يخطئ الكثير منا في حق أبنائه أو من هم أقل منه مرتبة، ويركبه الغرور والكبرياء ويرفض الاعتراف بالخطأ والاعتذار عما بدر منه، فهل ينقص من قدر الفرد أن يعتذر لمن هو أقل منه؟ الاعتذار فضيلة جميلة واعتراف بالخطأ . والمتسامح دائماً مع نفسه هو من يلجأ إلى الاعتذار، فهو بذلك يمنع الحقد والكراهية بين الناس ويزرع فيهم المحبة، وهناك نوع آخر من الأخطاء يستوجب اعتذار جهات رسمية أيضاً، فهل توجه وزارة التربية والتعليم اعتذاراً للطلاب بسبب الأخطاء الموجودة في المناهج، أو قيام مدارس بتوزيع طبعات قديمة من الكتب على الطلاب؟ وهل هناك مهن يصعب على من يخطئ فيها أن يعتذر؟ نتناول هنا في هذا الملف أهمية الاعتذار عند ارتكاب الخطأ ومتى يكون عديم الفائدة .
يزيل الحقد والكراهية ويبني قيماً جميلة
الاعتذار من شيم الكبار
من منا لم يخطئ في حق أبنائه في يوم ما، لكن هل اعتذرنا لهم عما بدر منا، أم أننا كآباء تمسكنا بحق الأبوة وبأن عقابهم حق شرعي لنا، ولا يجوز أبداً أن نعتذر لهم، حتى لو أدركنا مع أنفسنا أنهم لم يرتكبوا أي ذنب؟
والأمر ينطبق على كل من يملك القوة ويتعامل بها مع من هم أضعف منه، سواء كان المعلم مع طلابه أو الرئيس في العمل مع مرؤوسيه، أو الأخ الكبير مع إخوته .
ريم فهد، ربة منزل، تقول: من الضروري إذا أخطأت في حق أبنائي أن أعتذر لهم فهذا يربي فيهم ثقافة الاعتذار عند الخطأ، ويجعلهم يتعاملون مع بعضهم بنفس الطريقة، وليس من الضروري أن أعتذر صراحة بقولي: آنا آسفة، فالاعتذار يأخذ أشكالاً أخرى كثيرة . تضيف: أحيانا أكون عصبية نتيجة ظروف معينة، لا يدري عنها الأبناء شيئاً، ويرتكبون خطأ فأعاقبهم بشكل متعسف نظراً للحالة العصبية المسيطرة علي في ذلك الوقت، لكنني بعدما أجلس قليلاً وأفكر أجد أن الشيء الذي ارتكبوه لا يساوي العقاب، لذلك أرجع لأصالحهم بأن أعطيهم بعض الحلوى أو أنفذ لهم شيئاً يحبونه، وأبدأ في شرح الأسباب التي جعلتني عصبية بهذه الصورة وأفهمهم أن ذلك كان رغماً عني .
ولا تمانع فاطمة درويش، ربة منزل، في الاعتذار بصريح العبارة بقولها أنا آسفة، تقول: أحياناً يحاول الأبناء استفزاز الآباء عندما يصرون على فعل أو قول أشياء خطأ، ويصرون على أنهم على حق مما يجعلنا نفقد سيطرتنا على أعصابنا ونتفوه معهم بألفاظ نابية أو نضربهم، فابنتي في سن الحادية عشرة، وهي دوما تعاندني وتحاول إقناعي بأنها على صواب مما يفقدني سيطرتي على أعصابي، ويضطرني أحياناً إلى أن أغضب منها، لكنني أعود بعد أن أهدأ واعتذر لها أمام إخوتها وأقول لها إنني آسفة وما كان من المفروض أن أتفوه بذلك وما ارتكبته يعد خطأ، وبذلك أربي في الأبناء ثقافة الاعتذار فيما بينهم، كذلك إذا أهنت أحدهم أمام شخص غريب أو ضايقته، أعود مجدداً لأعتذر له حتى لا تقل ثقته في نفسه .
صلاح مخلوف، معلم مادة الفيزياء في مدرسة حميد بن عبد العزيز في منطقة عجمان التعليمية، يقول: من الطبع إذا كنا نعلم الطلاب في المدرسة أن يعتذروا عند الخطأ، فيجب أن نكون قدوة لهم، ولا يقلل من قدر المعلم أن يعتذر للطلاب، فأحياناً بسبب ضغط العمل يتلفظ بلفظ غير لائق لأحد الطلاب عندما يشاغب في الصف، وعندما يهدأ المعلم يكتشف أنه ما كان يصح له أن يفعل ذلك، فيرجع مرة أخرى ويتدارك ذلك ويعتذر له، ويجب أن يكون ذلك أمام باقي زملائه حتى يشعره بالثقة في نفسه، وربما يجادل الطالب مع المعلم في معلومة ويتضح بعد ذلك أن الطالب على حق وأن المعلم أخطأ فيها، فلابد أن يعترف المعلم بخطئه، ويعتذر للطالب بل ويثني عليه أيضاً، لأن المعلم هو في النهاية بشر ومن الممكن أن ينسى أو يخطئ .
وترى أميمة المكاوي، معلمة التربية الموسيقية في مدرسة المنار حلقة ثانية بالشارقة، أنه لا مانع لديها على الإطلاق من الاعتذار للطالبات إذا بدر منها أي تصرف غير لائق في حقهن تقول: إذا أردت أن أعلمهن قيمة مثل الاعتذار فيجب أن أكون قدوة لهن حتى لا أزرع فيهن الكبر والغرور فأبادر بالاعتذار لهن، وأحياناً أعتذر إذا تأخرت عن الحصة وأشرح لهن سبب ذلك .
عبدالرازق صالح، صاحب ومدير عام مجموعة شركات أبو نادر، يقول: إذا أخطأت في حق موظف عندي فسأعتذر له، فأنا على قدر كبير من التعليم وأتفهم جيداً أهمية الاعتذار للموظف، ولكن ليس من الضروري أن يكون الاعتذار بصريح العبارة أنا آسف، ولكن ربما استدعيه في مكتبي وأحاول أن أوضح له الخطأ الذي وقعت فيه، وأدعوه إلى أن يسامحني، كذلك إذا أخطأ أحد الموظفين لا ألومه أمام زملائه ولكنني استدعيه وأوضح له الخطأ الذي ارتكبه حتى لا يعود إليه .
محمد الهاشمي، خريج إعلام من الجامعة الأمريكية بالشارقة يقول: مبدأ الاعتذار للصغير موجود، ولا أمانع على الإطلاق في أن أعتذر لأخي الصغير إذا أخطأت في حقه، فهذا لن ينقص من قدري بل سيوطد العلاقة بيننا، وقد أوصانا الرسول الكريم بالعطف على الصغير، ومن صور هذا العطف أن نعتذر له عندما نخطئ في حقه، ومع ذلك لا أتذكر أنني أخطأت في حق أخي الصغير ولم أسئ له يوماً، لكن بعض الإخوة ربما يجرحون إخوتهم أو يقللون من شأنهم أمام الآخرين، بدعوى أنهم صغار ولا يعلمون شيئاً، فيجرحونهم من دون قصد، وفي هذه الحالة يجب أن يعتذروا لهم عما بدر منهم .
د . محمد محمود أبو العينين، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات، يصف الاعتذار بأنه سلوك اجتماعي إيجابي ويدل على أن شخصية صاحبه تتمتع بالمقدرة على الاعتذار من دون خجل، وهو أيضاً فضيلة حميدة، وهو نوع من الاعتراف بالحق وإرجاعه لصاحبه، ولا يؤخذ على الإنسان أنه اعتذر، فالكبار يعتذرون مثل الصغار تماماً وكلمة آسف لا تقلل من شأن صاحبها، لكنها تزيد من قدره وتعلي منه أمام الآخرين . والأب إذا اعتذر لشخص في وجود أبنائه الصغار يأخذون منه العبرة والعظة، كما يرفع الاعتذار من التوترات الاجتماعية بين الناس، والذين لا يعتذرون ويعاندون يعطون مثلاً سيئاً للآخرين وتتقطع علاقاتهم الاجتماعية، وثقافة الاعتذار تربط شخصين لذلك يجب أن يقبل الآخر الاعتذار لأنه إذا لم يقبله ستظل المشكلة معلقة .
يضيف: ربما يتصور بعض الآباء أن الاعتذار مسألة صعبة، لكنها ترسخ في ذهن أبنائهم أنهم غير مكابرين، ويمكنهم أن يعتذروا عندما يدركون أنهم أخطأوا، كما تعطيهم نوعاً من المصداقية لشخصهم وقراراتهم، وهذا ليس عيباً، فالاعتذار شيم الكبار، أما إذا لم تخرج كلمة آسف من الأب لأبنائه واعتبرها شيئاً كبيراً فهي ستحمل إليهم ذكريات أليمة يتصورون من خلالها أن الأب هو المرادف للجبروت والقوة المفرطة في التعامل . فكلمة آسف عادية ولا تقلل من شأنهم وإذا أدرك الآباء أنهم أخطأوا فعليهم إصلاح الخطأ . ويضيف: ربما يشك أحد الآباء في تصرف ابنه وهو في سن المراهقة ويبدأ بالتفتيش في أغراضه ولا يعثر على شيء يدينه، ويكتشف الابن ذلك ويرى أن الأب تعدى على خصوصياته بهذا الفعل، في هذه الحالة يجب أن يعتذر الأب لابنه ويقول له إنه آسف، ويبرر له قيامه بذلك بأنه بدافع الخوف عليه من أن يسلك مسلكاً خطأ، أما أن يكابر بعض الآباء ويقولون إن من حقهم أن يفتشوا في أغراض أبنائهم فهذا سيزيد من التوتر في علاقتهم .
وحول اعتذار الرئيس لمرؤوسه يقول د . أبو العينين: لا يوجد شخص لديه حصانة ضد الاعتذار، ولا ينبغي لأي شخص أن يرفض الاعتذار بحجة أنه أب أو قائد فريق عمل، عندما يتأسف الرئيس لمرؤوسه يعطيه الرسالة الصحيحة عن أنه بشر يخطئ ويصيب وهو ما ينمي الثقة بينهما ويجعله يؤدي عمله بنجاح . والاعتذار لا يصدر إلا من شخص واثق بنفسه يريد أن يرسل رسالة صحيحة للطرف الآخر .
غلطة البعض بألف
بعض المهن لا يجوز فيها ارتكاب الأخطاء، لأنه لن يسمح فيها بالاعتذار عند وقوع الخطأ ومنها مهنة الطبيب الذي يعالج الملايين، فالخطأ الواحد الذي يرتكبه قد يؤدي إلى هلاك نفس بشرية، والمهندس الذي يبني البنايات والمشاريع الضخمة، والمذيع الذي يظهر على الشاشة ليبث خبراً أو ينقل معلومة فإذا أخطأ من الممكن أن يثير البلبلة بين الناس . وهناك مهن أخرى كثيرة غيرها لا تتحمل الاعتذار عند ارتكاب أصحابها لأخطاء، نسرد هنا بعضاً منها لنتعرف من العاملين فيها إلى أي مدى يحاسب أصحاب هذه المهن عن أخطائهم وهل يقبل اعتذارهم إذا أخطأوا .
د . عفت رضوان، اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى ومركز أبحاث كلية الخليج الطبية في عجمان، يقول: كلمة آسف لا توجد في قاموس الأطباء، وإنما هناك أخطاء مقصودة، وأخرى غير ذلك من الممكن أن يقع فيها الطبيب أثناء عمله، والخطأ المقصود هو رفضه أن يرى مريضاً عند استدعائه لقسم الطوارئ، وغير المقصود مثل المضاعفات المسموح بها في أي تدخل جراحي أو طبي يقوم به الطبيب، وهذه المضاعفات مذكورة في الخطوات العلاجية للمريض .
يضيف: أحياناً يدخل الطبيب لإجراء جراحة لإزالة ورم سرطاني من جسم المريض، وعندما يفتح يرى أن الورم انتشر، ولكنه لابد من أن يزيله، فهنا لا يعتبر أن الطبيب ارتكب خطأ . وهناك صيغة تتضمن مجموعة من الضوابط يوقع عليها المريض قبل إجراء الجراحة، يشرح فيها الطبيب للمريض خطوات العملية ومضاعفاتها وأنه من الممكن أن يضطر إلى إجراء خطوات أخرى إذا استدعت الحالة ذلك .
يوضح أن المضاعفات التي يعاني منها المريض بعد الجراحة موجودة في الكتب العلمية، ولكن هناك أخطاء جسيمة من الممكن أن يرتكبها الطبيب ولا يطلق عليها أخطاء، وإنما تعد إهمالاً جسيماً، مثل تركه لفوطة أو مشرط داخل جسم المريض .
وعن الجهة التي تحاسب الطبيب إذا ارتكب خطأ فادحاً يقول: يقوم المريض أو أي من أقاربه برفع شكوى أمام الجهات المسؤولة والقضائية لمحاسبته وأحياناً تقوم بذلك إدارة المستشفى بنفسها إذا شعرت أنه أهمل إهمالاً جسيماً .
د . ليلى المرزوقي، رئيسة قسم الحوكمة الطبية في هيئة الصحة في دبي تقول:إذا ارتكب الطبيب خطأ فهو يحاسب طبقا لقانون المسؤولية الطبية، وهناك أربعة أنواع من العقوبات هي لفت النظر، والإنذار والإيقاف عن العمل لمدة لا تقل عن 12 شهراً، أو سحب الترخيص منه . ولا يقبل بالطبع الاعتذار فيما يتعلق بالأخطاء التي تودي بحياة المريض .
تضيف: من العقوبات التي تصدر تجاه الطبيب وتتسبب في سحب ترخيصه من العمل تسببه في وفاة مريض، أو إخلاله بأخلاقيات المهنة كأن يقوم بتزوير شهادات طبية للمرضى، بينما إذا أخطأ مثلاً في قراءة نبض الجنين ومعرفة تقلصات الأم الحامل يتم إنزاله من اختصاصي إلى اختصاصي تحت الإشراف، كما يتم في بعض الحالات اكتشاف أن الطبيب ينقصه خبرة كافية فيوضع تحت إشراف طبيب آخر، ويخوض مزيداً من الدورات التدريبية، وهناك حالات تستدعي لفت النظر أو الإنذار مثل عدم وجود تواصل بين فريق الطبيب والمريض واشتكاه المريض .
توضح المرزوقي أن الخطأ الطبي له درجات ومهنة الطب من الممكن الأسف فيها، لكن إذا تعلق الأمر بحياة المريض لا يمكن الأسف، وكما يقولون غلطة الشاطر بألف، لذلك من المفروض أن يعتذر الطبيب بمجرد أن يعلم بوجود خطأ ما، وهذا الأسف لا يعفيه من العقوبة .
ومهنة المذيع من المهن الخطيرة التي من الممكن أن تثير البلبلة والرأي العام إذا بث لمشاهديه خبراً خاطئاً، سعود الدربي، مذيع ورئيس تحرير أخبار الإمارات بمؤسسة دبي للإعلام، يقول: الخطأ ممكن في العمل الإداري، لكن الخطأ التلفزيوني يكون على مرأى ومسمع من المشاهدين، وبالطبع يحاول المذيع ألا يخطئ، ولكن إذا حدث وارتكب خطأ فليس هناك أحد معصوم منه، ويفترض أن المذيع لديه سرعة البديهة لتدارك هذا الخطأ وتعديله مباشرة، سواء كان الخطأ صادراً منه أو من اتصال تلقاه على الهواء مباشرة من مكالمة رديئة، فعليه أن ينقذ الموقف، ولابد من أن يكون جاهزاً لمثل هذه المواقف .
يضيف: على المذيع وخاصة مذيع النشرة أن يلتزم بالنص المكتوب له لأنه يكون مجازاً من إدارة المؤسسة التي يعمل فيها، وعليه أن يلتزم بسياستها، وكذلك الدولة وله ضوابط من المفترض ألا يخرج عنها، والمذيعون الذين يخرجون عن النص يكتبون نهايتهم الإعلامية بأيديهم .
محمد السويدي، مذيع أخبار بتلفزيون الشارقة يقول: المذيع من الممكن أن يخطئ، لكن المشكلة هي هل الخطأ متعمد أم لا؟ هناك بعض الأخطاء اللغوية التي يمكن أن يقع فيها المذيع ويتسامح عنها المشاهد، ولكن ليس بالصورة المتكررة، وإنما تكون ناتجة عن زلة لسان سرعان ما يتداركها، وإذا حدثت بصورة متكررة لا يمكن أن يستمر مذيعاً . يضيف: من الأخطاء الفادحة التي يرتكبها المذيع في حق المشاهد الاستهانة به والتحدث في أمور غير مقبولة من المجتمع تتنافى مع عاداته وتقاليده، وهذه يكون الاعتذار فيها غير مقبول ولا يسامح فيها الجمهور .
يوضح السويدي أن قارئ النشرة عليه أن يلتزم بالنص لأنه حريص دائماً على أن يقدم لمشاهديه الأفضل، ومن مسؤولياته مراجعة النص قبل إذاعته إذ ربما يكون المحرر الذي أعده أغفل نقطة في الموضوع الذي يطرحه .
وتعلق على ذلك د . عزة عبدالعظيم أستاذة الإعلام المشارك بقسم الإعلام واللغات بجامعة أبوظبي قائلة: مجال الإعلام يسهم بشكل كبير ومؤثر في تشكيل الرأي العام، ويعد المصدر الأساسي الذي يستقي منه الجمهور الآراء والمعلومات لذلك لا يجوز أن نقبل بوجود أخطاء مقصودة أو غير مقصودة سواء في اللغة أو المضمون أو الأداء الإعلامي .
تضيف: أي خطأ يقع فيه المذيع قد يؤثر سلباً في الجمهور والمجتمع، ولا يجدي أي تصويب لهذا الخطأ بعد إذاعته أو نشره في برنامج إخباري، ونتحدث هنا عن التلفزيون والراديو، وإذا ما قدم المذيع اعتذاراً لا يمكن أن نضمن أن الجمهور الذي شاهد الخبر غير الصحيح يشاهد التصويب، وهو ما يؤدي إلى تضليل الرأي العام وتشويه الحقائق، لذلك يجب على الصحفي التلفزيوني والإذاعي استقاء الأنباء من مصادر موثوق بها، ويكون على دراية بتأثيرها في الجمهور والمجتمع قبل أن يبثها ولا يخلط الخبر بالرأي والمعلومة بالانطباع ووجهة النظر الخاصة . وتوضح أنه لا يجوز أيضاً غض الطرف عن الأخطاء اللغوية للمذيع فعليه أن يكون ملماً بأدواته، وفي مقدمتها اللغة العربية، كما أن الأخطاء في الأداء الإعلامي يجب أن تكون في حدها الأدنى والمقصود بها طريقة توصيل المعلومة للجمهور .
ومهنة المهندس من المهن الخطرة أيضاً، والتي لا يقبل فيها الاعتذار إذا كان الخطأ الذي ارتكب متعلقاً بحياة أشخاص، أو أدى إلى إصابتهم بإعاقة، يقول المهندس قرشي الشيخ اختصاصي مبان في بلدية دبي: هناك نوعان من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المهندس، الأول أخطاء في مرحلة التصميم وهذه لا تؤثر في سلامة الأفراد، ولكنها تؤثر في شكل المكان ومستوى جماله أو قبحه، والثانية متعلقة بالتصميم الإنشائي، وهذه غير مقبول فيها الاعتذار لأنها ترتبط بحياة الآخرين، ويعتمد التصميم فيها على أساسيات المباني وجرعات الحديد المستخدمة والتي ربما تكون غير صحيحة أو دقيقة فتؤدي إلى انهيار المبنى، وربما يكون المهندس قد رسم التصميم على أساس استخدام نوع من الحديد أكثر جودة وعند التنفيذ تم استخدام نوع رديء . يضيف: وهناك إجراءات احترازية كثيرة يتم اتخاذها لتجنب ذلك ويمر التصميم بمراحل متعددة لمراجعته قبل التنفيذ .
ومن المهن التي لا يقبل فيها الاعتذار أيضاً مهنة القاضي فهو لا يمكنه الرجوع في حكم أصدره تقول فاطمة إسماعيل، القاضية في محكمة دبي: لا يمكن للقاضي أن يرجع في حكم أصدره، ولكن إذا شعر محامي المتهم أن القاضي أغفل نقطة أو لم ينتبه إليها فربما يستأنف الحكم، لكن القاضي لا يعتذر أبداً بحجة أنه ارتكب خطأ في الحكم، فارتكاب الخطأ غير وارد على الإطلاق عند القضاة، ولا يمكن له الرجوع في حكم أصدره، ولكنه من الممكن أن يخطئ في بعض الأخطاء المادية مثل اسم شخص أو بياناته، أو رقم .
التصحيح مستمر على مدار العام
أخطاء المناهج الدراسية اختبار لكل الأطراف
من أصعب الأشياء التي يتعرض لها الطلاب وجود أخطاء داخل المناهج، فقليل منهم من يبحث عن المعلومة الصحيحة، أو يرى أن هذه الكلمة وضعت في مكانها بطريق الخطأ، أو أنه تم تغيير حروفها بسبب خطأ مطبعي، وهناك بعض الأخطاء البسيطة التي ربما تنتقل إلى ذهن الطلاب فتشوش عليهم فهمهم للدرس، وهناك كثيرون يعتبرون الكتاب المدرسي شيئاً مقدساً يلجأون إلى حفظ ما يحتويه الكتاب بطريقة عمياء من دون فهم المحتوى . وهؤلاء للأسف يتلقون المعلومة التي كتبت خطأ ويحفظونها كما هي ولا يكلفون أنفسهم مراجعة المعلم . إلى أي مدى تؤثر هذه الأخطاء البسيطة على مستوى الطلاب ودرجة تعلمهم؟ وما هو رد وزارة التربية والتعليم وهيئة المعرفة في دبي عن هذه الأخطاء؟
أثار هذا الموضوع خبر نشر في الصحف عن زيارة سعيد الكعبي مدير منطقة الشارقة التعليمية، لإحدى المدارس الثانوية، وفوجئ وقتها أن الطلاب يستخدمون طبعة العام الماضي من المناهج على الرغم من وجود طبعات جديدة، وهو ما جعله يصدر الأوامر بعدم استخدام الطبعات القديمة، فهل الطبعات كانت تحمل أخطاء وأعيد تصحيحها في الطبعات الجديدة؟
أحمد عبدالرحيم، معلم اللغة الإنجليزية في مدرسة أحمد بن حنبل بالشارقة يقول: منذ حوالي أكثر من 4 سنوات كانت الوزارة ترسل إلى المعلمين سنويا في بداية كل عام دراسي كتيباً ليرصدوا فيه الأخطاء الموجودة في الكتاب المدرسي قيل إعادة الكتيب الوزارة مرة أخرى، وتقوم بعد ذلك لجان متخصصة من الوزارة بمراجعته وتصحيح الأخطاء في مناهج العام الجديد .
وعن كيفية توجيه الطلاب لهذه الأخطاء، يقول: نقوم بتنبيه الطلاب لهذه الأخطاء، والتي غالباً ما تكون في ضبط الكلمات أو الأسلوب النحوي لبعض الجمل، ويكتشفها المعلم من خلال تحضيره للدرس قبل شرحه في الحصة، ويضيف: لم يحدث مطلقاً أن نبهني أحد أولياء الأمور لخطأ في المنهج لأنه واجبي . وحول رصده لأخطاء في مادة اللغة الإنجليزية لهذا العام يقول: هناك خطأ لغوي في منهج الصف الثاني عشر موجود في ضبط إحدى الكلمات في عمود به قائمة الكلمات الموجودة في الدرس، والكلمة مكتوبة بشكل صحيح في الدرس نفسه، ولم يتم تداركها حتى الآن .
وعن كيفية تصرف المعلم عند وجود مثل هذا الخطأ يقول: هذا الخطأ من الأخطاء البسيطة التي يتداركها المعلم، لكن إذا لم يصححها للطلاب فستؤثر بالطبع في مستواهم الدراسي لأن البعض لا يحاول اكتشاف الأخطاء ويسلم بما هو موجود في الكتاب المدرسي .
ويرى حمادة عبدالحميد، معلم اللغة العربية في مدرسة حميد بن عبدالعزيز الثانوية، أن الأخطاء أصبحت قليلة جداً وربما تكون اختفت من المناهج . يقول: كانت الوزارة تقوم بإرسال استبيان مع المنهج في كل عام لمعرفة الأخطاء التي يرصدها المعلمون حتى يتم تداركها بعد ذلك . وحالياً أصبحت موجودة على موقع الوزارة، ويكتشف المعلم الأخطاء ويقوم بتصحيحها للطلاب، ومنها ما يكون خطأ أسلوبياً أو نحوياً، والمعلم يكتشفه من خلال قراءته للمنهج أكثر من مرة وكتابة رؤيته بهذا الخصوص، فهو لن يتمكن من كتابة هذه الرؤية إلا بعد قراءة المنهج أكثر من مرة بشكل كامل والتعليق على الأخطاء اللغوية والأسلوب إن وجدت، كما يتم تبليغ موجه المادة بهذه الأخطاء . يضيف: حالياً هناك طبعات جديدة تصدر كل عام دراسي لذلك يتم تدارك الأخطاء بصفة مستمرة، وهناك مراقبة مشددة من مدير المدرسة والموجهين لعدم استخدام المعلمين لطبعات قديمة .
وحول مدى تأثير هذه الأخطاء على الطلاب يقول: يعد المعلم ورقة بالأخطاء التي تم اكتشافها ويقوم بتوزيعها على الطلاب ونشرها في موقع المدرسة على الإنترنت، وإذا حدث خطأ ولم يتم تنبيه الطلاب إليه يتم تداركه في تصحيح الامتحانات إذا وجدنا الطلاب قاموا بكتابة الخطأ نفسه وتوزيع الدرجات على بقية الأسئلة . ويعد الطالب شريكاً في العملية التعليمية لذلك عليه إذا شك في وجود خطأ ما أن يسأل فيه المعلم، لأن الطالب يذاكر منهجاً واحداً، أما المعلم فيدرس أكثر من مادة ومن الممكن ألا ينتبه، لذلك يجب أن يكون هناك تعاون من الجميع لتدارك الخطأ .
عبدالرحيم بخيت الشهاب، موجه اللغة العربية في منطقة عجمان التعليمية يقول: الكل يكتشف الخطأ سواء ولي الأمر أو الطالب نفسه أو المعلم أو الموجه، وهناك أخطاء نكتشفها أحياناً قبل بدء التدريس وننشر بها تعميماً لتعديلها للطلاب، ومنها أخطاء الطباعة، وضبط الكلمات أو تشكيلها نحوياً، وإخراج الصفحة، أو علامات الترقيم التي ربما توضع في غير مكانها . ونقوم كل عام بتوزيع استبيان على المعلمين ليبدي كل منهم ملاحظاته وإذا وجدت أخطاء يتم تشكيل لجنة لمراجعتها . وهناك أخطاء بسيطة يكتشفها المعلم ويقوم بتعديلها مع طلابه في الصف .
وتؤكد سليمة الزعابي، معلمة مجال ثان في مدرسة المدائن برأس الخيمة، أن الأخطاء البسيطة إذا وجدت في الكتاب المدرسي لا تؤثر في مستوى الطلاب، مشيرة إلى أن هذا العام لا توجد أية أخطاء في المنهج بالنسبة للفصل الدراسي الأول الذي انتهوا من تقييمه .
تضيف: الأخطاء في السابق كانت بسيطة للغاية ويدركها المعلم قبل بدء الدراسة، حيث يتوجه إلى المدرسة مبكراً عن الطلاب في أول العام، ويتسلم الكتاب المدرسي ويقرأه، وإذا صادف وجود خطأ يبعث به إلى التوجيه، ويرسلون إليه بالإجابة الصحيحة، ويتم تدارك الأمر في كتاب العام الذي يليه، كما تتعامل المعلمة في الصف مع الخطأ وتقوم بتصحيحه للطلاب، وهو غالباً لا يتعدى علامات الجمع والطرح أو القسمة والضرب، ويتم التنبيه على الطلاب بكتابة العلامة الصحيحة أو تقوم بوضع لاصقات على العلامة الخطأ لإخفائها وتوضع عليها الإجابة الصحيحة في الكتاب .
ويقول محمد أحمد درويش، رئيس التشريعات والضبط في هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي: وفقاً للمعايير المعتمدة فإن المدارس الخاصة تتحمل مسؤولية مراجعة مناهجها، وإذا رصد بعض الأخطاء في مناهج أجنبية من قبل الهيئة، يتم اتخاذ الإجراءات الإدارية حيال المدرسة ومطالبتها بتصحيح تلك الأخطاء ومتابعتها من قبل الفريق المختص، علماً بأنها تقوم بحفظ المخالفة في ملف المدرسة ما يؤثر في الإجراءات المتعلقة بتجديد الترخيص الأكاديمي لها . وتتم الرقابة على المناهج الأجنبية بناء على شكاوى أولياء الأمور، وفي هذا الإطار يقوم كل مدير مدرسة بالتوقيع على تعهد قبل تجديد الترخيص الأكاديمي للمدرسة يفيد بتحمله مسؤولية حدوث أية انتهاكات للمنهج .
هدى علي: مجرد ملاحظات تعالجها الوزارة
ورفضت هدى علي، رئيس قسم العلوم التطبيقية في وزارة التربية والتعليم، إطلاق كلمة أخطاء على ما يوجد في الكتب المدرسية، مشيرة إلى أن هذه الكلمة وحدها ربما تسبب بلبلة عند أولياء الأمور، وأن هناك جهداً مبذولاً ومستمراً من الوزارة من أجل تنقيح الكتب . تقول: هناك فقط بعض الملاحظات التي يرصدها المعلمون وتستجيب لها الوزارة، وتوزع نشرة بالملاحظات وتعدل بعد عرضها على لجنة مختصة بالمناهج، والملاحظات أصبحت طفيفة للغاية، وهناك تعديلات في الكتب المدرسية في بعض الأمور الملحة التي ترتبط بواقع المجتمع من حولنا مثل حذف بعض أسماء رؤساء الدول السابقين لتتماشى مع الواقع، وهناك استجابات تكون فورية عند ورود بعض الملاحظات الخاصة باستمارة التغذية الرجعية فيتم على الفور عمل منشورات بها لتصحيح اللازم وتوزيعها على المدارس وهذه نادراً ما تحدث لأن الوزارة تداركت كل الأخطاء في الكتب المدرسية، ويتم طباعتها سنوياً بحيث تتضمن الملاحظات التي توجد في استمارة التغذية الراجعة التي أقرتها اللجنة التي وضعتها الوزارة، ولا نقوم بطباعة أكثر من المطلوب سنوياً لكي نتمكن من تحقيق ذلك .
توضح أن الوزارة أطلقت أيضاً استمارة استبيانات ترصد آراء المعلمين وملاحظاتهم حول المنهج، وهذه يتم فيها الأخذ برأي أغلبية المعلمين حول المنهج . وتقول: مثلاً يرى بعض المعلمين أن عدد الموضوعات في كتاب اللغة العربية كبير ولا يتناسب مع قصر الفصل الدراسي فهنا نقوم بترحيل موضوع إلى الفصل الدراسي الذي يليه حتى نحقق أكبر فائدة للطلبة، ويتم بذلك عمل نشرة وتوزيعها على المدارس، ولكن لا يتم الأخذ بآراء فردية للمعلمين مثل معلم أو ولي أمر يطالب بإلغاء مادة معينة، فهذا مرفوض .
تضيف: قامت الوزارة بإطلاق خدمة الرسائل القصيرة لتقييم المناهج تحت شعار جودة المناهج مسؤولية وطنية، واستخدمت إدارة المناهج في عملية تقويم الكتاب المدرسي مجموعة من الأدوات لضمان مشاركة أكبر قدر من المعنيين سواء الطلبة أو المعلمين أو أولياء الأمور أو غيرهم من المهتمين بالشأن التربوي، ليكون الجميع مشاركاً في تحقيق جودة الكتاب المدرسي، كما تم تصميم استبيانات إلكترونية وإطلاقها عبر خدمتي الواتس أب والبلاك بيري مسنجر لتحقيق غاية السهولة في نشرها وتحقيق المرونة والسرعة في تعبئتها، ووضع حقل أيضاً لكتابة الملاحظات والمقترحات، وتم إدراج الاستبيانات على موقع الوزارة .
تضيف: تقوم شعبة المناهج المكونة من اختصاصيي مناهج بدراسة نتائج الاستبيانات والملاحظات المقدمة من الفئات المعنية عبر جميع القنوات ومنها استمارة التغذية الراجعية والملحوظات الواردة من الفئات المعنية وعلى ضوء دراستها يتم اعتماد الملحوظات الهادفة إلى تطوير وتجويد المناهج ويتم إدراجها إلى الكتب مباشرة في طبعاتها السنوية .