أ . د . أحمد فؤاد باشا
ما زال الزواج والأسرة منذ وجدا في مجتمع الصيد في ظلمات التاريخ، "نظامين طبيعيين" في بنية المجتمعات البشرية يلبيان دوافع الفطرة في اللقاء الجنسي والرغبة في النسل، رغم ما يظهر إلى جانبهما من نظم أخرى تبيح الإباحية والتحلل، وتهدد البشرية بالدمار، فالفطرة تتأذى دائماً من كل شيء لا يلائم طبيعتها، وتمرض من استمرار تعاطيه .
وخاصية النمو، التي ينمو بها الطفل حتى يبلغ أشده، وهي خاصية بيولوجية، أي في صميم الفطرة، هي ذاتها التي تنمي المجتمعات الصغيرة إلى مجتمعات كبيرة، فتنمي الأسرة إلى العشيرة، والعشيرة إلى قبيلة، والقبيلة إلى أمة، وهكذا، وتنمي العلاقات بين الناس من علاقات بدائية صغيرة مباشرة إلى علاقات معقدة كبيرة غير مباشرة .
ومن الطبيعي أن تكون التنظيمات الاجتماعية المختلفة ذات صلة وثيقة بالحضارة والثقافة، وقد توصل علماء الأنثروبولوجيا "علم الإنسان" إلى أن النسب والمصاهرة هما أساس القرابة بين اثنين أو أكثر، وتحدد هذه القرابة رابطة الدم، أو القبيلة، أو المصاهرة الناشئة عن الزواج، أو الرضاعة، إلى آخره، ومن يستقرئ النصوص المصرية القديمة يجد أنها كانت تولي الزواج أهمية بالغة، وتنهى عن الزنى وتهدد مرتكبه بأعنف العقوبات، فالزوج الخائن يتعرض لعقوبة الجلد، والزوجة الخائنة تتعرض لجدع الأنف، كما كان الزنى أحد المبررات للطلاق عندهم، من دون تفرقة بين الرجل والمرأة، وكان من بين الوثائق المهمة التي خلفها المصريون القدماء ما يعرف باسم "نصوص الأنساب"، ويقصد بها النصوص التي تحكي نسب عائلة معينة، ومن أشهر هذه الأنساب نسب كاهن عاش في الأسرة الثانية والعشرين، منقوش على لوحة من الحجر محفوظة بمتحف برلين . . وقد ذكر الكاهن أسماء ستين جداً، وأمام كل منهم الملك الذي عاصره .
وفي عصر حضارة ما بين النهرين كان الزواج يحظى بأهمية بالغة، وكانت الخيانة الزوجية عند السومريين جريمة يعاقب عليها القانون، فالزانيان أن أُخذ بالجرم المشهور يوثقان ويلقيان في الماء، وإن لم يكن بالجرم المشهود فيمكن للمرأة تبرئة نفسها بالقسم، ولم يختلف الأمر كثيراً عند الآشوريين، فالخيانة الزوجية عندهم عقابها الموت غرقاً، أو جلد الفاعلين أو نتف شعريهما أو قطع آذانهما، وكانوا يدعون لزيادة النسل واعتبار الإجهاض جريمة خطيرة عقابها الإعدام، واعتبروا الضرب المفضي إلى الإجهاض جريمة عقابها الجلد، وتشغيل مرتكبها بأعمال السخرة، وقد تصل العقوبة في بعض الحالات إلى حد الإعدام، أما البابليون فقد خصصوا أكثر من 60 حكماً تتعلق بصيانة العائلة، والتشديد على الحد من وقوع الزنى وتنفيذ عقوبة الغرق لمرتكبه .
وتمثل "شريعة حمورابي" تقدماً عظيماً بالقياس إلى ما جرت عليه العادات في المجتمعات الأولى، وكان من بين ما تضمنته قوانين هذه الشريعة أحكام الاستقامة في الزواج والتبني والإرث والمسؤولية عن ديون الزوجة والحقوق الشرعية للنساء والأطفال، وقد ربط بعض الباحثين بين الشريعة الموسوية ومدونة القوانين البابلية، وأشاروا إلى امتداد تأثيرها في العهد المسيحي .
وقد عنيت الشريعة الإسلامية في المحافظة على النسل بحياة العفة والطهارة التي تكون أفضل الطرق للإنجاب، فشرعت النكاح وحرّمت السفاح، ونهت عن دخول بيوت الغير من دون استئذان، وأمرت بغض البصر، وأوجبت الحد على مرتكبي فاحشة الزنى، كما أوجبت حد القذف ثمانين جلدة، كي يظل النسل بعيداً عن شبهة الاختلاط، وتحفظ سمعة الأسرة المسلمة .
من ناحية أخرى، كان الزواج من الأقارب شائعاً عند كثير من الأقوام والشعوب، ولما جاء الإسلام حرّم زواج الأقارب الملتصقين، لحكم نفسية واجتماعية وطبية ووراثية، أوضح العلم الحديث جوانب كثيرة منها، وحبب الإسلام إلى المسلمين الزواج بالأباعد في النسب، فرغّبوا فيه، لأنه أنجب للولد وأبهى للخلقة، جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه ابن ماجة: "اغتربوا ولا تضووا"، أي تزوجوا في الأباعد ولا تتزوجوا في الأقارب، لئلاً تسببوا ضعف نسلكم وهزاله، ويتفق هذا المطلب الإسلامي في الحث على الزواج بالأباعد في النسب مع معطيات علم الوراثة والتحسين الوراثي "الايوجيينيا Eugenics" اتفاقاً كاملاً، حيث إن استمرار تزاوج الذرية بالأقارب يزيد من احتمال ظهور الصفات والأمراض الوراثية المتنحية .