالة التي يبتغي هذا الضابط القائد الرفيع الرتبة في الجيش وفي البنتاغون أن يبثها؟ يطرح بويكن السؤال متعجباً عن سبب كراهية المسلمين لأمريكا، إلا أنه يعثر على الجواب فجأة فيقول: يكمن السبب في أننا أمة مسيحية، يكرهوننا لأننا بلد المؤمنين . ويردف الجنرال قائلاً لن يهزم عدونا الروحي إلا إذا زحفنا وجابهناه باسم المسيح؟
المسيحية الحقة والتزييف
تميزت المسيحية الأولى الصافية قبل أن تتسلل إليها التيارات الاستئصالية بأنها دين الحب والرحمة والتسامح والصفح والخير، وكان من خصال الشخصية المحورية في المسيحية، المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، أنه اتصف بالتواضع والبساطة، لذا حظي بمحبة أوساط شعبية واسعة بهرت بعظمة نهجه وصدق لهجته وإخلاصه وبعده التام عن التصنع، فكان رجلاً بسيطاً يمشي في الأسواق ويصطفي دعاته من صيادي الأسماك والفقراء والمنبوذين، والنساء والمرضى بالبرص أو الصرع، وقد لخص لنا فكرة المسيحية ورسالتها في موعظة الجبل التي تعد دستور المسيحية، فعندما صعد عيسى الجبل ورأى الجموع راح يحدثهم بعد أن جلس وتقدم إليه حواريوه فقال يعلمهم: طوبى للمساكين الأنقياء الروح، لأن لهم ملكوت السموات، طوبى للحزانى لأنهم يتعزون، طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والظمأى إلى البر فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء فإنهم يرحمون، طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله، طوبى لصانعي السلام فإنهم أهل الله، طوبى للمضطهدين من أجل البر فإن لهم ملكوت السموات، طوبى لكم إذا عيروكم واضطهدوكم وقالوا عليكم كل كلمة سوء زوراً وبهتاناً لأنكم آمنتم بي وناصرتموني، افرحوا وابتهجوا فإن أجركم عظيم في السموات، لأنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم، أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح، إنه لا يصلح لشيء إلا لأن يطرح ويرمى وتدوسه الناس، أنتم نور العالم، لا يمكن أن تخفى مدينة على جبل، ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت، هكذا فليضئ نوركم قدام الناس كي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا الله في السماء . . . قد سمعتم أنه قيل العين بالعين والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضاً . . أما أنا فأقول لكم احبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضونكم، وصلوا لأجل من ينعتكم ويضطهدكم، لا يستطيع أحد أن يعبد إلهين لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويرذل الآخر، ولا تقدروا أن تعبدوا الله والمال . . ما بالك ترى القذى في عين أخيك ولا تفطن للخشبة التي في عينيك، احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وهم في الباطن ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم، وهل يجتنى من الشوك العنب أو من الحسك تيناً، الثمرة الطيبة تؤتي ثماراً طيبة، وأما الشجرة الخبيثة فتنتج ثماراً رديّة من ثمارهم تعرفونهم .
فأين تعاليم المسيح عيسى عليه السلام الذي قال: مملكتي ليست في هذا العالم مما يقترف اليوم وما ارتكب في الماضي باسم المسيح وباسم المسيحية؟ وأي رسالة تلك التي يبثها للعالم الإسلامي اليوم هذا المد المتنامي المسيحي المتعصب داخل البنتاغون الذي لا ينفك ينفخ في كير الكراهية ويؤجج الأحقاد ضد الإسلام ويستفز المسلمين؟
حرب صليبية
فمنذ أن وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول سنة 2001 سارع الرئيس جورج دبليو بوش إلى إعلانها حرباً صليبية وأرفق هذا التصريح بتهديد مبطن من ليس معنا فهو ضدنا، وثمة جماهير غفيرة في العالم الإسلامي باتت تعتقد بشكل جازم أن الولايات المتحدة تشن حرباً ثقافية ودينية شاملة تعضدها حملات عسكرية شرسة تحصد أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء المدنيين . وفي الحقيقة أكدت المجموعة الاستشارية لشؤون الدبلوماسية العامة التابعة للبيت الأبيض والمختصة بأوضاع العالم العربي والإسلامي أن العداء لأمريكا يتعاظم منذ 11/9 ووصل إلى مستويات مروعة .
يتفوه الجنرال بهذه العبارات وأمثالها في وقت تدهورت فيه سمعة أمريكا في العالم الإسلامي إلى الحضيض وتردت نظرة المسلمين إليها بشكل لا سابق له .
والجنرال بويكن ليس ضابطاً عادياً، فسجله العسكري حافل بالترقيات على مدى 30 عاماً، كلف فيها بعدد كبير من العمليات الخاصة، ومهام مكافحة الإرهاب، بدءاً بالمحاولة الفاشلة لتحرير رهائن السفارة الأمريكية في طهران من قبضة الإيرانيين سنة ،1980 إلى غزو غرينادا وبنما، إلى مطاردة زعيم عصابات تهريب المخدرات في كولومبيا بابلو اسكوبار، إلى الصومال عندما طاردت قوة دلتا التي كان يقودها مقاتل صومالي يدعى عثمان اتو في مقديشو . ووصفه بويكن بأنه أحد كبار مساعدي محمد فارح عيديد فلم تتمكن القوات الأمريكية من الإيقاع به يومها فقال لن يمسكوا بي لأن الله يحميني . وما لبثت قوة دلتا أن قبضت على أتو فقال الجنرال بويكن معلقاً أتعلمون؟ لقد كنت أعلم أن ربي أكبر من ربه وكنت أعرف أن إلهي حقيقي في حين أن إلهه وثن .
الإسلام هو العدو
وكان الصحافي ومحرر الشؤون العسكرية ريموند إل ينغهام قد كتب مقالة سنة 2006 نشرته مجلة الكلية الحربية التابعة للجيش الأمريكي باراميترز وتصدى فيه لبيان الدور الذي يلعبه الدين في تأجيج مشاعر السخط والتمرد على الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق . ويقول بنغهام إن علينا أن ندرك أن أعداءنا المسلمين لا يقاتلوننا لأننا قوم من غير العرب وأن نفهم أيضاً أنهم لا يقاتلوننا لأننا أمريكان بل لأنهم يرون أننا أفحشنا في الظلم والتعدي، وأننا نصد عن الهداية ونحول دون رؤية الناس للحقائق، ونرتكب جنايات كبرى بحق الشعوب الإسلامية .
يتبين من الأدلة ومن قرائن لا تحصى أن الحرب التي يخوضها المسلمون إنما هي حرب دينية، أو جهاد في سبيل الله، حسب قولهم، وعليه فإن السياسات التي ينتهجها الغرب، وعلى رأسه أمريكا من شأنها أن تصب الزيت على النار وتؤجج مشاعر السخط ضد الغرب ولا سيما ضد الولايات المتحدة .
اعرف عدوك
وفي الدراسة التي قدمها الرائد في القوات الجوية الأمريكية رام سيمونز في ابريل/نيسان من عام 2007 بعنوان إنهم يخوضون حرباً مقدسة إلى كلية القيادة والأركان في الجامعة العسكرية الجوية، يرى أن الدوافع التي تحرك الجهادية الإسلامية إنما تستمد قوتها من المعتقدات الإسلامية، لذا ينبغي علينا، من مبدأ اعرف عدوك الذي صاغ مفهومه وأولاه أهمية كبرى وهو يصنف في العلوم العسكرية القائد العسكري الصيني سون وو مؤلف كتاب فن الحرب، أن نعكف على دراسة دين الإسلام ومعتقداته، وإذا تبين لنا أننا لم نتعمق في دراسة الجهاد الإسلامي فينبغي أن نتدارك الأمر ونشبعه بحثاً لمواجهة أعدائنا المسلمين، لا سيما الحركات الجهادية الإسلامية .
وتكثفت في الآونة الأخيرة الدراسات العسكرية في أوساط الجيش الأمريكي والمؤسسات والمعاهد التابعة له لبحث سبل مكافحة المد الإسلامي الذي يثير مخاوف الغرب من عهد بعيد .
القواعد العسكرية تؤجج السخط
منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بل قبل هذه الأحداث دأبت واشنطن تحت ستار اتفاقيات سرية على إقامة طوق من القواعد العسكرية الموسعة الضخمة لمحاصرة أفغانستان ولتعزيز قدرات القوات العسكرية الأمريكية لتضرب أهدافاً في أعماق العالم الإسلامي .
وحسب مصادر البنتاغون انتشرت منذ ذلك الوقت مدن الخيام العسكرية في نحو من 19 موقعاً في تسع بلدان تجاور أفغانستان، لتتعاظم بذلك وبشكل كبير شبكة القواعد العسكرية في المنطقة . ومن بلغاريا إلى أوزبكستان وتركيا والكويت وما بعدها ينتشر نحو 70 ألف جندي أمريكي يعيشون الآن ويخدمون في السلك العسكري في هذه القواعد المتقدمة، وتطير مئات الطائرات من وإلى ما يدعى بالحقول الجوية الخاصة بالحملات العسكرية .
وفيما تسهل هذه القواعد على الولايات المتحدة عملية عرض عضلاتها واستعراض قوتها لإخافة بلدان العالم، فإنها في الوقت ذاته تزيد من احتمالات تجدد الهجمات الإرهابية ضد أمريكا .
وتحاط عمليات التوسع في إنشاء هذه القواعد العسكرية بسرية تامة ولا تثار نقاشات عامة علنية بشأنها، وربما يعود السبب في هذا في جزء منه إلى أن الولايات المتحدة اشترطت على الحكومات المضيفة في الاتفاقيات المبرمة معها أن لا تناقش قضية هذه القواعد علناً .
إلا أن هذا النهج يثير حفيظة المسلمين ويؤجج مشاعر الغضب ضد أمريكا . فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة حصلت على دعم وتأييد الأنظمة الحاكمة، بما فيها تلك التي تقع بلدانها ضمن الاتحاد السوفييتي السابق، فإن كل هذه القواعد أقيمت في بلدان يثير الحضور العسكري الأمريكي فيها الغضب في أوساط المسلمين .
ودأب ساسة الولايات المتحدة على الاستخفاف بالتصريحات المعادية لأمريكا والتقليل من شأنها ونعتها بأنها مجرد دعاية، إلا أن شطراً كبيراً من المحللين يعتقدون أن الولايات المتحدة كانت بطيئة في استيعاب خطورة هذه التهديدات وادراك حقيقة أن هذه القواعد العسكرية تعزز القدرات العسكرية إلا أنها تشعل غضباً لا تخمد نيرانه .
إن استمرار وجود القوات العسكرية الأمريكية بعد انتهاء حرب الخليج سنة 1991 يشكل استفزازاً هائلاً للعالم الإسلامي، فحكاية هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول لم تبدأ منذ سنة 2001 بل بدأت تنسج خيوطها من بداية القرن العشرين المنصرم، مع تفجر القضية الفلسطينية وظهور بوادر إنشاء إسرائيل .
وحسب كلمات الروائي جون لوكار الذي درس عالم الإسلام وتعمق في سبر أغوار نزعات هذا العالم ونسج بعضاً من قصصه ليكون عالم الإسلام مسرحها، فإن ما تتلهف عليه أمريكا في هذه اللحظة التاريخية، حتى فوق العقوبة والاقتصاص، إنما هو زيادة عدد أصدقائها وتقليل عدد أعدائها .
إلا أن لوكار عاد فقال، في مقال له نشرته صحيفة تورنتو غلوب اند ميل، بدل أن تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل عدد أعدائها سارعت الخطى نحو اصطناع المزيد من الأعداء، لأنه وبعد كل الرشى والتهديدات والوعود التي تم بواسطتها حشد هذا التحالف الكسيح المترنح، لا نستطيع على الإطلاق الحيلولة دون ولادة انتحاري آخر يفجر نفسه بين ظهرانينا، ولا يملك امرؤ مهما بلغت عبقريته أن يتحفنا
بوصفة تدرأ عنا مخاطر هذه الحلقة المفرغة الشيطانية من اليأس والكراهية والانتقام وروح الثأر المتجددة .
فمنذ نهاية الحرب الباردة طرأت على الوجود العسكري الأمريكي وراء البحار تغيرات كبرى، حيث كشفت دراسة للكلية الحربية التابعة للجيش الأمريكي النقاب عن أنه في حين تقلص الحضور العسكري الدائم وراء البحار بشكل كبير، فإن عمليات الانتشار لهذه القوات زادت بشكل هائل .
لقد سحب البنتاغون نحو 700 قاعدة كانت تنتشر في أوروبا وتخلى عن طوق الاحتواء الذي كان يحاصر به الاتحاد السوفييتي، وقلص وجوده العسكري في أوروبا بنسبة 40% عما كان عليه في عهد الرئيس رونالد ريجان، وها هو اليوم يطوق العالم الإسلامي بهذه القواعد .
#183; صحافي ومحلل عسكري سابق سلط الضوء
#183; على تنامي الروح الصليبية في أوساط البنتاغون