الضبع من الثدييات التي تلد وترضع صغارها، وهي في المملكة الحيوانية من رتبة اللواحم الأرضية، ومن العائلة الضبعية المفترسة التي تعتاش على أكل الجيف وبقايا الصيد وفرائس الحيوانات الأخرى، وتخرج للبحث عن طعامها ليلاً منفردة أو بمجاميع تضم نحو 80 ضبعاً .

يتميز الضبع بجسم ممتلئ ورأس كبير وعنق غليظة وخطم قوي، وقائمتاها الأماميتان أعلى من الخلفيتين، ولذلك يتخذ الجسم شكلاً مائلاً . وعيون الضبع منحرفة الوضع وذات بريق مخيف . وذيلها مكسو بخصل من شعر قوي خشن، وفراء مكون من شعر طويل داكن وخشن أيضاً . وكل هذه الصفات الظاهرية تطبعها بطابع يبعث على البغض، ويثير الريبة فيها والاشمئزاز منها . والضباع تصدر أصواتاً مزعجة، وهي أكولة نهمة وتنبعث منها رائحة كريهة، ومشيتها عرجاء تقريباً . ولهذه الحيوانات غدد لعابية كبيرة، وعلى ألسنتها نتوءات قرنية ومريئها متسع، والأنياب في الضباع غليظة قوية وكذلك الأضراس الأمامية، ما يجعلها صالحة لطحن العظام . وفي تكوين أسنان الضباع ما يمكنها من أكل بقايا الغذاء التي تتخلف عن حيوانات أخرى كالعظام وغيرها، ولها من قوة عضلات الفكين ما يجعلها أقوى فكاك الحيوانات طراً .

ضحك مرعب

يعيش الضبع في إفريقيا وبراري منطقة الوطن العربي وتركيا والهند، وصوته يسمى عواء، وعواؤه قبيح مزعج، ويسمى ابن الضبع الفرغل . وأحب الأماكن إلى الضباع الأراضي الزراعية المكشوفة القريبة من المناطق الصخرية، وهي لا تخرج من جحورها إلا بعد المغرب تحت ستار الظلام، حيث تخرج أفراداً وجماعات صغيرة يُسمع عويلها وهي تتجول طلباً للصيد أو سعياً وراء الجيف . والحقيقة أن أصوات الضباع المخططة ليست بشعة بالقدر الذي يصوره الناس، ولو أنها كريهة لا يستسيغها السمع، ولكن عويل الضباع المرقطة بشع مخيف، فهو عبارة عن ضحك مبحوح يبعث على الرعب . ويمكن سماع صوت هذا الضحك المرعب من مسافة 3 أميال .

منظف للبيئة

الضبع من اللواحم الأرضية المهمة في عملية الاتزان البيئي، فقد وهبه الله سبحانه وتعالى من الصلاحيات ما يجعله من الكانسات للجيف، ومنظفات البيئة من العظام والجلود الجافة، وهي البقايا التي لا تقدر عليها اللواحم والسباع الأخرى . ويسعى الضبع طوال الليل ولمسافات طويلة من دون خوف من السباع الأخرى أو الكلاب، ما يجعله ينظف أكبر مساحة ممكنة من تلك البقايا التي يسبب بقاؤها احتباساً لمكوناتها وتلويثاً للبيئة .

ويرى بعض العلماء أن هذا الحيوان قد ظلمه الإنسان على مر العصور والأزمان، فقد ذكرت معظم المخطوطات والكتب أن للضبع شخصية مكروهة وله أثر سيئ في النفوس . فقال عنه كمال الدين الدميري (742 808ه) في كتابه (حياة الحيوان الكبرى): الضبع معروفة، ولا تقل ضبعة لأن الذكر ضبعان والجمع ضباعين مثل سرحان وسراحين، والأنثى ضبعانة والجمع ضبعات وضباع وهذا الجمع للذكر والأنثى، ومن أسماء الضبع: جيل وجعار وحفصة، ومن كناها: أم خنور، وأم طريق، وأم عامر، وأم القبور، وأم نوفل والذكر أبو عامر، وأبو كلدة، وأبو الهنبر .

والضباع توصف بالعرج، وليست بعرجاء وإنما يتخيل الناظر ذلك، وسبب هذا التخيل لدونة في مفاصلها وزيادة رطوبة في الجانب الأيمن عن الأيسر منها .

وعن صفات الضبع قال الدميري: والضبع مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنساناً نائماً حفرت تحت رأسه وأخذت بحلقه فتقتله وتشرب دمه . وقصة مجير أم عامر معروفة في التاريخ . والضبع فاسقة، لا يمر بها حيوان من نوعها إلا علته، وتضرب العرب بها المثل في الفساد، كما أنها إذا وقعت في الغنم عاثت، ولم تكتف بما يكتفي به الذئب، فإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت لأن كل واحد منهما يمنع صاحبه . والعرب تقول في دعائها: اللهم ضبعاً وذئباً، أي: أجمعهما في الغنم لتسلم ومنه قول الشاعر:

تفرقت غنمي يوماً فقلت لها يا رب سلط عليها الذئب والضبعا

وقيل للأصمعي: هذا دعاء لها أم عليها؟ فقال: دعاء لها .

الكلمة الأخيرة للأنثى

وكشفت دراسة استمرت عشر سنوات لباحثين ألمان من جامعة برلين ومعهم باحث بريطاني من جامعة شيفيلد البريطانية تتعلق بسلوكيات الضباع، أن إناث الضباع هي صاحبة الكلمة الأخيرة فيمن يصلح لأن يكون أباً لأبنائها . واعتمد الباحثون في دراستهم على الاختبارات الجينية لمعرفة أي من ذكور القطيع قامت بعملية التزاوج مع الإناث، مع العلم أن عملية التزاوج لا تتم إلا بموافقة أنثى الضبع . وقال أوليفر هونر من معهد لايبنتس الألماني لأبحاث الحيوانات البرية: تختار الإناث ذكورها بدقة شديدة .

وتترتب على عدم قبول إناث القطيع لذكر من القطيع نفسه عواقب على المدى البعيد بالنسبة للذكر، حيث يضطر لمغادرة قطيعه الأصلي الذي يعيش فيه ما بين 30 إلى 80 رأساً والبحث عن قطيع آخر قد يكون مقبولاً فيه أكثر من قبل إناثه، أي أنه يقبل النفي من القطيع بحثاً عن فرص تزاوج أفضل في قطيع آخر .

وتعمل إناث القطيع الأصلي بهذا التمييز في اختيار أزواجها للحيلولة دون ما يسمى بزواج الأقارب الذي عادة ما تنتج عنه ذرية ضعيفة . ويقول هونر: هذا السلوك متغلغل في جينات إناث الحيوانات لما له من مميزات في عملية التناسل .

وعزا هونر ذلك إلى عدم مشاركة ذكور الضباع في تربية أولادها، ما يجعل صغار الإناث لا تعرف آباءها خلافاً لما يعتقده العلماء، حيث لا تستطيع هذه الإناث فيما بعد التعرف إلى آبائها أو معرفة رائحتها . ووجد الباحثون عند إناث الضباع زيادة في مستوى هرمون التستوستيرون الذكري بشكل يفوق نسبته عند الذكور بثلاثة أضعاف، ولا عجب في ذلك إذا ما علمنا أن إناث الضباع أكثر عدداً من الذكور وأشد منها عدوانية .