بعد عشر سنوات من فيلمه الأول الحرمان الذي قدمه عام 1953 والذي بدأ به عاطف سالم رحلته مع الإخراج السينمائي، قدم عام 1963 فيلمه رقم 20 أم العروسة عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الراحل عبدالحميد جودة السحار، الذي كتب حوار الفيلم أيضا، عن سيناريو للراحل عبدالحي أديب الذي قدم معالجة بديعة شديدة العذوبة، معتمدا بشكل أساسي على قدرة عاطف سالم في التعامل مع اللغة السينمائية وبراعته في متابعة التفاصيل دون الوقوع في أسر العمل الأدبي، الذي يقوم على فكرة شديدة البساطة وإن اكتسبت قيمتها وحيويتها من أسلوب معالجتها سينمائيا.

الأستاذ حسين (عماد حمدي) نموذج لآلاف الموظفين المصريين المطحونين من أبناء الطبقة المتوسطة ذوي الموارد المحدودة، بحيث تضيق إمكاناتهم وتعجز قدراتهم أمام أي ظروف طارئة، قد تستلزم مزيدًا من الأموال.

وحسين هنا لديه سبعة من الأولاد والبنات، يعاني، شأن أقرانه من موظفي الدولة من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تجعل من زواج كبرى بناته أحلام أو الفنانة سميرة أحمد، لغما ينفجر في حياة الأسرة، يعرض عائلها للخطر، ويكاد يودي به إلى السجن. وهنا يحول السيناريو مأساة حسين أفندي إلى كوميديا رشيقة خفيفة الظل، شديدة المرح، تعالج بحذق مشكلات الأسرة المصرية المتوسطة وتسخر في رقة من تلك العادات والتقاليد التي تكبل سلوك أفرادها وتتحكم في تصرفاتهم، ويلمس في رفق مشكلة زيادة الانجذاب، وأثرها على مستوى الفرد، والمجموع، ويبرز في قوة، علاقات المودة والتراحم بين أفراد المجتمع.

الأب حسن، والأم زينب (تحية كاريوكا)، وأبناؤهما السبعة (أحلام ونبيلة وسامي ومراد ومنير وسوسن والرضيعة هالة). يستيقظ الأب فزعا، نصف نائم، تصرخ فيه الأم، حتى ينهض لتحضير اللبن للرضيعة، بينما تحاول هي إيقاف بكائها المستمر بعد أن أيقظها صوت الجرس وهرج أخوتها، وصوت الموسيقا الصادرة من آلة الكمان التي يعزفها الصبي مراد. تزداد صرخات الأم، تنادي أحلام التي تضبطها الكاميرا في سريرها تتثاءب، وتصحو في بطء تتأمل نبيلة (مديحة سالم) شقيقتها النائمة رغم كل الصخب من حولها، تتجه إليها، تحكم الغطاء حولها في حنان، لكن الفتاة التي يقدمها الفيلم بإيجاز بليغ ترفس الغطاء بقدمها، في تمرد، يكشف عن شخصيتها العصبية، المتسمة بالثقة والقوة.

في مشهد واحد قدم السيناريو شخصياته الأساسية في سرعة وإيجاز، الأم العصبية الشفوق الرؤوم، سليطة اللسان، عالية الصوت، طيبة القلب، ناعمة المشاعر، ويظهر ذلك جليا في جملة يقولها الأب حسين لابنته أحلام: هي أمك بتتأمر كده ليه؟ هي فيها عرق تركي؟، فقد قدمت الفنانة تحية كاريوكا شخصية زينب في فهم دقيق لطبيعة الشخصية وتقلباتها بين الحنان الدافق، والقسوة المصطنعة، والرقة الشديدة واستحقت عنها جائزة الدولة في ذلك العام، هي والفنان عماد حمدي الذي أدى دور الأب الطيب المتعاون، المتسامح، المتساهل، الصبور، المسالم الذي يقاوم صعوبة الحياة بخفة الظل والروح المرحة، يسعى حثيثا لتوفير الحياة الكريمة لأبنائه، ويقبل اتهام الأم بتدليلهم، وأنه سيتسبب في إفسادهم، يحنو عليهم رغم قسوته الظاهرة، وهو ما برع في تجسيده الفنان عماد حمدي، في حنكة وخبرة.

أحلام كبرى البنات التي توقفت عن الدراسة تنتظر الزواج، ونبيلة الأصغر المتمردة التي تحلم باستكمال الدراسة والعمل كطبيبة، وسامي الذي يحاول إثبات رجولته المبكرة وأنه رجل البيت عن طريق ممارسة السلطة على نبيلة وأحلام ومراد عاشق الموسيقا الذي يبيع الحلوى لزملائه حتى يكسب ما يعينه على تغيير أوتار الكمان، ومنير الذي يملأ البيت شغبا وشقاوة بصراحته المحرجة وذكائه المتوقد، وتصرفاته المباغتة، والصغيرة سوسن التي تؤدي دورها الفنانة إيناس عبدالله في طفولتها، حيث تتقمص بنظارتها الطبية وكلماتها الحكيمة دور الكبار.

تتم خطبة أحلام إلى المهندس الشاب جلال يوسف شعبان وينتهز السيناريو الفرصة للسخرية من تلك التقاليد البالية التي تحكم قبضتها والسلوك والتصرفات، وتسيطر على الأذهان من خلال تركيزه على مبالغات أسرة العريس في طلبات أثاث الزوجية، الذي ينهك ويرهق ميزانية الأب، ويضطر الأب تحت وطأة سياط زوجته وأسرة العريس، أن تمتد يده إلى المال العام، ليأخذ من عهدته الحكومية مبلغا يسد به احتياجات الجهاز ويتمم به مراسم الزفاف، مؤملا أن يسدده من المبلغ المقرر له مقابل استبداله جزءا من معاشه، وتقترب الكارثة من الوقوع، حين يصر رئيسه على أن يسلم عهدته إلى زميله مادام سيحصل على إجازة خاصة.

يمهد السيناريو، لهذا الموقف في تمهل، عبر عدة مشاهد تتصاعد متقاطعة مع تطور العلاقة بين أسرتي أحلام وجلال، حيث نتابع تطور الضغوط على الأب، ومدى قوتها وقسوتها، بحيث وصلت إلى حد فسخ خطبة ابنته لعجزه عن سداد باقي ثمن حجرة النوم، واستكمال مستلزمات الزفاف، في الوقت نفسه الذي يتسلم فيه يوميا بحكم طبيعة عمله كأمين للخزينة مئات الجنيهات لإيداعها، وفي لحظة يأس يعبر عنها الفيلم، في براعة استخدام لغة الصورة الرمز رغم خروجها عن أسلوب الإخراج الموغل في الواقعية حيث تتراءى لحسين أفندي صور متلاحقة داخل ظلام الخزينة تطارده كشيطان يزين له ارتكاب الخطأ، يقف عاقدا يديه حيث ترقد الأموال ويوسوس في صدره، بأن يمد يده ليحفظ ماء وجهه غير عابئ بالعواقب الوخيمة معللا لصديقه مرقص أفندي (إسكندر منسي) بأنه اضطر لذلك وسوف يسدد ما اختلسه من استحقاقه من استبدال المعاش.

تتوالى الأحداث لتبلغ ذروتها في مشهد النهاية، الذي يعد واحدا من أطول المشاهد في تاريخ السينما المصرية، ومن أفضلها بناء وإخراجا وأداء وإيقاعا حيث تتجلى خبرات صناع الفيلم في بناء الموقف الكوميدي، المرتكز على عناصر مأساوية، وخلق حالة من القلق متباينة مع مشاعر الفرح والسعادة التي تغمر الجميع، ويتصاعد بالموقف في مهارة ويكثف من جرعة التوتر بالتأجيل المستمر، والمتعمد للحظة التي يترقبها المشاهد عن طريق الدفع بعناصر جديدة إلى الحدث، تحكم البناء وتثري الموقف وتفجر الكوميديا عن طريق المفارقات المتوالية وتزيد من مشاعر الإشفاق والخوف على الأب الذي ضحى في تهور، ودون إدانة، بمستقبله ومستقبل أسرته لتلبية رغبات حمقاء.

وتتابع الكاميرا التي لا تهدأ الجموع الهادرة فوق سطوح المنزل وعلى السلم وفي مدخل المنزل وفي الشارع وصول العروسين وسط الموسيقا الراقصة التي تتوقف فجأة لتحل محلها موسيقا تصويرية هادرة منذرة على لقطة لواجهة المنزل من وجهة نظر ضابط شرطة، ويصل سامي لاهثا إلى والده يخبره بأن هناك ضابطا يسأل عنه، يسقط في يد الأب المسكين فقد اقتربت النهاية، يوصي ولده سامي بإخوته خيرًا، ويعترف لزوجته، ثائرا نادما: رحت في داهية عشان أرضيكي وأرضي الناس والجيران، وأرضي أهل العريس، مديت إيدي على العهدة، أخدت 150 جنيه تصعق زينب وتعتذر باكية حزينة ويخرج حسين زائغ العينين غير قادر على الحركة ترصده الكاميرا في لقطة علوية ضائعة بين الجموع اللاهية عن مأساته غير عابئة بما سيحدث له ثمنا لسعادتهم الزائفة.

تعود الموسيقا المرحة مرة أخرى، ولم يكن هناك دواع درامية لاختفائها، فهي جزء من الحدث الواقعي، بينما يخرج الأب من باب المنزل متلصصا، يبحث عن رجال الشرطة لابد أن تنتهي نهاية سعيدة وأن تزول وتتطهر مشاعر الخوف، والرهبة فإن حسين لا يجد سوى صديقه مرقص أفندي، الذي يعاتبه في قسوة على فعلته الشنيعة، ويخبره بأنه قام بتسديد المبلغ المختلس من جيبه الخاص: دفعت لك الفلوس الناقصة من جيبي، يصاب حسين أفندي بالذهول عندما يعرف أن الشرطة لم تحضر للقبض عليه بسبب الاختلاس وإنما بسبب استعماله لمكبر الصوت، دون تصريح مسبق، ينقض على مرقص أفندي مقبلا في سعادة، يعود إلى الحفل يقبل الجميع في هستيريا، ويندمج مع الموسيقا منتشيا، غير أن شفيق (حسن يوسف) صديق جلال والذي كان على علاقة حب مع نبيلة يفاجئه بطلب الزواج من ابنته الثانية، فيسقط الرجل مغشيا عليه جواز تاني؟! لكن شفيق يعده بأنه سيساعده في الفرح والمصاريف وفي كل شيء حتى يبدو غير مصدق وتمتلئ الشاشة بلقطة مكبرة جدا لأذنه تستمع لكلمات شفيق وتحاول التأكد منها وتنفرج عيناه المغمضتان، نصف انفراجة، يتحسس بهما لهجة الصدق في وجوه من حوله وتأتي كلماته أخيرًا مبروك يا ابني. وكان الأجدر بالفيلم، أن تكون تلك نهايته الطبيعية إلا أن صناعه أبوا إلا أن يقدموا نهاية ثانية، كتعليق ساخر، خارج السياق الدرامي مؤكدين أن أحدا لا يعي الدرس، ولا يتعلم من التجربة، فالأم حامل مرة أخرى، وكذلك ابنتها والأب يتقدم حشد الأبناء.

عشرات التفاصيل الصغيرة الدقيقة العذبة يتابعها الفيلم عبر علاقات الشخصيات المختلفة، يقدمها في حنان بالغ، وتفهم عميق لطبيعة المشاعر، وتناقضات الواقع وقسوة الظروف الاجتماعية والاقتصادية من خلال عمل بالغ الصدق والحساسية، برع صناعه في نقد الواقع من خلال لحظات من الكوميديا الراقية التي تعتمد على الموقف مستخدمة حوارًا جذابًا، مرحًا يسمو بالمشاعر، ويعلي من القيم النبيلة، ويدين السلوك المتخلف من دون جرح أو إيلام، ويلعب أسلوب الإخراج ببساطته وتوخيه الوضوح دوره في إبراز وتخليق الموقف الكوميدي، مستخدما كل عناصر الصوت والصورة في توضيح الفكرة والوصول بها، من أقرب طريق إلى قلب وعقل المشاهد.