تحتوي مدينة اللاذقية على العديد من القصور الملكية التي تعود لفترة البرونز الحديث، أي إلى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد مابين 1600-1200ق. م، حيث كانت مملكة أوغاريت تتربع على عرش الساحل السوري، وتمتد لتلامس حدودها مرتفعات جبل الأقرع في الشمال والجبال الساحلية من الشرق ونهر السن من الجنوب والبحر المتوسط من الغرب، وهو ما يشبه حدود محافظة اللاذقية اليوم . قدر الباحثون حدود هذه المملكة بنحو (3000 - 4000) كم مربع، وكانت هذه المساحة تضم نحو مئتي قرية، أما عدد السكان في نهاية القرن الرابع عشر قبل الميلاد فقدّر بنحو 25000 نسمة، وكانت عاصمة هذه المملكة هي مدينة أوغاريت أو ما يُعرف بتل رأس شمرة .
تركزت القصور الملكية في تلك الفترة في مكانين هما: مركز المملكة وعاصمتها أي مدينة أوغاريت، والتي كشفت التنقيبات الأثرية فيها حتى الآن ثلاثة قصور ملكية هي: القصر الملكي الكبير، القصر الشمالي، والقصر الصغير . وأيضاً كشفت قصرين في موقع ابن هاني هما القصران الشمالي والجنوبي .
تقع مدينة أوغاريت الأثرية إلى الشمال من مدينة اللاذقية وعلى بعد 13 كم، وتقبع على تل تراكمي يرتفع على الأرض المحيطة به نحو 17 كم، وتبلغ مساحته نحو 22 هكتاراً، يحيط به نهران هما شبيب والدلبة ويلتقيان في نهر واحد يُسمى بنهر الفيض الذي كان يصب في مينة البيضا وهو مرفأ المدينة القديم وصلتها بالعالم الخارجي .
وتعود معظم آثار المدينة إلى فترة البرونز الحديث، وكشفت التنقيبات العديد من المباني المهمة من معابد وقصور ومقابر وعلى اكثر من 50 منزلاً بحالة جيدة من الحفظ، إضافة إلى العديد من الرقم المسمارية التي أغنت علم التاريخ بالعديد من الأسماء والأحداث التاريخية، وأعطتنا فكرة واضحة عن مدى تطور الحياة الفكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للعالم في الألف الثاني قبل الميلاد . والرقم المسمارية المكتشفة في أوغاريت هي آخر شاهد على طبيعة الحياة في ذلك العصر، حتى يثبت علم الآثار والمكتشفات الأثرية عكس ذلك .
أما بالنسبة للقصور فكان أهمها وأكبرها هو القصر الملكي الكبير، الذي اكتشفه الفرنسي كلود شيفر قبل الحرب العالمية الثانية بين عامي 1938 ،1939 لكن عمليات التنقيب المنتظمة لم تتم إلا في بداية عام ،1948 حينئذ بدأت عمليات الاستكشاف واستمرت حتى عام 1955 .
وحصل هذا القصر على شهرته، ليس فقط بسبب نوعية عمارته، بل أيضاً لاكتشاف العديد من الرقم المسمارية ضمنه، ولوجود الأبجدية الأولى المعروفة حتى اليوم، والتي التقطت من على الدرج الخارجي لبوابة المدخل، وأخيراً من أجل المجموعة الرائعة من الأعمال العاجية المزخرفة والتي ينتج عنها مجموعة من الآثار المنقولة والنقية الصنع بشكل متميّز .
يرجع تاريخ بناء هذا القصر إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وهو أضخم بناء في المدينة، له بوابة حصينة ذات مدخل قوسي يتم الوصول إليها من جهة الغرب للقادم من مينة البيضا، ويعتبر هذا المدخل مع البرج المجاور له من أوائل المباني الدفاعية في العالم .
أما القصر الصغير في أوغاريت، ويطلق عليه أيضاً اسم منزل بابنينو، فيقع إلى الجنوب من القصر الملكي الكبير، ويتقدم هذا القصر شارع جميل . ويتميز بوجود قبر جميل جداً وبوجود مستودع مهم للسجلات تم العثور فيه على العديد من الرقم المهمة، وهو بحسب مكتشفه الباحث شيفر ليس إلا صرحاً معمارياً آخر من صروح الموقع .
ويقع تل ابن هاني إلى الجنوب الغربي من أوغاريت وليس بعيداً عن مينائها الشهير مينة البيضا، كما يقع إلى الشمال الغربي من مدينة اللاذقية وعلى بعد 9كم، وكان هذا الموقع تابعاً لمملكة أوغاريت، وبناه أحد ملوكها وهو عمشترو الثاني الذي حكم مابين (1260 - 1230ق .م)، يحتوي موقع ابن هاني على قصرين مهمين هما: الشمالي والجنوبي .
والقصر الشمالي يستند إلى السور الشرقي للمدينة، لكن جدرانه أقل سماكة من جدران السور، ويمتد على مساحة تبلغ آلاف الأمتار المربعة .
والقصر الجنوبي بني سنة 1400ق .م ويغطي على الأقل مساحة نصف هكتار وترتفع بعض بقاياه أربعة أمتار في بعض المواضع عن مستوى الأرض المجاورة وفي القصر باحة واسعة فيها ثلاث أرضيات متتابعة . والثانية منها كان في مركزها حوض ماء كان عند اكتشافه ممتلئاً بعظام الحيوانات . والأرضية العليا تحمل آثار الحريق الذي دمر المدينة .
ويحد القصر من الجهة الشرقية بقايا جدار سميك فيه باب وإلى شماله ثمة ترتيب بشكل جدار مائل مصفّح بالحجر المنحوت لحماية القصر من الانهيار ومن عمل البحر وفيه باب صغير أيضاً . وتكاد تكون الأرضية العليا في القصر خالية من اللقى الأثرية الأمر الذي يدل على أنه هُجر قبل وقت ما من التهديم العنيف الذي لاقاه .