لا يزال مفهوم الثقافة مفهوماً واسعاً، لم يتفق حوله على تعريف واحد يمكن أن يضبط تصوراً حول العمل الثقافي، رغم أن كثيراً من الأدبيات ربطه اما بالانتاج الأدبي أو بالمعنى الاجتماعي الإنثربولوجي الذي قدمه علماء الاجتماع، لكننا ما زلنا نراوح حول شيء من المنتجات الفكرية التي يمكن أن توصف بها الثقافة، ومن ثم ارتبطت الثقافة بالأدب والفنون والاجتماع والتربية وغيرها من العلوم، ولم تستقل بوضوح كعلم منفصل يقوم بذاته، وحتى المنظمة التي تمثل الثقافة على مستوى العالم يونسكو عليك أن تمر بأكثر من مصطلح لتفهم مقاصد عملها، وعندما تربط مفهوم الثقافة هذا بمفهوم آخر أكثر ضبابية في تناوله لحداثة المصطلح نفسه على الواقع الثقافي العربي نسبياً، ولمرونة تأويله، أي عندما نقرن مفهوم الثقافة بمفهوم حقوق الإنسان يطفو إلى السطح مقدار كبير من الحساسيات المرتبطة بالمفهومين معاً، خصوصاً على المستوى القيمي الاجتماعي، كالمرتبط بالمرأة والطفل والممارسات الدينية مثلاً، عدا عن التنوع العرقي والثقافي، ومع إن الإسلام قد عالج في مقاصد الشريعة في خمس مسائل ترتبط بالإنسان ارتباطاً لصيقاً ودعا إلى حفظها وسماها بالضروريات أو الكليات لارتباط جميع الأحكام الشرعية بها وهي الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال، ولم يجعل إلى بعضها من سبيل إلا وفق حق أو قصاص، لكن هذه القضايا اصطدمت بواقع العولمة الاجتماعية والسياسية التي أعادت صياغة مفاهيم حقوق الإنسان وفق معطيات عامة، ثم ادخلت ما يسمى بثقافة حقوق الإنسان كمصطلح قائم بذاته ومفاهيم أخرى تحت عباءته كالديمقراطية والمشاركة والحوار وغيرهما .
في مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الثقافة في الوطن العربي الذي عقد تحت عنوان مستقبل الثقافة العربية في القرن الحادي والعشرين في مدينة الشارقة ابّان الاحتفال باختيارها عاصمة ثقافية عام 98 ناقش المؤتمرون ضمن أوراق اللقاء قضايا مثل تشكيل الوعي الثقافي، والثقافة في عالم متغير، والثقافة والديمقراطية والثقافة حقوق الإنسان، والثقافة والنظام السياسي والاقتصادي العالمي الجديد، وسطرت أوراق اللقاء وتوصياته في كتاب يمثل وجهة نظر لمثقفين سادت آنذاك عن تلك المفاهيم ورغم أهمية بعض الطروحات المتعلقة بتشخيص واقع العلاقة بين الثقافة وتطلعات العاملين عليها، وخصوصاً بما يتعلق بمفهوم التنشئة وثقافة المشاركة، وأهم المؤثرات التي تشكل العقل العربي، كثقافة التربية، ودور الأسرة وسلطة الأبوين، والعلاقة بين مفهومي الحوار والتنافس، ثم القيم الاستهلاكية في مقابل القيم الانسانية، والأمية والتخلف، إلا أنها ظلّت أدبيات لوقتها لم تتطلع أو تستشرف شيئاً من واقع اليوم وظلت التوصيات تراوح بين منع وإطلاق، وفي حقيقة الأمر فإن الواقع العربي يحتاج إلى أكثر من هذا، بل إلى ما هو قبله، إذ يحتاج إلى طاولة وكرّاسة وأقلام، وإلى راتب مدرس وسقف يؤوي الطفل من المطر والحر، وربما يحتاج إلى مجموعة من طعوم الحصبة وشلل الاطفال وغيرها، وهذا الأمر لايحتاج إلى ذلك المستوى من اللقاءات، وإلى المزيد من العمل المشترك بقدر ما يحتاج إلى المبادرات الواقعية، حتى لا يتحول العمل إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حيوات تتخطفها المجاعات والحروب، كما يحدث الآن في الصومال، أو إشكالات المرض والأوبئة والعوز والفيضانات في الأرض العربية فقط، فبعض الحقوق تحتاج إلى أنسنة أكثر، بينما تتنوع المبادرات الثقافية لكنها هنا تنتهج القاعدة سكّن تسلم سواء أكانت أوراق عمل أم أدبيات وأقلاماً، وإنما الحديث عن العمل العربي المشترك في مجال الثقافة ومن دون إغفال الإشادة بالمبادرات المنجِزة المنفردة، والمغردة خارج السرب كتلك التي قدمتها دولة الإمارات في إفريقيا وأماكن أخرى.