ساق الحق سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم قصص العديد من الأنبياء والرسل والصالحين من عباده لتكون عبرة وعظة لكل المؤمنين، فكل قصة في القرآن تحمل الكثير من العبر والعظات والدروس المستفادة للمسلمين في كل وقت وفي كل مكان .
ومن هذه القصص التي ينبغي أن نتأملها ما ذكره القرآن في سورة الأنبياء عن أيوب عليه السلام، حيث يقول سبحانه وَأيوب إِذْ نَادَى رَبهُ أَني مَسنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُر وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم معَهُمْ رَحْمَةً منْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ . . ففي هاتين الآيتين يسوق الحق سبحانه وتعالى جانباً من قصة أيوب عليه السلام، وهي قصة تمثل الابتلاء بالضر في أشد صوره، وتجسد قيمة الصبر أعظم تجسيد .
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: يذكر الله تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان قد أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرون، ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، وقد كان نبي الله أيوب غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك .
والضر: هو كل ما يصيب الإنسان من مرض أو أذى في نفسه أو ماله أو عياله .
والمعنى: واذكر أيها الإنسان عبدنا أيوب عليه السلام وقت أن نادى ربه، وتضرع إليه بقوله: يا رب إني أصابني ما أصابني من الضر والتعب وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها .
فنحن نرى أن أيوب عليه السلام لم يزد في تضرعه على وصف حاله إني مسني الضر ووصف خالقه تعالى بأعظم صفات الرحمة من دون أن يقترح شيئاً أو يطلب شيئاً، وهذا من الأدب السامي الذي سلكه الأنبياء مع خالقهم عز وجل .
اللطف في السؤال
وقد ألطف أيوب في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب . . وبعد أن دعا أيوب ربه تعالى بهذه الثقة، وبهذا الأدب والإخلاص كانت الإجابة المتمثلة في قوله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ أي دعاءه وتضرعه فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُر أي فأزلنا ما نزل به من بلاء في جسده، وجعلناه سليماً معافى، بأن أمرناه أن يضرب برجله الأرض ففعل فنبعت له عين فاغتسل منها، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله تعالى قال سبحانه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أيوب إِذْ نَادَى رَبهُ أَني مَسنِيَ الشيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ .
وقال تعالى وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم معَهُمْ أي: لم نخيب رجاء أيوب حين دعانا، بل استجبنا له دعاءه، بفضلنا وكرمنا، فأزلنا عنه المرض الذي نزل به، ولم نكتف بهذا، بل عوضناه عمن فقده من أولاده، ورزقناه مثلهم معهم .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم معَهُمْ فقال: رد الله تعالى امرأته إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا .
والمعنى على هذا: آتيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر .
ثم ختم سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: رَحْمَةً منْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ أي أجبنا له دعاءه، وفعلنا معه ما فعلنا من ألوان الخيرات من أجل رحمتنا به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكرى لغيره من العابدين حتى يقتدوا به في صبره على البلاء، وفي المداومة على شكرنا في السراء والضراء .
وخص سبحانه العابدين بالذكرى، لأنهم أكثر الناس بلاء وامتحاناً، ففي الحديث الشريف: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل .
وفي حديث آخر: يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وقد كان أيوب آية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك .
الخشوع والإسرار
وإذا كان هذا هو شأن أيوب في أدبه وسمو أخلاقه في مناجاته لخالقه رغم ما لحق به من ضر وألم ومصاعب لا يمكن أن يتحملها بشر . . فما هو شأن الذين لا يصيبهم إلا أخف الضرر؟
الأولى بهؤلاء أن يلجأوا إلى خالقهم ويدعونه بكل أدب . . يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: ادْعُواْ رَبكُمْ تَضَرعاً وَخُفْيَةً إِنهُ لاَ يُحِب الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِن رَحْمَة اللّهِ قَرِيبٌ منَ الْمُحْسِنِينَ .
يأمر الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء الخالص فيقول: ادْعُواْ رَبكُمْ تَضَرعاً وَخُفْيَةً أي سلوا ربكم أيها الناس حوائجكم بتذلل واستكانة وإسرار واستتار فإنه سبحانه يسمع الدعاء ويجيب المضطر، ويكشف السوء، وهو القادر على إيصالها إليكم، وغيره عن ذلك عاجز .
وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء في ضراعة وإسرار، لأن الدعاء كما يقول د .عبد الله بركات العميد الأسبق لكلية الدعوة الإسلامية بالأزهر ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم، واستعانة به بإخلاص ويقين لكي يدفع المكروه، ويمنح الخير، ويعين على نوائب الدهر، ولا شك أن الإنسان في هذه الحالة يكون في أسمى درجات الصفاء الروحي، والنقاء النفسي ويكون كذلك مؤدياً لأشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد القهار، معترفاً لنفسه بالعجز والنقص، ولربه بالقدرة والكمال .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن من آداب الدعاء الخشوع والإسرار واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس أربعوا على أنفسكم أي أرفقوا بها وأقصروا من الصياح، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم، إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده .
الدعاء الصادق
وقوله: إِنهُ لاَ يُحِب الْمُعْتَدِينَ أي لا يحب المتجاوزين حدودهم في كل شيء ويدخل فيه الاعتداء في الدعاء دخولاً أولياً، ومن مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يترك هذين الأمرين وهما التضرع والإخفاء . . كذلك من مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يتكلف فيه .
روي أن سعد بن أبي وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها ونحواً من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال له يا بني: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ثم قرأ سعد هذه الآية ادْعُواْ رَبكُمْ تَضَرعاً وَخُفْيَةً وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل .
ثم نهى الحق سبحانه وتعالى عباده عن كل لون من ألوان المعاصي فقال: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا أي لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاح الله إياها بأن خلقها على أحسن نظام، فالجملة الكريمة كما يوضح د .بركات نهي عن سائر أنواع الإفساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان .
يقول صاحب تفسير المنار: قال سبحانه وتعالى: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا، لأن الإفساد بعد الإصلاح أشد قبحاً من الإفساد على الإفساد، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجري على سننه . فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه؟ . . ولذا خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهي عنه في كل حال . وقوله: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أي وادعوه خائفين من عقابه وإياكم مخالفتكم لأوامره طامعين في رحمته وإحسانه وفي إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما .
وقوله عز وجل: إِن رَحْمَة اللّهِ قَرِيبٌ منَ الْمُحْسِنِينَ أي أن رحمته تعالى وإنعامه على عباده قريب من المتقين لأعمالهم المخلصين فيها، لأن الجزاء من جنس العمل، فمن أحسن عبادته نال عليها الثواب الجزيل، ومن أحسن في أمور دنياه كان أهلا للنجاح في مسعاه، ومن أحسن في دعائه كان جديرا بالقبول والإجابة .