انتخب الكاتب اللبناني - الفرنسي أمين معلوف مؤخراً عضواً في الأكاديمية الفرنسية بعد محاولتين فاشلتين في 2004 و،2007 وقد علق معلوف على ذلك بقوله: إن انتخابي إلى الأكاديمية الفرنسية رمز بالغ الأهمية للبنان، ولحظة أعيشها بملء جوارحي وقد تعاملت معها بلادي بما يليق بها، لكن أخيراً جلس معلوف على المقعد 29 في أعرق مؤسسة في فرنسا .

ومدح معلوف الأكاديمية الفرنسية ذائعة الصيت، التي تأسست في 1635 وهي التي تسهر على احترام اللغة الفرنسية وتكوين قاموسها، وأضاف بحسب ما صرح لوكالة الأنباء الفرنسية منذ انصرفت إلى الأدب، كانت الأكاديمية تنطوي على معنى في نظري، لم أفكر آنذاك في دخولها، لكن هذه الفكرة ترسخت في ذهني رويداً رويداً .

ربما يكون من غير المبالغة القول إن معلوف الروائي اللبناني المقيم في فرنسا هو من أكثر الكتّاب تداولاً وقراءة باللغة الفرنسية، وذلك لأن كتاباته كانت على الدوام كما هي قناعاته تقف في منتصف المسافة بين ثقافتين ولغتين، وهو ما يؤكده صاحب صخرة طانيوس وسمرقند وغيرها من الروايات التي تتميز بجانبها السردي وببحثها التاريخي العميق، والتي تشكّل هوية متحركة لا تعترف بثابت واحد ديدنها دائماً القلق الأسطوري، والبحث عن مشترك بين ثقافتين شرقية وغربية، أو بعبارة أصح مجموعة من التقاليد الثقافية التي لا يمكن غض الطرف عنها، وهو ما يشكّل معياراً ثابتاً لدى معلوف، كما حاول أن يبرزه في مؤلفه الهويات القاتلة الذي يرفض من خلاله كل أشكال التمترس والانحرافات التي تثيرها مسألة الهويات التي تشكل تشوهاً دوغمائياً يقف على النقيض من كل ما هو ثقافي ومعرفي وإنساني .

في منتصف التسعينات أصدر أمين معلوف رواية ليون الإفريقي التي كتبت عنها الصحافة الفرنسية كلاماً أنيقاً ومثيراً في الوقت نفسه مفاده أن الأدب الفرنسي كان في طريقه للموت لولا اثنان هما فرانسوا ميتران وأمين معلوف .

في إحدى حلقات الإذاعة العامة الدولية ويشرف عليها الأمريكي كريستوفر لايدون وهو صحافي سابق في النيويورك تايمز ومعروف بكونه إعلامياً ومؤلفاً استضاف لايدون في 2003 صاحب ليون الإفريقي مع كاتبين آخرين هما الإيراني عازار نافيسي والهندي أميتاب غوش كان السؤال يتمحور حول تصورات الكتاب المستقبلية تحت عنوان إلى أين نحن ذاهبون في هذا الموسم الخطر؟، وكانت أحداث 11 سبتمبر لاتزال تشعل الرأي العام الدولي حينذاك، كان كريستوفر يستعين بما انبثقت عنه قريحة كتّاب عالميين وشكّلت استشرافاً لأحداث عالمية عدة، كما هو شأن دويستوفسكي الذي تنبأ بالعنف الإجرامي إبان الحقبة السوفييتية في روسيا، بمثل ما كانت رواية العميل السري للأمريكي جوزفف كونراد تتنبأ بشيء مماثل لأحداث 11 سبتمبر/أيلول قبل وقوعها بنحو قرن كامل، وكذلك الأمر بالنسبة لرواية الأمريكي الهادئ لوليام غرين التي توقعت بوقوع أمريكا في وحل المستنقع الفيتنامي قبل عشر سنوات من تحقق هذا الشيء .

وصف كريستوفر أمين معلوف بالكاتب العابر للقارات والأكثر مبيعاً في أوروبا، بعد صدور روايته ليون الإفريقي، ووجه له السؤال السابق، حيث تناول الحديث تأثيرات العولمة والأديان وموضوع الهويات المأزومة وصراع الشرق والغرب وغيرها من العناوين .

بدأ كريستوفر بالقول في لقائي مع أمين معلوف شعرت بأني ذاهب إلى كانتربري وحاج إلى مكة وأقوم بزيارة إلى حائط المبكى في القدس، أما أمين معلوف فقال أنا أود أن أرى نقاشاً يشترك فيه العرب واليهود، وآمل بأن يتبنى كل طرف حق الدفاع عن وجهة نظر الطرف الآخر، أشعر بأني أنتمي لمثل هذا النوع من الحوار .

غير أن ما يهم في حوار كريستوفر مع معلوف هو تأكيد الأخير في معرض تعليقه على مؤلفه ليون الإفريقي هو إضاءته على المشترك الإنساني بين الديانات الثلاث، في إشارة إلى معلوف بوصفه اسفنجة ثقافية، كان في صغره قد قرر احتضان كل وجهات النظر بوصفها هدية من السماء، وها هو يمنح الهدية نفسها في ليون الإفريقي في لحظة تشتبك فيها الثقافات وفي مكان قصي من الجنوب الإسباني .

أما معلوف نفسه فيقول: لقد كانت إسبانيا في ذلك الوقت منطقة التقت فيها الديانات الثلاث في نقطة فاصلة من التاريخ، بالطبع كانت هناك بعض التوترات، لكن لكل ديانة نكهتها الخاصة، وبالنسبة لي كانت هذه لحظة أسطورية .

ويتابع معلوف بالقول الكثير من الأحداث، تجيء في اللحظة ذاتها، والعام 1492 يؤرخ لواحدة من هذه السنوات، لأنها سنة اكتشاف أمريكا، وهي أيضاً السنة التي طرد فيها العرب واليهود من إسبانيا، لقد أحببت هذه الفكرة لأنها تجسد الفكرة التي توقفت عندها سبل التقاء هذه الثقافات .

يسأله كريستوفر عن فهمه للتعايش، مستعيناً بوسائل العصر الحديث، حيث يمكن للأفراد أن يتبادلوا من خلال الإنترنت الذي أصبح وسيلة لعبور القارات فيروجون منتجاتهم وهكذا، فيرد معلوف بأن التعايش هو أمر مختلف وفي غاية الصعوبة، هو يجب أن يكون من أجل غاية كبيرة نناضل جميعاً من أجلها، وهو أمر يجب أن نفكر فيه على الدوام، كما يتحدث معلوف في لقائه مع كريستوفر عن رسالة ليون الإفريقي، ويخاطب قارئه بالقول: أنت فرد مختلف، اكتشف ذلك؟ وبأي طريقة يكون هذا الاختلاف؟ وبهذا الأمر سوف يكون لحياتك قيمة فقط، وهذه بحسب معلوف رسالة رواية ليون الإفريقي، كما ينتهي إلى التأكيد على قيمة الحياة الإنسانية التي يجب أن نحياها بحرية كاملة وأن نخلف بعدها أثراً جميلاً لا ينسى .

الهويات القاتلة

في نهاية كتاب الهويات القاتلة ثمة عبارة تقول إن معظم الكتّاب حين يفرغون من تأليف كتبهم يودون لو تظل هذه الكتب تقرأ إلى الأبد .

يعلق الصحافي الأمريكي لايدون على هذه العبارة التي حين قرأها، سحت الدموع من عينيه، فيسأل معلوف عن شعوره، في ما إذا جاء حفيده بعد سنوات، وعثر عن طريق المصادفة في مكتبة العائلة على هذا الكتاب وقام بتقليبه، فقرأ فقرة أو اثنتين، ثم أعاده إلى زاويته المغبرة في المكتبة، هازاً كتفيه، متعجباً من أن ثمة أشياء كهذه في زمان جده، كانت بحاجة لأن تقال؟!

يجيب معلوف بأنه ليس متأكداً ما إذا كانت مثل هذه الموضوعات ستظل مقروءة سواء في زمن ولده أو حفيده، كما أنه ليس متفائلاً كثيراً بالمستقبل الذي سيعيش فيه هذا الجيل، فأحداث القرن العشرين وما تخلله من النازية إلى الستالينية إلى القنبلة النووية، وجميعها كانت على وشك إفناء الجنس البشري، التي نجونا منها بأعجوبة، وكل هذه الأحداث يقول معلوف، تجعلني أشعر بالحيرة والحزن، أما شعوري فهو شعوري الذي كان: إننا ذاهبون في الاتجاه الصحيح، أما ما يجب أن نفعله، فهو التغلب على مخاطر كثيرة، وفي هذه اللحظة يجب أن نكون قادرين على تسوية مشكلاتنا الإقليمية الراهنة، وبعد ذلك نركز على ما هو بحسب وجهة نظري على مغامرة الإنسان في مجالي الثقافة وعلوم الحياة، وهو المستقبل الحقيقي والمثير الذي يمكنني أن أتصوره .

ثورات الربيع العربي

يقول معلوف: هذا الحدث يأتي في إطار حدث أكبر، هو إعادة الاعتبار للإنسان العربي في العالم وفي الغرب على وجه الخصوص، ويضيف أن أحداث العام 2011 قد أظهرت للعالم أن هناك قيماً تصور البعض أنها غائبة في العالم العربي، هي قيم الحرية والعدالة، حيث اكتشف العالم أنها ليست فقط موجودة، بل ان هناك درجة عالية من العمل والشجاعة والتفاني لتحقيقها .

ليس ذلك فحسب، فهو يعتقد أن ما حصل في هذه السنة هو أفضل ما حصل للعالم العربي منذ قرون، ويصف النهضة الجديدة، بأنها نهضة الحريات المطالبة بالديمقراطية، والتي تتسم بالجرأة على التحرك، هو يؤكد أن هذا الحراك شكل مفاجأة لم نكن نتوقعها وهو ما كنا ننتظره منذ صبانا، وأننا لم نكن في الحقيقة نتوقع ونأمل حصوله كما هو الآن، ويضيف ربما هي مفاجأة، لكنها مفاجأة سارة، وصحيح أن هناك ضحايا، لكنها تبشر بولادة عالم عربي جديد .

قال أمين معلوف مرة إن على الغرب أن يتصالح مع مبادئه في تعامله مع الآخرين، وحقيقة الأمر أن ما قاله ينسجم مع قراءته الواعية للتاريخ، وهو يقف في هذا المسعى جنبا إلى جنب، مع كتاب مرموقين ك امبرتو ايكو وأورهان باموق وأرتورو بيريز، فهو مدشن الأساطير الإيجابية في أعماله، الذي يمتلك مهارة الكاتب الحاكي أو السارد، الذي يفجر من خلالها الكثير من القيم والمواقف، التي تعكس الثقافات المشتركة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط، فليس غريباً أن يصفه كاتب وإعلامي مرموق مثل لايدون بالهائم السعيد في الأندلس كما هي ليون الإفريقي تحفته الروائية التي تغوص في عوالم القرن الخامس عشر الإسباني حيث العرب، ومصر، وروما، كمواطن عالمي في زمنه، يفهم التعايش على نحو مختلف من كل الاصطفافات والتكتلات التي يرفضها .

إلى الأكاديمية

بدخوله إلى الأكاديمية الفرنسية يخلف أمين معلوف كلود ليفي ستروس في هذه المؤسسة العريقة التي تمثل حلقة من حلقات الأدب الفرنكفوني، التي عرفها الكاتب والباحث السياسي اللبناني قاسم عثمان بأنها واقع معاش ونمط تفكير وسلوك حياة، قبل أن تكون انخراطاً في نموذج سياسي أو في كيان جغرافي، حيث يمكن للإنسان أن يتحرك فيها ضمن تنوعه العرقي الوطني والديني، وهي مكان للتلاقي بين البشر ولتبادل المعلومات وتناقل المعرفة وتقاسم الثقافة، كما أنها إطار للتلاقح المثمر ولتقدير الحياة بالمعنى الإنساني والأخلاقي للكلمة .

وصف معلوف اللبناني الذي يعيش في فرنسا ويبلغ من العمر 63 عاماً الأكاديمية بأنها رمز للعلاقات الضاربة في القدم بين الغرب والشرق، وقد ترأس لجنة الشرف الخاصة به جان كلود فاسكيل بحضور الأعضاء الروائي الألباني إسماعيل كاداري، ولويس سيبولفيدا، والصحافي جان دانيال، وبيتر سيلار، وجوردي سافال، وجورج موستاكي، والمفوض الأوروبي ميشيل بارنييه، وهنري كلوديل نجل بول كلوديل .

مؤلفاته

من مؤلفات أمين معلوف الحروب الصليبية كما رآها العرب ،1983 ليون الإفريقي 1984 التي حازت جائزة الصداقة العربية الفرنسية، وسمرقند ،1986 وحدائق النور ،1991 والقرن الأول بعد بياتريس ،1992 وصخرة طانيوس 1993 الحائزة جائزة غونكور الفرنسية، وموانئ الشرق ،1996 ورحلة بالداسار ،2000 والبحث عن الحب وهي مسرحية شعرية ،2001 والهويات القاتلة مقالات سياسية 1998-2002 وغيرها .

قالوا فيه

* بالنسبة للبنانية مي غصوب صاحبة كتاب مزاج المدن/ مقالات وانطباعات آسرة فإن التسامح هو الثيمة الأساسية في أعمال معلوف، أما بالنسبة للكاتب الأمريكي اللاتيني ارييل دورفمان فهو ذلك التسامح الشرس، والسرد الحكائي لدى معلوف بالنسبة لدورفمان إنما هو آت من صدمة العنف، فقد شهد أمين معلوف أزمة تدمير بلده لبنان، وعاش نوعاً من الخسائر الفادحة، كما لو أنه فقد الأمل بإعادة بناء هذا الوطن، لذا فإن جميع رواياته كما يؤكد دورفمان، متأثرة نوعاً ما بهذه الشحنة العاطفية المنكسرة، ويضيف إن أمين معلوف سارد حكايات ذات بعد فلسفي عميق .

* كما يعتقد دورفمان أن كتاب الهويات القاتلة لمعلوف الذي جاء في وقت حرج من أحداث 11 سبتمبر ينم عن صوت مفعم بالحكمة والتعقل .

* ووصفت الروائية حنان الشيخ التي زاملت معلوف في مطلع سبعينات القرن الماضي في جريدة النهار اللبنانية أمين بالشخص المواظب الذي يركز كثيراً في عمله، ربما أكثر من أي زميل آخر وهو لا يتكلم كثيراً .

أما القرن الأول بعد بياترس 1992 فهو بالنسبة لدورفمان رواية في المستقبل، مثل التقدم في العلم، الذي يسمح للآباء بتحديد جنس أطفالهم وهم يكبرون في تحيز واضح ضد البنات، ومعلوف يؤمن بتحديد مستوى الحضارة في أي مجتمع تبعاً لمكانة المرأة من خلال التركيز على الفجوة بين المادي والمعنوي في تطور البشرية .

* الروائي والمؤرخ الأمريكي روبرت إروين يرى شخصيات أمين معلوف تدور في نطاق البحر المتوسط والعالم القديم من بلاد الشام منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما اختلط اليونانيون والإيطاليون مع اللغتين العربية والتركية في ما ذهب الدروز واصطفوا مع المسيحيين واليهود والعرب السنة.