بتؤدة وبثقة كبيرة واصلت واشنطن تنفيذ بنود استراتيجيتها نحو السودان، بسيناريو محكم وموضوع منذ سنوات، بل وزادت دبلوماسية أوباما الناعمة من تسارع خطوات التقدم نحو تحقيق هدف هو من الجانب الأمريكي يعبر عن تحقيق لمصالح اقتصادية وسياسية لضمان عائد لا يستهان به من ذلك البلد الغني بالثروات النفطية والمعدنية ذات الجودة سواء من حيث المخزون النفطي، أو مخزون اليورانيوم الأكثر نقاءً .

ولعل كثيرين لم يلتفتوا إلى شهادة المبعوث الأمريكي إلى السودان سكوت جريشن أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي قبل أيام، ففي تلك الشهادة وما جاء بين سطورها صورة واضحة هي في الواقع الأوضح، منذ إقرار هذه الاستراتيجية في عهد كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت، وهي صورة نأمل ونحن ننقلها أن تصل إلى أولي الأمر بالسودان لا سيما الذين سواء بحسن نية مكروهة، أو رغبة من الإفلات من مقصلة ساهموا في جدلها حول عنق هذا البلد الغني، الذي كان من الممكن بكل مقدراته أن يصبح أغنى البلدان العربية بثرواته ناهيك عن وصفه السابق بسلة غذاء العالم العربي، وهو وصف مع الأسف، أصبح في ذمة التاريخ .

نلاحظ في الكلمة الرسمية بشهادة جريشن والمكتوبة بعناية تعبيرات تفرق بين جوبا والمدن الأخرى كالخرطوم وغيرها . ونراه في البداية يركز على شرح الطريق نحو 20 يناير وما بعد 20 يناير، وهو الموعد المحدد للاستفتاء على انفصال الجنوب، كما يتحدث عن مواضيع السلام والمحاسبة والأمن في دارفور .

ونراه يحدد بأن هناك عدة أشياء ينبغي أن يتم تنفيذها في وقت قصير من قبل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي اللذين ينبغي عليهما أن يكونا مستعدين لمساعدة الأطراف والمحافظة على السلام والاستقرار في السودان والمنطقة .

وكان جريشن الذي أثنى على العلاقات التي تحسنت بين السودان وتشاد، قد حرص على تأكيد اتفاق واشنطن مع النتائج التي وصلت إليها تقارير مركز كارتر والاتحاد الأوروبي بخصوص الانتخابات الأخيرة التي جرت في السودان، مستطرداً ومؤكداً وجود تحديات لوجستية وإدارية واسعة وكذلك حدوث مخالفات وقيود على الحريات المدنية، وتسجيل حالات تزوير، إضافة لثبوت حدوث اعتداءات على السودانيين من قبل قوات الأمن السودانية . ومع ذلك فقد رأى جريشن أن الانتخابات أتت بإيجابيات ومنها خوض ومشاركة عشرات من الأحزاب وآلاف المرشحين فيها التي صوت فيها أكثر من عشرة ملايين سوداني، إضافة لكون تلك الانتخابات تطبيقاً لجزء من اتفاقية السلام الشاملة .

سيناريوهات

جريشن قال إنه لم يتبق سوى 8 أشهر على الاستفتاء في الجنوب، ولذا فهناك مواضيع لا بد أن تحل قبل موعد الاستفتاء ومنها تخطيط الحدود بين الشمال والجنوب، واتفاق الأطراف على المواضيع الخلافية إضافة لتشكيل لجنة للاستفتاء التي تتم الموافقة عليها من قبل مجلس الأمة الجديدة المنتخب .

أيضاً وضمن المطالبات فإن جريشن ركز على ضرورة التأكد من تشكيل لجنة خاصة للتعاطي مع الاستفتاء في منطقة أبيي وتحديد من له صفة الاستفتاء وتحديد حدود أبيي . وإلى جانب أبيي أضاف جريشن مطلب عقد مشاورات شعبية تتعلق بمناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق مشيراً إلى تأجيل انتخابات جنوب كردفان ومطالباً بضرورة قيام حزب البشير المؤتمر الوطني مع الجبهة الشعبية لتحرير السودان بالعمل معاً والثقة ببعضهما بعضاً .

جريشن اعترف بأنه تم وضع عدد من السيناريوهات التي يجب على المجتمع الدولي أن يكون مستعداً لها، إلا أن السيناريو الذي تود واشنطن رؤيته يتحقق هو ذاك الموجود في اتفاقية السلام الشامل وهو السيناريو الذي يتضمن إجراء استفتاء شامل من خلاله يتمكن السودانيون بالجنوب من الاختيار بين الوحدة والانفصال .

كذلك يختار سكان أبيي أن يبقوا مع الشمال أو ينضموا إلى الجنوب، مع ضمان احترام المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان والأطراف السياسية الأخرى والمواطنين السودانيين وكذلك المجتمع الدولي لنتائج الاستفتاء، وهذا الاحترام مطلوب أيضاً من الدول الشاهدة على توقيع اتفاقية السلام الشامل للعام 2005 .

وعلى الرغم من التفضيل الأمريكي الرسمي لهذا السيناريو فإن جريشن مع ذلك حرص على القول بأنه ينبغي علينا أن نكون مستعدين لسيناريوهات أقل جاذبية، ولا بد أن نتذكر دوماً أن نهاية الفترة الانتقالية ستغير العلاقة بين الشمال والجنوب، حسب جريشن .

ومضى جريشن ليبلغ شيوخ الكونجرس باستمرار حث الإدارة الأمريكية للأطراف في السودان على استكمال أسلوب المفاوضات حول مواضيع ما بعد اتفاقية السلام الشامل وهي المتصلة بالمواطنة وإدارة مصادر الثروة الطبيعية مثل النفط والماء (طبعاً يقصد مياه النيل التي تشهد تدخلات غربية وإسرائيلية جنوباً حيث منابع النيل) . وأضاف جريشن إلى ذلك مواضيع أخرى ينبغي على الأطراف الاتفاق حولها ومنها وضع القبائل التي تتنقل عبر الحدود والإجراءات الأمنية التي ستتبع، وحول الأصول والمديونات وهي مواضيع ترى واشنطن أهمية اتفاق الأطراف حولها قبيل الوصول إلى موعد الاستفتاء، وذلك لضمان انتقال سلس للسلطة بعد 20 يناير/كانون الثاني 2011 .

التركيز على الجنوب

أيضاً وضع جريشن أمام أعضاء الكونجرس خريطة التحرك الأمريكي المقبل وضرورياته فقال: يجب أن نكون على استعداد لأن نستثمر مجهوداً سياسياً ودبلوماسياً وفنياً ضخماً لتشجيع الناس ليس فقط على تطبيق ما اتفقوا عليه وبغض النظر عما إذا كان جنوب السودان سيصبح مستقلاً في يناير ،2011 فإن حكومة جنوب السودان في حاجة لزعامة فاعلة وقدرات للقيام بعملية حكم فعالة وتوفر أنظمة للمحاسبة والأمن وتقديم الخدمات لمواطنيها .

جريشن بصراحة تحدث عن قيادة مجهود دولي ضخم ومنظم لمساعدة الجنوب وهو يرى- كما إدارته- أنه كي يتحقق ذلك ينبغي توسيع العمل والتمثيل الدبلوماسي في جوبا لضخ المزيد من العاملين في هذا المجال وكذلك ضخ مساعدات مادية على الأرض وذلك بغرض تحقيق أهداف (يقصد مصالح) السياسة الخارجية الأمريكية هناك، ونراه يبلغ الكونجرس بالتفصيل عن جهود إدارة أوباما لمضاعفة مجهوداتها لا سيما أنشطة وعمل وكالة المساعدات الأمريكية، وأنه بالفعل يوجد تكثيف ضخم للعمل في واشنطن على هذا الصعيد تم تدشينه .

دارفور

هذا المجهود يتزامن مع تكثيف الولايات المتحدة طبقاً لتوجهات الرئيس أوباما الذي طالب بمجهود أمريكي في السودان متعدد الأطراف، وذلك للعمل مع الأطراف الدولية وشركاء أمريكا في المجتمع الدولي لا سيما في الترويكا ومجموعة الاتصال ومجموعة مبعوثي الاتحاد الأوروبي . وكان جريشن قد أكد أن هذه الاتصالات شملت جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا ودول مجاورة للسودان وآخرين، وحيث تم الاتفاق على مساهمات أكبر من قبل الولايات المتحدة وكذلك مجلس الأمن الدولي الذي جدد مؤخراً مهام قوات حفظ السلام للمساعدة على عملية الاستفتاء والتأكد من تطبيق جميع بنود اتفاقية السلام .

هذا التصريح والتوضيح الرسمي الأمريكي لتوجهات إدارة أوباما نحو السودان الذي لم يتبق أمامه سوى أشهر قبل اتمام مشروع تجزئته، جاء قبل أن يخوض جريشن في موضوع دارفور ليؤكد استمرار العمل الأمريكي وبشكل مواز بشأن مصير الشمال والجنوب السوداني، وذلك من أجل إنهاء ما وصفه بعمليات التطهير العرقي في دارفور وإنهاء الصراع حيث العنف لايزال مستمراً حسب جريشن الذي استشهد في تلك الجلسة المهمة بما وصفه بتقارير ذات مصداقية تشير إلى استمرار حكومة السودان في قصف دارفور بالقنابل من الجو، وهو شيء حسب جريشن لا يمكن للضمير أن يقبله، مؤكداً مطالبة واشنطن لحكومة البشير بالالتزام الفوري بوقف إطلاق النار .

ولم ينس جريشن ذكر قيام الإدارة الأمريكية بحث حركة العدل والمساواة التي انسحبت من اجتماعات الدوحة على العودة للمفاوضات، وقال صحيح ان مواضيع وقف إطلاق النار والمشاركة في السلطة والثروة يمكن مناقشتها في المفاوضات ولكننا نفكر بطريقة خلاقة لأن تكون هناك مناقشات حول التعويضات والإصلاح الزراعي، وإعادة بناء القرى باعتبارها ضرورة من أجل المصالح والتواصل لسلام دائم، بالإضافة إلى تأييدنا للمجهودات الدولية فإن الاستراتيجية الأمريكية تؤمن بضرورة المحاسبة إجراء محاسبة على التطهير العرقي والفظائع كضرورة من أجل المصالحة والسلام المستمر .

جريشن أعلن تأييد واشنطن للجهود الدولية من أجل إحضار المسؤولين عن التطهير العرقي في دارفور أمام العدالة قبل أن يكشف عن وجود مباحثات مع الشركاء الدوليين والمجتمع الدولي بما فيهم لجنة جنوب إفريقيا العليا لدارفور والاتحاد الإفريقي لإجراء مصالحات محلية .

الكلام واضح إذن، فجريشن يتحدث هنا عن نوعين من المحاسبة الأول سيشمل كبار المسؤولين عما يطلق عليه التطهير العرقي ويقصد الرئيس البشير وكبار معاونيه الذين أدرجوا على لائحة المطلوبين من قبل محكمة العدل الدولية بعد تمرير سابق دولي بالأمم المتحدة لوصف ما حدث في دارفور بالتطهير العرقي وهو تمرير بدأته إسرائيل بضغوط من اللوبي داخل الكونجرس وتأسيسها لجمعيات يقودها هذا اللوبي منذ سنوات وعلى رأسها منظمة انقذوا دارفور، بما يعني أنه وفور الانتهاء من حصول واشنطن وإسرائيل والغرب على مبتغاهم من حكومة البشير المطلوب للعدالة فإن مسألة تقديمه مع آخرين ادرجوا على اللائحة الدولية للمطلوبين مجرد مسألة وقت، وان التطمينات والثناء وترك الرئيس البشير يقوم ببعض الزيارات الدولية القريبة كلها سياسات تطمين مؤقتة ستسحب وتلغى فور الاستفتاء وربما قبله . ولا عجب إذا ما بدأت معزوفة جماعية متوقعة خلال أشهر قليلة من الآن تبدأها منظمات بعينها تطالب بتقديمه للعدالة الدولية، وقد وفرت الحكومة السودانية الحالية مبررات مجانية تبرعت بها مؤخراً أو دفعت إليها - لا فرق- تساهم في التعجيل بها وآخرها إغلاق جريدة الترابي بعد اعتقاله، فقد وفر مثل هذا الإجراء بحثاً أمريكياً غربياً عن مبرر شكلي للتنصل من حكومة البشير قبل الدفع ببعض ضحايا دارفور إلى ساحة القضاء الدولي أو فتح ملفات قديمة متعلقة بحقوق الإنسان .

من الواضح أن هذا السيناريو أصبح الآن على الطاولة الأمريكية للتنفيذ ويسير بالتوازي مع سيناريو أمريكي آخر لتصور محدد حول وضع حد لأزمة دارفور، وذلك بتدشين لجان مصالحة محلية كما أشار جريشن تتولى محاسبة ذاتية هادئة يتم بموجبها إعادة الهدوء إلى دارفور التي على الأرجح لن تعود كما كانت لأنها تقع ضمن مخطط استراتيجي أكبر لتقسيم ثرواتها وحدودها، فكردفان جنوب دارفور حيث حفرة النحاس واليورانيوم وأبيي التي ستكون بمثابة مسمار جحا في جسم السودان الجديد العربي والمرشح لأن تكون حدوده على ثلث السودان الحالي تقريباً، مع شرق مهدد بإشعال مشكلة البجا بالقرب من الحدود الساحلية الشرقية والاستراتيجية على البحر الأحمر والتي لن تجدي أية مساومات أو إرضاءات سودانية حكومية لمطالب أمريكية لوجستية قديمة تتعلق بالحصول على موقع قاعدة استراتيجية على البحر الأحمر في تأجيل تنفيذ مثل هذه المخططات .

ولن تكون واشنطن فقط وان كانت هي اللاعب الرئيسي بشأن مستقبل السودان، بل هناك جهات ودول تمثل الغرب عموماً، وربما تتضمن الصين وروسيا بترضيات دبلوماسية مع احتفاظ واشنطن باليد العليا في ما يتعلق بالمقدرات الجيوبولتيكية والاستراتيجية وما يتعلق بالثروة النفطية الهائلة ومخزون السودان المكتشف الهائل في وسط السودان وجنوبه والذي اكتشفته شركات أمريكية كبرى كانت قد أجبرت على الانسحاب قبل سنوات فطمرت آباراً اكتشفتها وأبقت أسرار مواضع ومكامن الثروة إلى أن يحين وقت الانقضاض عليها، وبعض هذه الثروات النفطية أعادت الصين اكتشافها ما خلق قلقاً عظيماً لدى واشنطن فسارعت إلى وضع هذه الاستراتيجية التي قاربت على تحقيق أهدافها .

لذا فإن واشنطن قد تسمح ببعض الاستثمارات النفطية والزراعية من قبل المنافسين كالصين وروسيا وفي نطاق ضيق، ولكن الحدود الجديدة للسودان الجديد والذي قد يسفر عن دويلات جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، دويلات ضعيفة واهنة بعيدة معظمها عن العروبة والإسلام ما عدا الشمال ستبقى موارده دوماً بيد تحكم الشركات الكبرى الأمريكية .

وإذا اقتربنا تحديداً من الصورة الكارثية المتوقعة سنرى الكثير من الملامح المؤسفة التي ستكون قريباً بانتظار هذا البلد المنكوب، وإذا توقفنا عند نموذج جنوب السودان المتوقع والذي لم يتوصلوا بعد لاسم جديد مقترح له، ومع اعتراف شبه جماعي بغياب كبير لمقدرات الدولة أو إدارة الدولة فسنجد لهفة أمريكية على إعداد مسبق لأشخاص ينتمون لقبائل بعينها لقيادة الدولة الجديدة أولى دويلات السودان المفتت قريباً، وقد بدأت بالفعل عمليات رسم ملامحها لتصبح دولة مسيحية إفريقية ليس لها علاقة بالشمال العربي المسلم . وهو الاسم الذي بدأ يتردد في وسائل الإعلام وبإيعاز متعمد من أولي الأمر في الغرب، والتي نشرت مؤخراً تقارير حول السودان الجنوبي المسيحي بالتركيز على اشخاص مثل القس الانجيلي كارانج وهو من قبيلة الدينكا التي تتنافس وتتصارع منذ زمن طويل مع قبيلة النوير .

احسب أن الصورة كارثية ومعرضة للتكرار ولكن مع ألوان أخرى تتراوح ما بين عرقي الأمة السودانية عبر حدود على وشك ان تصبح تاريخية . واتذكر هنا كيف كان الراحل جون قرنق متخوفاً في سنواته الأخيرة من هذا السيناريو المظلم مع انه ينتمي للدينكا وكيف كان يذكرني مازحاً في كل مرة يأتي إلى واشنطن فيه بسؤال كنت قد سألته إياه قبل أعوام عما إذا كان يخشى مصير الزعيم الانجولي سافيمبي الذي اغتيل . وكان يلقى دعماً أمريكياً إسرائيلياً، وهو السؤال الذي جعله لا ينام لأيام، وفي آخر مرة حضر فيها إلى واشنطن اضاف إلى ملاحظته حول هذا السؤال الذي اقلقه قائلاً يجب أن تتأكدي من انني لا أؤيد الانفصال . ويبدو لي الآن وأنا اتذكر مقولته تلك بالتزامن مع تداعيات ما يحدث على الأرض في السودان وكأنه بهذه الجملة قد أزاح بعضاً من علامات استفهام حول اختفائه المفاجئ في حادثة طيران مستغربة .