قال تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (البقرة: 145 - 147) .
السؤال: ما الغرض من العدول عن الاضمار إلى الإظهار في قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك . .؟ (البقرة: 145)، حيث إن المراد بالذين أوتوا الكتاب هو عين المراد في الآية السابقة مباشرة لهذه الآية من قوله تعالى: وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم . .؟ (البقرة: 144) .
الجواب: لأن القصد - والله أعلم - (الإعلان بمذمتهم حتى تكون هذه الجملة صريحة في تناولهم كما هو الشأن في الإظهار في موضع الإضمار أن يكون المقصود منه زيادة العناية والتمكن في الذهن) . وهذا يتأتى في الآية الكريمة عن طريق صلة الموصول التي فيها إشارة إلى الاستخفاف بهم والسخرية من سفههم، لأنهم مع علمهم بأن قبلته - صلى الله عليه وسلم - حق وأن ما جاء به حق، ويعلمون هذا من كتابهم الذي أنزل إليهم، وعلى الرغم من علمهم هذا إلا أنهم لا يؤمنون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يتبعون قبلته ولا منهجه . وفي هذا الإظهار أيضاً إشارة إلى تناهي سوء حالهم لعنادهم وتكبرهم . والله أعلم .
الفعل المبني للمجهول
السؤال: ما سر بناء الفعل للمجهول في قوله تعالى: الذين أوتوا الكتاب . .؟ (البقرة: 145) .
الجواب: لأنه تبين من خلال استقراء الآيات التي ورد فيها ذكر للذين أوتوا الكتاب أنه إذا كان المقام مقام مدح وثناء فإن الفعل يبنى للمعلوم، وينسب ايتاء الكتاب إلى الله تعالى بنون العظمة، ومن شواهده قوله تعالى: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون . (البقرة: 53)، وقوله تعالى: الذين آتيانهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق (الأنعام: 114)، وقوله: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوتة (البقرة: 121) .
أما إذا كان المقام مقام ذم وتقريع وتوبيخ فإن الفعل يبنى للمجهول، ولا ينسب الإتيان إلى الله تعالى بالإظهار، لأن أهل الكتاب لا يستحقون هذا التشريف في ذلك المقام، ومن شواهده قوله تعالى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم (آل عمران: 19) . وقوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل . (النساء: 44) وقوله تعالى: ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم . (الحديد: 16) ومما لا شك فيه أن الآية الكريمة موطن السؤال وردت في مقام ذم وتوبيخ وتشنيع على أهل الكتاب، ولذا جاء الفعل (أتى) مبنياً للمجهول . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من التنكير في قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك . .؟ (البقرة: 145) .
الجواب: التنكير للتنويع والعموم والشمول، والمعنى: لو جئتهم بكل حجة ودليل ما تبعوا قبلتك، وقد دل لفظ كل هنا على العموم أيضاً .
السؤال: لم أضيفت القبلة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: ما تبعوا قبلتك؟ (البقرة: 145) .
الجواب: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخص بالقبلة، حيث إنه كان يسألها بلسان حاله، ولأنها قبلة شرعه، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - المقتدى به في تعبده بها وتوجهه إليها . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير بالجملة الاسمية في قوله تعالى: وما أنت بتابع قبلتهم؟ (البقرة: 145) .
الجواب: إيثار الجملة الاسمية هنا، للدلالة على ثبات مضمونها ودوامه واستمراره، فإن مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمته لقبلة أهل الكتاب باقية مستمرة حتى قيام الساعة . وقد جاءت هذه الجملة المنفية المؤكدة باسمية الجملة، وبتكرر الاسم فيها، وبالباء المؤكد لنفيها جاءت مسوقة لقطع أطماع أهل الكتاب في اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم . والله أعلم .
السؤال: بم يوحي التعبير بالجمع في قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم؟ (البقرة: 145) .
الجواب: للدلالة على حقيقة الموقف بين أهل الكتاب بعضهم ببعض، فهم ليسوا على وفاق، لأن الأهواء تفرقهم، فكل واحد هواه غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى، والعداء بين اليهود والنصارى في المعتقد، والعداء بين الفرق اليهودية المختلفة، والعداء بين الفرق النصرانية المختلفة أشد، ومن ثم جاء التحذير من اتباعهم، لأنه نهاية الضلال والحيرة . والله أعلم .
فرض مستحيل
السؤال: لماذا بني قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم (البقرة: 145) على (إن) الشرطية التي توضع للشك في تحقق الشرط؟
الجواب: بني قوله - سبحانه - ولئن اتبعت أهواءهم على سبيل الفرض، وذلك مبالغة في بيان خطر هذا الاتباع إن وقع، ولأنه فرض مستحيل تحققه فقد استعملت (إن) الشرطية التي تدل على الشك في تحقق الشرط، وهذا الفرض جاء على سبيل الالهاب والتهييج بقصد الثبات على الحق . والله أعلم .
السؤال: ما سر إيثار لفظ (الهوى) في قوله: ولئن اتبعت أهواءهم؟
الجواب: غلب إطلاق الهوى على حب لا يقتضيه الرشد ولا العقل ولذا شاع ذم الهوى في القرآن الكريم، قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه (الجاثية: 23) وقال: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، (ص: 26) .
وقال: قل لا أتبع أهواءكم، (الأنعام: 56) وقال: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله (القصص: 50) .
ولعل ايثار لفظ (هوى) في الآية الكريمة هنا لمزيد التنفير من اتباع أهل الكتاب . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من جمع (هوى) في قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين؟ (البقرة: 145) .
الجواب: للمبالغة في التنفير من اتباع أهواء أهل الكتاب، وذلك لاستحالة إرضائهم، حيث إن أهواءهم متضاربة ومتباعدة . والله أعلم .
السؤال: ماذا أفاد تعريف لفظ (العلم) في قوله تعالى: من بعد ما جاءك من العلم؟ (البقرة: 145) .
الجواب: أفاد المبالغة، وكأن ما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو العلم كله والحق، وأن ما عداه لا يعتد به . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير بالإتيان (أتيت) وبالمجيء (جاءك) في قوله تعالى: ولئن أتيت الدين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين؟ (البقرة: 145) .
الجواب: الاتيان مجيء فيه سهولة، والمجيء مجيء فيه قهر وصعوبة، وجاء كلا الفعلين مناسباً لمقامة، فمعنى الآية: ولئن تسهل لك الإتيان بكل آية وحجة وبرهان على صحة قبلتك ووجوب اتباعها فلن يتبعوها، فوجه الإنكار واللوم لهم أنهم يرفضون ولو جاءتهم جميع الآيات، وتسهل للرسول - صلى الله عليه وسلم - الاتيان بها، والآيات هنا آيات اقناع وتدليل على صحة القبلة والدعوة إلى إيمانهم، وليست آيات تخويف واهلاك وإنذار بدلالة مقام الآية وسياقها . . لكن عندما كان المجيء مسنداً إلى الآية نفسها في مقام التخويف والزجر والوعيد بالعذاب، كان الفعل المناسب لها الفعل (جاء) إعلاماً بشدة الآية، والقهر فيها . والله أعلم .
السؤال: لم أوثر الجمع (الظالمين) على المفرد (الظالم) في قوله تعالى: إنك إذاً لمن الظالمين؟ (البقرة: 145) .
الجواب: تجنب القرآن التعبير بالمفرد جرياً على أدب الخطاب القرآني في عدم مواجهة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما يكره، لأن الافراد أشد في المواجهة وأقسى، فجعله من الظالمين فيه من التعميم وعدم التخصيص ما يخفف قسوة الوصف . والله أعلم .
تشبيه المعقول بالمحسوس
السؤال: ما نوع الصورة البيانية في قوله تعالى: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؟ (البقرة: 146) .
الجواب: تشبيه مرسل، حيث شبهت معرفة أهل الكتاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - في وضوحها وثبوتها بمعرفتهم لأبنائهم الذين هم من أصلابهم . والتشبيه من باب تشبيه المعقول بالمحسوس (فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية في أن كلاً منهما يتعذر الاشتباه فيه) والغرض من التشبيه في الآية بيان حال المشبه، حيث شبهت حال معرفتهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصدق ما جاء به بحال معرفتهم لأبنائهم . والله أعلم .
السؤال: إذا كان المراد من الآية الكريمة إثبات المعرفة اليقينية من أهل الكتاب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلماذا لم تشبه معرفتهم هذه بمعرفتهم لأنفسهم؟
الجواب: لأن معرفة الأبناء معرفة فطرية غريزية جبلت عليه جل المخلوقات، كما أن معرفة الأبناء معرفة متصلة لا تنقطع أما معرفة الإنسان بنفسه فكثيراً (ما يحيط بها التعتيم والضباب حتى جعل أهل الحكمة معرفة النفس الطريق إلى الله فقال الحكماء: (من عرف نفسه فقد عرف الله) فضلاً عن أن معرفة النفس لا تتحقق إلا لذوي العلم والحصافة) . والله أعلم .
السؤال: لماذا عبر بقوله تعالى: وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق . . (البقرة: 146) مع العلم بأن أكثر الأخبار من أهل الكتاب يكتمون ذلك وليس فريقاً منهم فحسب؟
الجواب: لعل السبب - والله أعلم - أن هؤلاء الكاتمين للحق لا يعتد بهم فهم قلة على كثرتهم لجحودهم، والمؤمنون منهم كثرة بإيمانهم وشهادتهم الحق على قلتهم، فهنا مبالغة في المعنى، وكأنه تعالى يشير إلى أن قافلة الحق هي الغالبة بخيريتها ونفعها للناس وإن كانت قليلة العدد، وأن جحافل الباطل المنكرين الحق وإن كانت كثيرة في مرأى العين إلا أنها غثاء كغثاء السيل لا قيمة له ولا نفع والله أعلم .
السؤال: ما دلالة ذكر الربوبية مع إضافتها إلى ضميره الشريف - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: الحق من ربك؟ (البقرة: 147) .
الجواب: فيه دلالة على العناية الإلهية بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وتشريفه، واللطف به . والله أعلم .
السؤال: ما المقصود بالنهي في قوله تعالى: فلا تكونن من الممترين؟ (البقرة: 147) .
الجواب: المقصود تحذير الأمة الإسلامية من الشك في كتمان أهل الكتاب للحق وعلمهم به . وتوجيه الخطاب للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل الخلق وأقربهم إلى الله تعالى وأعلاهم منزلة دليل على أن من وقع في مثل ذلك من الأمة فقد حقت عليه كلمة العذاب، وليس له من النجاة باب . والله أعلم .