على بعد خطوات قليلة من منزل رسام الكاريكاتير كورت ويسترجارد، ومقر صحيفة بوستن، التي نشرت رسومه المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، يعيش أكبر تجمع للجاليات العربية بمدينة أورهوس، ثاني أكبر مدن الدنمارك التي تبعد عن العاصمة بنحو 350 كيلو متراً .

وربما ضاعف ذلك من حجم الضغوط الأمنية على الشرطة، إذ خضع الرسام وصحيفته لحراسة مشددة كانت تستمر على مدى 24 ساعة حتى انتهى الأمر بتقاعده أملاً في تخفيف حجم المخاطر الأمنية على نفسه والصحيفة على حد قوله في بيان تقاعده .

تقاعد الرسام لم يمحُ أبدا آثار الجريمة التي ارتكبها، ولكنه بالتأكيد كان مؤشراً واضحاً على قوة الجالية العربية والإسلامية وتأثيرها اللافت في بلاد لم تعرف الإسلام إلا قبل نصف قرن .

على غير عادة بقية المهاجرين الذين يفضلون الذوبان في المجتمع الجديد، فضل العرب التجمع في مكان واحد بحثاً عن دفء افتقدوه في تلك البلاد قارسة البرودة . ويمكن وصف أورهوس بالمدينة المفضلة للعرب وكذلك الحال لبقية المهاجرين القادمين من الدول الإسلامية، فالأغلبية العظمى من سكانها من المهاجرين، سواء جاءت هجرتهم فرادى أو في مجموعات كبيرة كلاجئين . وفي الحالة الأولى، تكون إقامتهم بالمدينة اختيارية لتقليل الإحساس بالغربة، وفي الثانية لا يكون من حقهم الاختيار، إذ ترسلهم حكومة كوبنهاغن تلقائيا إلى تلك المدينة .

المدينة بالفعل حافلة بكانتونات تضم آلاف العرب والمسلمين، يمكنك أن تلمحهم في كل ركن في المدينة، أصحاب الشعر الأصفر والعيون الزرقاء يتضاءلون أمام زحف القادمين من الشرق .

تجميع العرب في مكان واحد بدا لحكومة كوبنهاغن حلاً لإبعاد المهاجرين عن مركز المدينة بحيث يسمح لها بالقدرة على التعامل والمناورة معهم بسهولة، غير أنه بمرور السنوات أيقنت خطأ تلك السياسة التي جعلت القادمين من الشرق يعيشون في عزلة عن ثقافة البلد الذي يعيشون فيه .

وعدم اختلاط العرب المستمر بالدنماركيين حد من فرص الاندماج في بوتقة الثقافة الغربية الأمر الذي خلق دولة داخل الدولة، حكومة كوبنهاغن أيقنت أخيراً الخطأ الذي ارتكبته، لا سيما بعد الحملات الإعلامية التي استهدفت عرب الدنمارك في أعقاب الكشف عن محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها رسام الرسوم المسيئة على يد شاب صومالي بمدينة أورهوس .

لم تفعل الحكومة الدنماركية شيئاً لافتاً لحل أزمة الجزر المنعزلة التي يعيش بداخلها العرب، لكنها فاقمتها بالدعوة إلى فرض رقابة مشددة على أبناء الجاليات العربية، لا سيما الصوماليون للحد من الخطر الأمني الذي يشكلونه . وظهرت حلول فردية لجأ إليها بعض الدنماركيين، ليس بهدف الخروج من هذا المأزق، ولكن بحثاً عن مزيد من الأرباح باستغلال قوة العمل الهائلة التي يمثلها الشباب العربي .

أولفا دو ليندا، أحد الذين ساروا على هذا الدرب، بإنشاء مركز تجاري هائل على مشارف المدينة وأطلق عليه اسم بازار ويضم المكان عشرات المحال ذات النكهة العربية في منتجاتها والعاملين فيها أيضا .

فور عبور بوابة بازار، تشعر بأنك عدت إلى البلدان العربية، فالحديث والمنتجات أغلبها ذات صبغة عربية، وكذلك الحال بالنسبة للمأكولات والمشروبات، حتى الزبائن إلا قليلا من أبناء البلد الأصليين .

مشروع للدمج

بازار هو مشروع تجاري في النهاية يهدف إلى تحقيق الربح، لكنه لا يكفي عرب أورهوس للإعلان عن أنفسهم وتأكيد وجودهم كأقلية عرقية . غير أن الأحوال تتغير في الأعياد الوطنية للبلاد، إذ يبدو التواجد العربي جلياً في تلك المدينة، تجدهم يحولون تلك الاحتفالات إلى مناسبة للإعلان عن مطالبهم .

يخرجون إلى الساحات الكبرى رافعين لافتات باللغتين العربية والدنماركية تتضمن مطالبهم التي عادة ما تتمثل في الحد من نفوذ اليمين الدنماركي في التشريعات التي تستهدف الانتقاص من حقوقهم .

حكومة جديدة الآن، عبارة كتبها سامر الشاب ذو الأصول اللبنانية، باللغتين قبل أن يعلقها في ساحة شهدت احتفال المدينة بعيد صياغة الدستور والذي يعود إلى عام 1849 .

سامر يدرك جيداً أن أحداً من صناع القرار بالبلاد لن يعرف قراءة الجملة بالعربية، لكنه أراد من خلالها تأكيد كثافة وقوة التواجد العربي في الدنمارك قبل أن يشير بيديه إلى الأعداد الكبيرة لأصحاب البشرة السمراء والفتيات المحجبات المنتشرات في المكان للتدليل على صدق قوله .

وتبقى القضية الفلسطينية حاضرة في أذهان عرب الدنمارك، فمن الصعب أن يمر حدث مهم بالمنطقة العربية من دون الخروج في مظاهرات للتعبير عن موقفهم، أو على الأقل تنظيم فعالية ثقافية وفنية لتناول القضية العصية على الحل . لا يكتفي العرب بمدينة أورهوس بتنظيم تظاهراتهم فيها، لكنهم يفضلون نقلها إلى العاصمة في كثير من الأحيان . ورغم أن تلك التظاهرات المنددة بالسياسات الإسرائيلية تكون في الغالب بدعوة من الأحزاب اليسارية ويحضرها دنماركيون أكثر من العرب في بعض الأحيان، إلا أن ذلك لم يمنع عرب الدنمارك من اتهام وسائل الإعلام بتجاهل تلك الأحداث والتقليل من أهميتها .

هذا ما يراه فادي شاكر، الفلسطيني المقيم في الدنمارك منذ 15 عاما، ويقول إن بعض التظاهرات يشارك فها عشرات الآلاف، وفي المساء نشاهد نشرة الأخبار بالتلفزيون الدنماركي التي تضع الخبر في نهاية الأنباء وتقول إن التظاهرة حضرها بضعة آلاف فقط .

المأساة العراقية فرضت نفسها على عرب أورهوس لا سيما أن القوات الدنماركية كانت قد منحت حق اللجوء السياسي ل200 مترجم عراقي وأسرهم من المتعاونين معها خلال وجودها في العراق، فضلاً عن وجود أعداد إضافية من اللاجئين العراقيين استوطنوا المدينة بعد أن فروا من بلادهم خلال حكم صدام حسين .

يعيش المترجمون العراقيون أيضاً في كانتونات يتعاملون بأسماء مستعارة ولا يعترفون أبدا بأنهم كانوا من المتعاونين مع القوات الدنماركية بالعراق خوفاً على حياتهم تارة وتجنباً لنظرات الاحتقار تارة أخرى .

أحمد، هو الاسم المستعار الذي اختاره أحدهم، لا يبدو نادماً على تعاونه مع القوات الدنماركية العاملة ببلاده، إذ كان عملاً يدر عليه دخلاً كبيراً كان في أمس الحاجة إليه . . لكنه لم يكن يعلم أن المقابل سيكون بالتخلي عن وطنه إلى الأبد . يعيش أحمد في أحد كانتونات أورهوس بصفته لاجئاً سياسياً، حصل على شقة يقيم فيها مع أسرته، ويتقاضى راتباً شهرياً يوفر له حياة كريمة والتحق أبناؤه الثلاثة بمدرسة قريبة من المنزل حيث يحصلون على تعليم مجاني . حياة مثالية في ظاهرها لكنها مخزية في حقيقتها لا سيما إذا فكر أن كل ذلك كان مقابل خيانة بلاده، كما يصف البعض ما فعله .

أكثر ما يؤرق عرب الدنمارك غياب التنظيمات القوية التي تجمعهم لتكون بمثابة صوت لهم في الحياة العامة . يكتفون بجمعيات أهلية صغيرة تعبر عنهم، لكنها لا تكفي للدفاع عنهم خلال الأزمات الكبرى كما هو حال بقية الجاليات .

صوت مهدد بالسكوت

السنوات الأخيرة شهدت تحسناً في دمج العرب في الدولة الاسكندنافية، وذلك بصدور صحيفة دنماركية ناطقة بالعربية باسم أخبار الدنمارك وهي صحيفة شهرية تهتم بشأن الجالية العربية، لكنها مهددة بالإغلاق نتيجة غياب الإعلانات عن صفحاتها وتعرضها لخسائر كبيرة .

العراقي محمد حمزة، مالك الصحيفة ورئيس تحريرها، يعتبرها بمثابة الصوت الذي يجمع أبناء الجاليات العربية في مختلف المدن بالدنمارك، ويقول إنها ليست المحاولة الأولى لإصدار صحيفة على هذا النحو، لكن المحاولات السابقة فشلت بعد تعرضها لخسائر فادحة .

حمزة لا يخفي قلقه من ضعف ثقافة الجالية العربية بالدنمارك ونقص الوعي بأهمية الوحدة الأمر الذي ينعكس سلبا على حجم تأثيرهم السياسي في البلاد، ويقول تأثيرنا في صانع القرار لا يتناسب مع نسبتنا إلى عدد السكان على الإطلاق .

ويكشف أيضا أن كثيرا من الشباب العربي بالدنمارك لا ينتمي لأي حزب سياسي، وربما لا يهتم كثيراً بمثل تلك الأمور، ما انعكس سلباً على حجم تأثيرهم في المجتمع المحيط، غير أنه عاد وقال إن أغلب العرب يدعمون الأحزاب اليسارية والديمقراطية في مواجهة اليمين المتطرف .