دبي - محمد أبو عرب:
بمحاذاة مرفأ السفن في خور دبي وفي ممشى طويل يمتد من البيوت التراثية في البستكية القديمة إلى قلب دبي القديمة، تختار الناقدة والشاعرة أمينة ذيبان هذه الزيارة وتستعيد سيرتها مع الأدب وتروي حكايات الطفولة وبيت العائلة القديم، إذ ترتبط ذاكرتها بكل حجر وكل مشهد في المكان، فتصحب "الخليج" في جولة تمضي فيها في المكان سيراً، وفي الذاكرة سرداً ليصبح كل ما تراه مفتاحاً لحكاية عاشتها قبل عقود طوال .
تطل أسراب النوارس التي ترسم فضاء المكان وتشترك مع الساكنين برائحة الماء ودفء البيوت المتراصة، وتحط السفن بكل ما تثيره من حالة السفر والحنين على جانبي الخور، فيبدو الممشى أشبه بخيط رفيع يفصل البر عن البحر، حيث تتوزع البيوت قبالة الخور بأبوابها المتينة المزخرفة، ونوافذها العالية .
من ذاك المكان حيث يدخل الزائر إلى السوق القديمة تدخل أمينة ذيبان في سيرتها، إذ تشير بإصبعها إلى الضفة الأخرى من الخور لترشدنا إلى مكان ولادتها الأول، حيث ولدت في فريج الراس في ديرة في دبي، بالقرب من المكتبة العامة التي تعد المعلم الأبرز في تلك المنطقة، وبالقرب من البحر، وكأنها ولدت من قلب الماء .
حينها يمتد زقاق ضيق مرصوف بالحجر الأسود، وتطل قلائد النباتات المجففة وأكياس البخور والأعشاب البرية، وتتبدى أنواع الأقمشة والتحف الخشبية والنحاسية، فيثير ذلك في ذيبان سيرة الحياة الأولى حيث كانت ترتبط كثيراً بوالدتها وتعيش تفاصيل الحياة البسيطة مع والدها الغواص الذي أمضى عمره في البحر .
تصطحبنا أمينة ذيبان إلى مقهى تراثي يطل على الخور والنوارس تسكنه وتطير قريباً من رواده للحد الذي يمكن لمسها باليد، وما إن ترقب ما تغير على الضفة الأخرى للخور حتى تستعيد كيف كانت تمشي مع والدتها على ضفاف الخور، فتقول: "كان لي إخوة يدرسون في البحرين حين كنت صغيرة، وكانوا يبعثون إلينا رسائلهم، وكانت أمي تحب الرسائل فتأخذني معها وتقرأ رسائلهم وهي تتمشى على الخور، ومنذ حينها تولدت لي علاقة غريبة مع الرسائل، امتدت بعد ذلك لتصبح علاقة مع الكتابة واللغة" .
تستعيد أمينة ذيبان: "مازلت أذكر شغف أمي بأبنائها وحبها لانتظار رسائلهم، إذ أتذكر أنه في أحد الأيام خرجت أمي من البيت مسرعة وكانت تجرني خلفها وأنا فتاة لم أتجاوز الخامسة من عمري، وحين وصلنا للمكان الذي كانت تأخذني إليه، كان هناك حشدٌ من الناس وسمعتهم يتهامسون أن ضابطاً بريطانياً قد أصيب في تلك التظاهرة، وأمي كانت تبحث عن أبنائها لتعيدهم إلى البيت" .
في ذلك البيت الذي تمسك الوالدة زمامه وتحرص فيه على تعليم أبنائها، إذ يعود الوالد منهكاً من البحر، عاشت ذيبان طفولتها، وتهجت ملامح الحياة الأولى، فتعلقت بالقراءة إثر حرص أمها الشديد على تعليمها، وأخيها الأكبر الذي كان مدرساً حين كانت هي لم تدخل المدرسة بعد، فصارت تستحوذ على كتب إخوتها وتتعلم ما يتعلموه رغم أنهم يتجاوزنها بسنوات عدة .
تخرج ذيبان من حقيبتها صورة صغيرة تظهر فيها بالأبيض والأسود وقد ارتسم على وجهها حنين غريب وكأنها عادت إلى تلك السنوات التي كانت تجمعها بأخيها محمد ذيبان . إذ تقول: "كان أخي محمد - رحمه الله - يقسو عليّ في التعليم، وكان رساماً علم الكثير من الفنانين في بداياتهم، وهم اليوم من رواد الحركة التشكيلية الإماراتية، فحين التحقت في أول مدرسة وكانت مدرسة خولة بنت الأزور التحقت كمستمعة أجلس في آخر الصف، لكن ما إن بدأ الفصل وبدأت بالمشاركة في الدروس حتى أدركت المدرسة أني قد تجاوزت مراحل عديدة في التعليم، وكان ذلك بفضل أخي، فضمتني إلى الطلبة النظاميين" .
تمضي السنوات تباعاً في حديث ذيبان وفي كل مرة ترى العبّارات تجري في الخور وقد أشعلت ضوء مصابيحها بعد أن غربت الشمس، تبتسم طويلاً، وتكمل حديثها: "ما زلت حتى اليوم كلما تذكرت طفولتي أتوقف عند جدي لأمي وعلاقتي به، فرغم أنه فارق الحياة قبل أن أولد، إلا أنه حاضر معي حتى اليوم، فحين كنت أزور بيته كنت أرى النافذة التي تكاد تكون علمت العائلة بأكملها، فهي نافذة كانت تتكدس فيها الكتب بشكل عشوائي، فتجمع الكثير من كتب التراث العربي والأدب والشعر" .
تقول: "كانت أبيات الشعر وحكم الإمام علي، ونوادر العرب وحكمهم ترد كثيراً على لسان خالاتي، فكأن تلك النافذة التي تركها جدي تحملت دوره وصارت هي مصدر الحكايات في آخر الليل، وهي الأب الحكيم الذي يروي الحكايات والنوادر ليسدي النصح لأبنائه، ويربيهم على الخير والمحبة" .
من تلك النافذة وحتى كتاب "جواهر الأدب العربي" الذي وقع بين يدي ذيبان في سن مبكرة، وصولاً إلى كتاب "عنترة بن شداد" الذي أهدي إليها وهي في المدرسة الإعدادية، نسجت ذيبان علاقتها مع الأدب العربي، إلا أن ظروف الحياة وأحلامها الواسعة تأخذها بعد أن تنهي المرحلة الثانية لدراسة العلوم السياسية والإدارة العامة في جامعة العين .
رغم التخصص الذي يبتعد كثيراً عن الأدب والشعر، إلا أن شيئاً ما يظل يشدها إلى عشقها الأولى، فتسجل في المواد المختارة في الجامعة مادة "الأدب العربي الحديث" عند أستاذ الأدب المعروف عبدالكريم الأشتر، وهناك تعود إلى نفسها، فبعد أن يقابلها الأستاذ بقلة اهتمام كونها من خارج تخصص اللغة والأدب، يدرك موهبتها وقراءاتها التي جعلتها علامة لافتة بين الطلاب .
تروي أمينة ذيبان عن تلك السنوات بقولها: "رغم دراستي البعيدة عن الأدب إلا أنني كنت أترأس اللجنة الثقافية في الكلية، وكنت مع نخبة من الطلبة ننظم الأمسيات الشعرية، والندوات، والجلسات النقاشية، فكنا نعمل أسابيع ثقافية تجتمع فيها العديد من التجارب الإبداعية من داخل الجامعة وخارجها" .
تتذكر أمينة: "بعد أن تخرجت في أوائل الثمانينات ببحث كان بعنوان "أبعاد الأمن الداخلي في دولة الإمارات" اتجهت مباشرة إلى العمل الصحفي، حيث عملت في صحيفة الاتحاد لفترة قصيرة، ثم انتقلت إلى صحيفة البيان، فكنت أجري التحقيقات المحلية حول القضايا التي تدور في كواليس المجتمع والحياة العامة" .
من تلك المرحلة التي شكلت فيها ذيبان علامة واضحة في الصحافة الخليجية تغادر إلى مصر لإتمام تعليمها العالي، فتلتحق بجامعة القاهرة، وتعيش تجربة تمهد فيها للشغف الذي صارت عوالمه ترتسم أمامها، وهو الدراسة والحياة في أوروبا، فتخرج في منحة دراسية من الدولة للدراسة في بريطانيا .
تقول حول تلك المرحلة: "أعتبر أوروبا هي المرحلة الأهم في حياتي، حيث اكتشفتها من مدينة أسمها كولشستر، اكتشفت الروح الرومانية فيها، وتعرفت إلى تجربة الإرادة الحرة، والعقلية الأوروبية، تعرفت إلى ذلك وعشته من خلال تجربة المعهد الأولى ومن خلال الكتاب الأوروبيين" .
بمحاذاة مرفأ السفن في خور دبي وفي ممشى طويل يمتد من البيوت التراثية في البستكية القديمة إلى قلب دبي القديمة، تختار الناقدة والشاعرة أمينة ذيبان هذه الزيارة وتستعيد سيرتها مع الأدب وتروي حكايات الطفولة وبيت العائلة القديم، إذ ترتبط ذاكرتها بكل حجر وكل مشهد في المكان، فتصحب "الخليج" في جولة تمضي فيها في المكان سيراً، وفي الذاكرة سرداً ليصبح كل ما تراه مفتاحاً لحكاية عاشتها قبل عقود طوال .
تطل أسراب النوارس التي ترسم فضاء المكان وتشترك مع الساكنين برائحة الماء ودفء البيوت المتراصة، وتحط السفن بكل ما تثيره من حالة السفر والحنين على جانبي الخور، فيبدو الممشى أشبه بخيط رفيع يفصل البر عن البحر، حيث تتوزع البيوت قبالة الخور بأبوابها المتينة المزخرفة، ونوافذها العالية .
من ذاك المكان حيث يدخل الزائر إلى السوق القديمة تدخل أمينة ذيبان في سيرتها، إذ تشير بإصبعها إلى الضفة الأخرى من الخور لترشدنا إلى مكان ولادتها الأول، حيث ولدت في فريج الراس في ديرة في دبي، بالقرب من المكتبة العامة التي تعد المعلم الأبرز في تلك المنطقة، وبالقرب من البحر، وكأنها ولدت من قلب الماء .
حينها يمتد زقاق ضيق مرصوف بالحجر الأسود، وتطل قلائد النباتات المجففة وأكياس البخور والأعشاب البرية، وتتبدى أنواع الأقمشة والتحف الخشبية والنحاسية، فيثير ذلك في ذيبان سيرة الحياة الأولى حيث كانت ترتبط كثيراً بوالدتها وتعيش تفاصيل الحياة البسيطة مع والدها الغواص الذي أمضى عمره في البحر .
تصطحبنا أمينة ذيبان إلى مقهى تراثي يطل على الخور والنوارس تسكنه وتطير قريباً من رواده للحد الذي يمكن لمسها باليد، وما إن ترقب ما تغير على الضفة الأخرى للخور حتى تستعيد كيف كانت تمشي مع والدتها على ضفاف الخور، فتقول: "كان لي إخوة يدرسون في البحرين حين كنت صغيرة، وكانوا يبعثون إلينا رسائلهم، وكانت أمي تحب الرسائل فتأخذني معها وتقرأ رسائلهم وهي تتمشى على الخور، ومنذ حينها تولدت لي علاقة غريبة مع الرسائل، امتدت بعد ذلك لتصبح علاقة مع الكتابة واللغة" .
تستعيد أمينة ذيبان: "مازلت أذكر شغف أمي بأبنائها وحبها لانتظار رسائلهم، إذ أتذكر أنه في أحد الأيام خرجت أمي من البيت مسرعة وكانت تجرني خلفها وأنا فتاة لم أتجاوز الخامسة من عمري، وحين وصلنا للمكان الذي كانت تأخذني إليه، كان هناك حشدٌ من الناس وسمعتهم يتهامسون أن ضابطاً بريطانياً قد أصيب في تلك التظاهرة، وأمي كانت تبحث عن أبنائها لتعيدهم إلى البيت" .
في ذلك البيت الذي تمسك الوالدة زمامه وتحرص فيه على تعليم أبنائها، إذ يعود الوالد منهكاً من البحر، عاشت ذيبان طفولتها، وتهجت ملامح الحياة الأولى، فتعلقت بالقراءة إثر حرص أمها الشديد على تعليمها، وأخيها الأكبر الذي كان مدرساً حين كانت هي لم تدخل المدرسة بعد، فصارت تستحوذ على كتب إخوتها وتتعلم ما يتعلموه رغم أنهم يتجاوزنها بسنوات عدة .
تخرج ذيبان من حقيبتها صورة صغيرة تظهر فيها بالأبيض والأسود وقد ارتسم على وجهها حنين غريب وكأنها عادت إلى تلك السنوات التي كانت تجمعها بأخيها محمد ذيبان . إذ تقول: "كان أخي محمد - رحمه الله - يقسو عليّ في التعليم، وكان رساماً علم الكثير من الفنانين في بداياتهم، وهم اليوم من رواد الحركة التشكيلية الإماراتية، فحين التحقت في أول مدرسة وكانت مدرسة خولة بنت الأزور التحقت كمستمعة أجلس في آخر الصف، لكن ما إن بدأ الفصل وبدأت بالمشاركة في الدروس حتى أدركت المدرسة أني قد تجاوزت مراحل عديدة في التعليم، وكان ذلك بفضل أخي، فضمتني إلى الطلبة النظاميين" .
تمضي السنوات تباعاً في حديث ذيبان وفي كل مرة ترى العبّارات تجري في الخور وقد أشعلت ضوء مصابيحها بعد أن غربت الشمس، تبتسم طويلاً، وتكمل حديثها: "ما زلت حتى اليوم كلما تذكرت طفولتي أتوقف عند جدي لأمي وعلاقتي به، فرغم أنه فارق الحياة قبل أن أولد، إلا أنه حاضر معي حتى اليوم، فحين كنت أزور بيته كنت أرى النافذة التي تكاد تكون علمت العائلة بأكملها، فهي نافذة كانت تتكدس فيها الكتب بشكل عشوائي، فتجمع الكثير من كتب التراث العربي والأدب والشعر" .
تقول: "كانت أبيات الشعر وحكم الإمام علي، ونوادر العرب وحكمهم ترد كثيراً على لسان خالاتي، فكأن تلك النافذة التي تركها جدي تحملت دوره وصارت هي مصدر الحكايات في آخر الليل، وهي الأب الحكيم الذي يروي الحكايات والنوادر ليسدي النصح لأبنائه، ويربيهم على الخير والمحبة" .
من تلك النافذة وحتى كتاب "جواهر الأدب العربي" الذي وقع بين يدي ذيبان في سن مبكرة، وصولاً إلى كتاب "عنترة بن شداد" الذي أهدي إليها وهي في المدرسة الإعدادية، نسجت ذيبان علاقتها مع الأدب العربي، إلا أن ظروف الحياة وأحلامها الواسعة تأخذها بعد أن تنهي المرحلة الثانية لدراسة العلوم السياسية والإدارة العامة في جامعة العين .
رغم التخصص الذي يبتعد كثيراً عن الأدب والشعر، إلا أن شيئاً ما يظل يشدها إلى عشقها الأولى، فتسجل في المواد المختارة في الجامعة مادة "الأدب العربي الحديث" عند أستاذ الأدب المعروف عبدالكريم الأشتر، وهناك تعود إلى نفسها، فبعد أن يقابلها الأستاذ بقلة اهتمام كونها من خارج تخصص اللغة والأدب، يدرك موهبتها وقراءاتها التي جعلتها علامة لافتة بين الطلاب .
تروي أمينة ذيبان عن تلك السنوات بقولها: "رغم دراستي البعيدة عن الأدب إلا أنني كنت أترأس اللجنة الثقافية في الكلية، وكنت مع نخبة من الطلبة ننظم الأمسيات الشعرية، والندوات، والجلسات النقاشية، فكنا نعمل أسابيع ثقافية تجتمع فيها العديد من التجارب الإبداعية من داخل الجامعة وخارجها" .
تتذكر أمينة: "بعد أن تخرجت في أوائل الثمانينات ببحث كان بعنوان "أبعاد الأمن الداخلي في دولة الإمارات" اتجهت مباشرة إلى العمل الصحفي، حيث عملت في صحيفة الاتحاد لفترة قصيرة، ثم انتقلت إلى صحيفة البيان، فكنت أجري التحقيقات المحلية حول القضايا التي تدور في كواليس المجتمع والحياة العامة" .
من تلك المرحلة التي شكلت فيها ذيبان علامة واضحة في الصحافة الخليجية تغادر إلى مصر لإتمام تعليمها العالي، فتلتحق بجامعة القاهرة، وتعيش تجربة تمهد فيها للشغف الذي صارت عوالمه ترتسم أمامها، وهو الدراسة والحياة في أوروبا، فتخرج في منحة دراسية من الدولة للدراسة في بريطانيا .
تقول حول تلك المرحلة: "أعتبر أوروبا هي المرحلة الأهم في حياتي، حيث اكتشفتها من مدينة أسمها كولشستر، اكتشفت الروح الرومانية فيها، وتعرفت إلى تجربة الإرادة الحرة، والعقلية الأوروبية، تعرفت إلى ذلك وعشته من خلال تجربة المعهد الأولى ومن خلال الكتاب الأوروبيين" .