أهل الذمة . . واحد من المفاهيم الإسلامية التي تتحدث عن غير المسلمين في المجتمع المسلم، أو عن أهل الكتاب تحديداً من اليهود والنصارى .
وهو من المفاهيم التي تؤكد معاني التسامح والود التي مارسها المسلمون عبر التاريخ مع المخالفين في العقيدة كما يؤمن البعض، كما أنه من المفاهيم التي تثير الحساسية والتخوف من المسلمين كما يعتقد البعض الآخر .
فما الضابط الشرعي لمفهوم أهل الذمة؟ وكيف يتعامل المسلمون معهم ويتعاملون مع المسلمين؟ وكيف قرر النص الشرعي الحقوق والواجبات وحمى الحريات؟ وكيف قرر الواجبات والمسؤوليات من دون تعنت أو مضايقات؟ وكيف أساءت الأهواء السياسية والفكرية إلى طبيعة العلاقة بين بني البشر كما أرادها رب البشر؟
المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة يوضح في البداية أن الخطاب الإسلامي عن غير المسلمين استخدم مفاهيم متنوعة من بينها الإفصاح عن معتقدات الفئة نفسها مثل تعبيرات المجوس والمشركين، أو اليهود والصابئة والنصارى .
ولكن أبرز مفهومين استخدمهما الخطاب الشرعي هما مفهوما: أهل الكتاب وأهل الذمة .
وأهل الكتاب . . من التعبيرات التي شاعت في النص القرآني الكريم، حيث ورد هذا التعبير في آيات كتاب الله نحو ثلاثين مرة، وعلماء الأمة يعنون به كل من اعتقد ديناً سماوياً وله كتاب منزل كالتوراة والإنجيل وزبور داود وصحف إبراهيم . . عليهم السلام .
وقد يعنون به اليهود والنصارى فقط دون غيرهما، ويرى الشيخ محمد رشيد رضا أن تعبير أهل الكتاب خاص باليهود والنصارى كما قال في تفسير قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء . . .
أما أهل الذمة، فهو مفهوم كثر استخدامه في السنة النبوية، وقد يكون مرادفاً لمفهوم أهل الكتاب، وكما في مثل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة . وحديث: من آذي ذميا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله .
وكلمة الذمة تعني العهد والميثاق والاتفاق والضمان والأمان، فالنصارى واليهود أو غيرهم هم أهل ذمة، أي أصحاب عهد وميثاق، وأصل الكلمة ذمة ورد في القرآن في موضعين ومن ذلك قوله تعالى عن المشركين الذين لا عهد لهم: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون .
حماية الحقوق والحريات
إذن فأهل الذمة يعنون في الأساس أهل الكتاب أو غيرهم الذين يرتبطون مع المسلمين برباط الأمان والميثاق والعهد .
ومن هذا المفهوم صارت لهم عشرات الحقوق وعشرات الواجبات، والحريات التي كفلها لهم النص القرآني والنص النبوي والاجتهاد الفقهي، فضلا عن إيمان المسلم وسلوكه وشريعته .
فحق أهل الذمة مكفول بما قرره الإسلام من حقيقة الاختلاف بين البشر، ومن حرية التدين والاعتقاد، ومن وجوب حفظ المسلم للعهد وللعقيدة والاتفاق . ومن النصوص البارزة في هذا، قول الحق: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين . وقوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي . وقوله تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم . وقوله في قانون التعامل الإنساني مع غير المسلمين: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين .
وعليه تقررت الحماية الإسلامية لحقوق أهل الذمة في الوطن الإسلامي، فأهل الذمة مصانة دماؤهم وأعراضهم وأموالهم وأنفسهم .
وفي الأصل الإنساني العام هم بشر مكرمون . يقول الحق: ولقد كرمنا بني آدم . وهم مصانون لأنهم أنفس إنسانية وفي القرآن: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
وفي أهل الذمة يقول صاحب الرسالة: من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً .
وقال علي رضي الله عنه: إنما بذل الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا، وحتى الأموال المحرمة أو التي فيها حرمة كأموال الخمور والمخدرات رأى بعض الفقهاء مثل أبو حنيفة أنها أموال محترمة ومقومة ولا يجوز الاعتداء عليها تحت مظنة الحرمة، لأنها عند ظنهم حلال . ويقول أبو حنيفة: هي من أنفس الأموال ومن أتلفها غرم قيمتها .
بل أوجب الإسلام الدفاع عن أهل الذمة عند القتال أو الاعتداء أو تعرضهم لظلم خارجي، لأنهم من المجتمع المسلم ومواطنون بالتعبير الحديث، ومن الذين يحملون الجنسية الوطنية .
مواطنون لا غرباء
ولأن المجتمع الإسلامي يعتبر غير المسلمين جزءاً منه، فهم في سياق الوطنية والهوية والثقافة غير غرباء، ولهذا أوجب القرآن الكريم عند المناقشة والحوار والاحتكاك اليومي أن نودهم ونتبسم في وجوههم ولا نتجاوز معهم في الحوار يقول الحق: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن . قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى .
وحقوق الجوار واحدة، بل أتاح النص القرآني التزاور والمجاملة والأكل عندهم والصدقة للمحتاج منهم وكذلك زواج الرجل من الكتابية، وهي أمور اجتماعية لا تتأتى إلا في سياق المودة والبر .
كما صان الإسلام حقوق أهل الذمة المدنية كما يقال حديثا، فغير المسلمين هم مواطنون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بل هم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده مع اليهود في وثيقة المدينة أمة واحدة لهم حق النصرة والدفاع .
وبالتالي تولى غير المسلمين المناصب العليا في الجيش والطب والعلم والسياسة والاقتصاد، ولهم كل الحقوق السياسية والمدنية، باستثناء منصب واحد هو الحاكم أو الرئيس في دولة المسلمين، وهذا منطقي في عرف الفقه والدستور الإسلامي، وفي عرف الفقه والدستور المدني، بحيث لا يتصور وجود حاكم خارج مجمل الثقافة والهوية السياسية في الدولة، وهذا هو عين ما يحدث حتى من دون نص قانوني في دول مثل أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا، إذ لا يعقل أن يحكمها حاكم مسلم أو حتى من خارج المذهب الذي جرى العرف على توليه رئاسة الدولة مثل البروتستانت في أمريكا .
غلاة العلمانيين
ويشير الدكتور محمد عمارة بموضوعية إلى عدد من الممارسات التي خلقت لدى البعض حساسية ضد مفهوم أهل الذمة، وكأن فيه انتقاصاً من بعض الحقوق .
ويقول: الصراع السياسي على الأرض وعملية المد والجزر بين الأمة الإسلامية والمحيط الأوروبي تحديدا، جعل بعض رجال الفكر من المستشرقين وبعض رجال الدين من القساوسة يرفضون معظم المصطلحات الإسلامية ومنها مصطلح أهل الذمة، كما ربط البعض خطأ بين بعض الممارسات الخاطئة من بعض المسلمين تجاه غير المسلمين ومفهوم أهل الكتاب أو أهل الذمة .
وفي العصر الحديث عمل غلاة العلمانيين في الغرب، وفي بعض دول العالم الإسلامي على الإساءة إلى كثير من المواقف شديدة التسامح من المسلمين حكاما وعلماء وعامة .
ومن الغريب أن يتناول بعض المثقفين في الغرب والشرق بعض القضايا القديمة برؤية معاصرة من دون النظر إلى ظروف وملابسات هذه القضايا، ومن ذلك مثلاً ما يتحدث به البعض عن الجزية المالية التي يقررها المسلمون عند فتح الدولة لأول مرة، ويعتبرونها ظلما لبعض أهل الذمة .
والحقيقة أن الجزية المالية هذه تعفي غير المسلم من قتاله، وتعفيه من إجباره على اعتناق الإسلام رغما عنه، كما تعفيه من الدخول في الجيش والدفاع عن الوطن، كما أن الجزية تقابل دفع الزكاة عند المسلم، وقد ثبت أنها أقل من الزكوات، وكانت رسما مقررا في الإسلام وقبل الإسلام منذ الفراعنة والرومان، كما استقر الفقه الإسلامي منذ زمن على أن الجزية اختيارية، ومن دخل من أهل الكتاب الجيش سقطت عنه، وهي في ضوء مفهوم العهد والذمة كما يتفق الطرفان، وعليه فليس للجزية وجود الآن في كل دول العالم الإسلامي .
إن مثل هذا الافتراء هو الذي يسيء لمفهوم أهل الذمة كما يسيء إلى حقيقة التعايش الإنساني السمح الذي يؤسس له الإسلام في دنيا الناس .
قمة العدل
ويخلص الدكتور محمد عمارة إلى معنى مهم وهو أن قواعد الإسلام الحاكمة في التعامل مع أهل الذمة هي قمة العدل والإنسانية، وتحقق مجمل الحقوق والحريات التي يتنادى بها المتحدثون عن حقوق الإنسان أو المواطنة في الوقت الحالي .
ويقول: الخلل الذي حدث في التعامل بين البشر سببه الصراع السياسي والمادي والهوى الفكري وغطرسة القوة التي استشعرها الغرب في القرنين الماضيين، وعليه حركوا مواطن الفتنة داخل بعض الدول الإسلامية أو يكفي أن نشير إلى أن الحديث عن الامتيازات الأجنبية وحماية الأقليات كان هو مدخل الاستعمار الحديث لديار العروبة والإسلام، وأيضا تكتل الغرب لإنشاء دولة دينية كإسرائيل، والحديث المريب اليوم عن الأقليات في ديار المسلمين تحت شعارات حقوق الإنسان .
إننا نؤكد أن مجتمعنا الإسلامي لم يعرف مفهوم الأقلية، كما أنه يعمل على التسامح والبر مع المخالف، ويؤسس للمجتمع الإنساني المتحاب .
وواجب المسلمين اليوم أن يعلوا قيم التسامح في النص الشرعي، وفي التعامل اليومي، وأن يكشفوا حجم الأنانية والتعصب الذي يمارسه الآخر ضدنا في الفهم والممارسة والسياسة .