يعد الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا (-1798 1863)، من أشهر الفنانين الفرنسيين والعالميين، الذين ارتبط اسمهم بالحركة الرومانتيكية، ودخول الفن مرحلة جديدة مهدت لظهور الكلاسيكية الجديدة من بعدها بإدخالها الخيال والشعور والإحساس إلى جوهر العمل الفني، فريشته المعبرة، ودراسته عن تأثيرات اللون البصرية، كان لها أثر في الحركة الانطباعية لاحقا، وقد عبر عن ذلك في رسومه لعدد من الأعمال الأدبية ل«شكسبير» و«والتر سكوت» و«غوته». هو آخر فناني عصر النهضة العظماء.
كما هي حال الشاعر الكبير بول فاليري الذي قال عنه: «إن التراث الحقيقي في الأشياء العظيمة، هو ليس بأن يكرر الفنان ما قدمه الآخرون، ولكن باكتشاف الروح التي خلقت الأشياء العظيمة، وأن يخلق أشياء مختلفة، في أوقات مختلفة، لقد أعاد ديلاكروا اكتشاف روح «مايكل أنجلو» و«روبنز»، ولكن الأعمال الكبيرة التي خلقها بفضل تأثيرهم، هي شيء مختلف تماما».
ولد ديلاكروا في قرية صغيرة قرب باريس، من أب يدعى شارل فرانسوا ديلاكروا كان وزيرا للخارجية، ودرس ديلاكروا أساليب الرسم عند كبار الفنانين، حيث تأثر بلوحات «روبنز» و«جيريكو» اللذين كانت أعمالهما مدخلا مهما إلى المذهب الرومانتيكي، وفي عام 1825 قام برحلة إلى إنجلترا، واطلع على رسوم كبار الفنانين هناك، وأخذ يرسم لوحات وأعمالا رومانتيكية، ومنذ عام 1833 بدأ ديلاكروا يتلقى عروضا عديدة، لتزيين المباني العامة في باريس، وقام بتزيين صالون الملك، في مجلس النواب، وفي قصر «بوربون»، وكذلك في مكتبة قصر «اللوكسمبورغ»، وفي عام 1843 قام بتزيين كنيسة «سان دينيس» بلوحات رائعة وفي عام 1850 قام برسم سقف معرض «الأبولون» في متحف اللوفر، ما أفسح له المجال لشهرة واسعة في التزيين الهندسي.
أنجز ديلاكروا بفعل تأثره بأعمال شكسبير أكثر من 16 عملا تمثّل هاملت في أوضاع مختلفة، وقام بعدها برسم العديد من الشخصيات الشكسبيرية، إضافة إلى استلهامه أعمال دانتي واللورد بايرون وحكايات التاريخ القديم.
لقد امتدت شهرة ديلاكروا في الأفق، بفضل لوحته الأهم على الإطلاق وهي «الحرية تقود الشعب»، والتي أصبحت رمزا للثورة والحرّية، وفيها يصوّر انتفاضة الشعب الفرنسي عام 1830 ضدّ حكم عائلة دي بوربون على أمل استعادة النظام الجمهوري الذي نشأ مباشرةً بعد اندلاع الثورة الفرنسية الأولى في العام 1789 م.
هذه الثورة التي تمت بمواجهة الجيش مع الأهالي سببت موت الآلاف، كانت ردة فعل على الدستور المفروض من قبل شارل العاشر، حيث انتفض شعب باريس للدفاع عن مكاسب الثورة عبر مواجهات عنيفة، بعد أن بحث الملك شارل عن وسائل للحد من الحريات والصحافة وحلّ الجمعية الوطنية الفرنسية، وكمم أفواه ممثلي الشعب. سقط نتيجتها شارل العاشر وخَلَفه لوي فيليب.
الشخصية المحورية في اللوحة هي رمز الحرّية نفسه، وقد رسمها ديلاكروا على هيئة امرأة فارعة الطول وحافية القدمين وقد انزلق رداؤها عن جسدها في خضمّ المعمعة وانشغالها بحشد الناس من حولها استعدادا للمعركة النهائية التي ستقود إلى الحرّية والخلاص.
تبدو المرأة هنا وهي ترفع العلم بيد وتمسك بالأخرى بندقية وقد أشاحت بنظرها جهة اليمين كما لو أنها غير آبهة بأكداس الجثث أمامها ولا بما يجري حولها من جموح وغضب. في المستوى الأول، نجد جثثاً ملقاة على الأرض، وهو أول مشهد للجنود القتلى، على اليسار العامل والبورجوازي، من خلال لباسهم، يقاتلون جنبا لجنب، امرأة تحتضر متضرعة تلبس الأزرق والأبيض والأحمر، ترمز إلى الأمة المتألمة، على اليمين صبي يمسك بكلتا يديه مسدساً، يرمز إلى مستقبل الوطن، وهنا يحاول ديلاكروا أن يوزع الأدوار كي يخلق هذه الرؤية لشعب ثائر تَوَحّد رغماً عن كل الفروقات.
هذه المرأة ليست شخصية بسيطة، إنها تقود الشعب المتمرد كرمز للحرية، وقد كانت عادة الفنّانين والشعراء منذ القدم أن يرمزوا للحرّية والعدالة بنساء جميلات.
يعد ديلاكروا من أهم الفنانين الذين تأثروا بالشرق، وبالفنون العربية بصورة خاصة، في أوائل القرن التاسع عشر، إذ لم يعد اهتمامهم هذا مجرد هوس، أو نزوة أو بحث جديد فحسب، بل كان شيئا حيويا بالنسبة إليهم.
تُعد رحلة ديلاكروا الشهيرة إلى المغرب في عام 1832 محطة فاصلة في إبداعه الفني، حيث اعتبرت نقطة انعطاف في التصوير الفرنسي، وبداية التحول من الرومانسية الاستشراقية إلى بدايات الانطباعية.
ستة أشهر أمضاها ديلاكروا في المغرب العربي، رسم خلالها مئات الرسوم ومن دون توقف، معظمها بالقلم الفحمي، وبعضها بالألوان المائية، وملأ دفاتر كاملة بالملاحظات التشكيلية حول مشاهداته. الأمر الذي وفَّر له مخزوناً لرسم مئة لوحة ذات مواضيع شرقية، ظلت تشغله حتى وفاته في باريس.
كان ديلاكروا قد رسم بعض المواضيع الاستشراقية قبل أن يزور المغرب، ولكن تلك التي أنتجها بعد الزيارة جاءت مختلفة عن الشرق المتخيَّل الذي ظهر في لوحاته قبلها، فباتت تشكَّل مجتمعة فصلاً رئيساً من فصول سيرته الفنية، ومنها على سبيل المثال: «طنجة» (1838م)، و«صيد الأسود» (1855م)، «خيول عربية تتصارع في الإسطبل» (1860م)، و«مغربي يسرج حصانه» (1855م) وغيرها.
تبقى لوحة «ثلاث جزائريات في مخدعهن» أجمل ما رسم ديلاكروا، تحفة فنية مزج فيها الألوان بدقة متناهية، وبحرص شديد خط التفاصيل الدقيقة لجلسة نساء في غرفة رفقة خادمتهن، بكل ما يحيط بهن من أثاث شرقي مخملي، وملامح الوجوه.
كما رسم لوحة «عرس شرقي في المغرب» التي نقل فيها تفاصيل ومظاهر الاحتفال الشعبي لزفاف ابنة ثري مغربي وسط المحتفلين بالعرس من عازف الكمان وضارب الدف والمنشد، والنساء اللاتي يبتهجن بالعرس بالرقص والتصفيق، ورسم لوحة «السلطان في مكناس» وهو يستقبل الكونت دى مورنيه فيما يمتطي السلطان جواده المهيب بأنفة الفارس العربي الجموح من خلال الأضواء والظلال التي ظهرت بصورة جلية في هذه اللوحة.
لقد استخلص ديلاكروا من تأثره بالشرق، أسلوبا حيا انفرد به، وإن كان ينتسب إلى المدرسة الرومانتيكية، فإن رومانتيكيته مع أنها لم تتجاوز كثيرا من الحدود في ظواهرها وموضوعيتها، وحتى بالنسبة لصياغتها الفنية، إلا أن ما يميزها هو حرية التصرف في خلق الجو المليء بالحركة واللون، كان ديلاكروا يجتاز بعض القواعد الفنية ليصل إلى الحركة والحيوية، ويربط عناصر موضوعه ببعضها، أو أنه كان يستخدم اللون الصارخ بقوة لم تعهد من قبله.
توفي ديلاكروا في باريس عام 1863، وتحول منزله إلى متحف دائم، تاركا أعمالا فنية خالدة، إضافة إلى الرسوم التي زين بها عدداً من الكتب المهمة، ولوحات البورتريه لفنانين كبار من أمثال «باغانيني» و«فريدريك شوبان» «وجورج ساند»، ومن أهم أعماله الجدارية، اللوحة التي رسمها في كنيسة «سان سولبيس»، والتي أطلق عليها أجمل لوحة جدارية في ذاك العصر.