- من منا لا يهتز وجعاً، حينما يسمع أغنية (أخي جاوز الظالمون المدى)، والتي كتب كلماتها الشاعر علي محمود طه، ولحنها وغناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، تحولت القصيدة إلى أحاسيس نابضة، تستحث الكرامة، وتبكيها، وتناشد النخوة، والمروءة في ضمير كل عربي.
- على مدى سبعة عقود، وأجيال وراء أجيال تُردد القصيدة المغناة، كلما خيم الظلام وحل ظلم على الأرض العربية، حفظها جيلي في المراحل الدراسية الأولى، وأنشدناها بحماس وعزم، وشارك في غنائها في فترة من الفترات المطرب الموسيقار فريد الأطرش.
- تذكرت القصيدة، واستعدت صوت محمد عبد الوهاب، وأنا أشاهد الدماء تنز من شاشات التلفزة، دماء أبناء الشعب الفلسطيني، وهم يدافعون عن عروبة القدس وقدسيتها، وأعدت قراءتها.. وفيها يقول الشاعر:
«أخي إنَّ في القدس أختاً لنا
أعد لها الذابحون المدى
أنتركهم يغصبون العروبة
مجد الأبوة والسؤددا»
- تذكرت أيضاً، المعجزة الفنية سيد درويش، وهو يلبي أشواق الناس، ويعبر عما يجيش في صدورهم، التي تحلم بالتخلص من الاحتلال الأجنبي، وينشد لهم أغنية «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي) والتي ألفها الشاعر محمد يونس القاضي، وقد تبنت الدولة المصرية في العام 1979، هذه الأغنية لتكون النشيد الوطني المصري، بعد أن أعاد محمد عبد الوهاب تلحينها، وقد سبق هذا النشيد، قصيدة كتبها الشاعر صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل، وغنتها أم كلثوم وهي (والله زمان يا سلاحي) واعتمدتها مصر رسمياً في العام 1961 وحتى 1971، وكانت الأغنية المذكورة، تعبيراً شعبياً جارفاً عن مشاعر المصريين أثناء العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956.
- لكل شعوب الأرض، أناشيد وطنية، تتغنى بالأوطان وبالعزة والكرامة، وأخرى تعزز الشعور بالانتماء والحرية، وبقيم المحبة والسلام في العالم.
- مازلت أشعر بالفخر والاعتزاز، كلما سمعت قصائد ذاعت وانتشرت بين الناس، وتحولت إلى أيقونات وطنية مغناة، مثل نشيد (موطني موطني) وقصيدة (بلاد العرب أوطاني) التي كنا ننشدها في طابور الصباح في المدرسة العربية في أكثر من دولة عربية، واغرورقت عيناي بالدمع، حينما وقفت قبل عامين، احتراماً للنشيد الوطني الجزائري (قسماً بالنازلات الماحقات.. والدماء الزاكيات الطاهرات) أثناء عزفه في أحد المؤتمرات الفكرية في العاصمة الجزائرية.
وتذكرته، بوجع شفاف، حينما كنا نردده في مطلع الستينات من القرن الماضي، تضامناً مع أحرار الجزائر.
- وللجمهورية التونسية، نشيد وطني رسمي، كتب أغلب كلماته مصطفى صادق الرافعي في ثلاثينات القرن العشرين، وأضيفت إليه كلمات للشاعر أبي القاسم الشابي، واعتمدته تونس في العام 1987، بعد الانقلاب على الحبيب بو رقيبة، وأطلقت عليه اسم «حماة الحمى».
- وفي فرنسا، يتحدث نشيدها الوطني، عن «انهضوا يا أبناء الوطن، فقد دقت ساعة المجد، بعد أن رفعت وفي وجهنا رايات الاستبداد الدميمة.. إلى السلاح أيها المواطنون، شكلوا صفوفكم.. فلنزحف.. فلنزحف».
- وكذلك الحال في الصين، حيث يسمى نشيدها باسم «مسيرة المتطوعين» ويقول في مطلعه «انهضوا يا من ترفضون أن تكونوا عبيداً.. من دمنا.. من لحمنا نبني سوراً عظيماً جديداً، الأمة الصينية اليوم تواجه الخطر الأكبر، ومدافع العدو لانهابها.. تقدموا وانهضوا وانهضوا».
- وفي روسيا بوتين، اختفت من النشيد الوطني، كلمات الحزب الشيوعي و«لينين الذي يقودنا إلى النصر» وظهرت لأول مرة كلمة (الله)، وتكررت جملة «روسيا دولتنا المقدسة والحبيبة، تملكين إرادة جبارة، وقوة عظمى على مدى الأزمان.. لك المجد بلدنا».
- وظلت بريطانيا تنشد (فليحفظ الرب ملكتنا الكريمة، ولتعش ملكتنا النبيلة حياة طويلة.. ويا إلهنا بعثر أعداءها.. واجعلهم يسقطون.. بعثر سياساتهم وأحبط خططهم المخادعة، عليك نضع آمالنا وليحفظنا الرب جميعاً).
- الشعر، حينما يخاطب الناس، ويعبر عن همومهم وطموحاتهم ويوسع خياراتهم.. يبقى عبر الزمان والمكان.
وقد اعتمد الاتحاد الأوروبي، نشيداً وطنياً له: قصيدة كتبها الشاعر الألماني (فريدريش شيللر) في العام 1785، بعنوان «الفرح» واتخذت القصيدة لحناً لها، من المقطع الأخير من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن والنشيد عبارة عن ترتيلة حب، ودعوة للسلام بين كل البشر.
- هل الغناء والكلمات في هذا الزمن العربي الرديء، قادران على ترميم روح الإنسان العربي المتآكلة؟
من يصنع الأمل.. يصنع المستقبل.