رحلته الحياتية لم تكن من السهولة بمكان، ففي الخامسة من العمر نزعه والده من أحضان أمه بعد طلاقه لها لتربيه عماته، ولينتقل من بينهن في رحلات متواصلة مع والده، لم تساعده في استكمال دراسته بشكل يسير، فيما شهدت مسيرته المهنية صعوداً وهبوطاً، لتنتهي به مديراً للعلاقات الحكومية والعامة في المركز الدولي للزراعة الملحية في دبي، وصاحب عدد من المدارس الخاصة في الشارقة ودبي.

والدي تزوج 15 مرة ووالدتي عمرت 108 سنوات

إبراهيم بن طاهر المحرزي، توليفة من الهدوء الواعي، والتحضر الأصيل، يكره التملق والمحاباة، ويميل للصراحة والمواجهة، ويسعى لقول الحق وإن أتى على حقه في اعتلاء منصب يستحقه، أو نيل ما هو له، لا يؤمن بالتقليدية في الزواج، وإن كان اتبعها في ارتباطه الذي لم يكن له فيه رأي، ويجتهد من خلال أبنائه في تحقيق ما فاته من أحلام، ومعه كان اللقاء الآتي:

لو دونت بالكلمات سيرتك الذاتية في أسطر قليلة فماذا ستقول؟

أنا من مواليد عام 1953 من منطقة مسافي التابعة لإمارة رأس الخيمة، والدي كان شيخ علم وكذا جدي، وكانا يمتلكان مدارس لتحفيظ القرآن الكريم في منطقتي مسافي ودبا، وتخرج على أيديهما خطباء ووعاظ وحفظة كتاب الله، وقد درست في مستهل حياتي في المملكة العربية السعودية لمدة عامين عندما كان والدي يعمل هناك ومن ثم رجعت معه إلى الدولة، ومكثت في دبا ومسافي لمدة طويلة من دون دراسة لعدم وجود مدارس في هاتين المنطقتين في ذلك الوقت، ومن ثم اصطحبني الوالد معه إلى قطر وحاول إلحاقي بالمدرسة هناك، فرفض القائمون عليها لكبر عمري حيث كنت في الثالثة عشرة من العمر ومن ثم طالبهم والدي بتشكيل لجنة لاختباري وبالفعل تم إلحاقي بالصف الخامس الابتدائي، واستمرت إقامتي مع والدي في قطر حتى وصلت إلى الصف الثالث إعدادي، وبعد ذلك أجبرني والدي على الزواج وعمري 17 عاما لرغبته في رؤية أحفاد له مني.

دراسة وتجارة

وتوقفت عن الدراسة لفترة، ووقع خلاف مالي مع والدي، فعدت إلى الدولة مع بداية قيام الاتحاد، وحاولت الحصول على مصدر رزق لاستكمال دراستي، لكن الأبواب جميعاً أغلقت في وجهي، إلى أن استطعت الحصول على وظيفة في إدارة الجنسية والإقامة في الشارقة وعينت فيها سكرتيراً للجنة الفرعية، وقررت استكمال الدراسة، وأيضاً ممارسة التجارة خلال الفترة المسائية، وقد استكملت الدراسة الثانوية عام ،1982 وبعد فترة التحقت بالجامعة عام 1986 في كلية الآداب قسم الاتصال الجماهيري، وأسست أثناء ذلك الجمعية الإعلامية في الجامعة وترأستها أيضاً، وفجأة أصبح هناك شاغر لوظيفة معيد في قسم الإعلام في الجامعة، فالتحقت بها إلى أن سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على الماجستير وكافحت بداية لإجادة اللغة الانجليزية إلى أن أتقنتها، وحصلت على درجة الماجستير عام ،1992 وكانت رسالتي بعنوان إدارة المؤسسات الإعلامية ومن ثم عدت إلى الدولة لاستكمال مسيرة التدريس في قسم الاتصال الجماهيري في الجامعة، ومن ثم قررت السفر ثانية إلى أمريكا للحصول على الدكتوراه، إلا أن ظروفاً عائلية طارئة حدثت فجأة وحالت دون استكمالي لها حتى اليوم، وأيضاً دفعتني الظروف إلى تقديم استقالتي من الجامعة، وعملت في بلدية الشارقة عامين، وأسست فيها قسماً للعلاقات العامة والإعلام على أحدث النظريات، وزودته بالموارد البشرية والتكنولوجية الحديثة، وأرسيت فيه قواعد للحملات الإعلامية، وبعد ذلك انتقلت إلى المركز الدولي للزراعة الملحية في دبي وهو من مراكز البحوث التطبيقية الدولية في مجال الزراعة والمياه.

وماذا عن نتاج عملك التجاري الخاص؟

نجحت مع شريك لي في تأسيس مجموعة مدارس خاصة، برأسمال صغير يم يتعد خمسين ألف درهم في البداية، إلى أن توسع المشروع وأصبح يضم فرعين في الشارقة ودبي، وحازت المدارس مكانة مرموقة، وأصبحت شاهداً على نجاحنا في مشروعنا التجاري العلمي.

في رعاية العمات

ذكرت ترحالك مع والدك في مستهل عمرك من دون ذكر والدتك في أي من مراحل دراستك أو حياتك، ألم يكن لها دور واضح في خطواتك الأولى؟

تزوج والدي 15 زوجة، منهن 9 مواطنات وثلاث هنديات وفلبينية ومصرية وسورية وله منهن تسعة أبناء، وقد طلق والدتي وعمري خمس سنوات، وأخذني منها، وأعطاني لعماتي في الشارقة لتربيتي في البداية ومكثت معهن لمدة عامين ونصف العام، ومن ثم عندما ساءت الأحوال الاقتصادية في الدولة في الخمسينات من القرن الماضي، وكان كثير من أهل الإمارات يسافرون للعمل في دول الجوار، سمع الوالد أن الملك عبدالعزيز فتح باب العلم براتب مجز لمن يرغب في التزود بالعلوم الشرعية في المملكة العربية السعودية على أيدي كبار العلماء فأخذني من عند عماتي، وغامر وخرج عبر البحار والرمال بوسائل نقل تقليدية واتجه إلى الرياض لطلب العلم الشرعي، وهكذا بدأت رحلتي معه واستمرت كما سبق وذكرت.

سياحة علمية

ألا تحمل في مكنوناتك النفسية أية مشاعر سلبية تجاه والدك لحرمانه لك من والدتك في طفولتك؟

الحقيقة لم يحدث ذلك على الاطلاق، لأن الوالد عوضني فقداني لها برعايته واهتمامه بي، كما أنه أخذني معه في معظم أسفاره التي كانت بمثابة سياحة علمية بشكل تقليدي قديم، كما أنه استطاع تهذيبي وتعليمي، وأجلسني في مجالس الرجال فاكتسبت من شخصيته الكثير من الثقافة الإسلامية، وبصدق أقول إن فقدان الطفل لحنان الأم في مرحلته العمرية الأولى يعد خسارة كبيرة تؤثر سلباً في حياته، إلا أن ذلك يتغير حسب الرعاية البديلة.

هل تستعيد مع والدك أحياناً ذكريات الماضي البعيد، أم تبعدك مشاغل الحياة عن الالتقاء به كثيراً؟

الوالد حالياً طريح الفراش فقد أصابه مرض الهرم الذي لا دواء له، وأيضاً فقد ذاكرته تماماً لدرجة أنه لا يتعرف إلى زوجته ولا أبنائه، وقد بلغ مائة عام، وتقوم على خدمته ممرضة دائمة، لذا فلا إمكانية للحديث معه عن شيء، فيما أزوره وأراعاه بشكل دائم.

وهل الأمر كذلك بالنسبة لوالدتك؟

والدتي توفيت وعمرها يناهز 108 أعوام لأنها كانت تكبر أبي في العمر، وقد قمت على رعايتها صحياً بشكل كبير قبيل وفاتها، وتأثرت بشدة لرحيلها فرغم عدم رعايتها لي في صغري، إلا أن للأم بشكل عام مكانة ذات خصوصية كبيرة.

هل كررت المسيرة ذاتها لوالدك في تعدد الزوجات والعدد الكبير من الأبناء؟

أنا متزوج من اثنتين فقط، ولدي 14 ابناً وابنة، و16 حفيداً وحفيدة، والعدد الكبير من الأبناء نتيجة للزواج المبكر، حيث لم يتعد عمري سوى 17 عاماً عندما تزوجت كما ذكرت سابقاً، أما زوجتي فكانت في الخامسة عشرة من العمر أي أننا ربينا بعضنا البعض.

لا للزواج التقليدي

تزوجت بالشكل التقليدي، فهل تؤمن بهذه الصورة من الزواج، أم ترى في الحب ضرورة لاستكمال المسيرة؟

لا أؤمن بالزواج التقليدي، كأن لا يرى الخطيب خطيبته إلا من خلال صورة لها مثلاً، إذ يجب أن يراها في حضور أهلها، وقد زوجت بناتي بهذا الأسلوب، فيما من الضروري أن يكون هناك حب أو ود لتذليل العقبات ومواجهة المشكلات التي قد تحدث لاحقاً بين طرفي المؤسسة الزوجية.

تتمتع بهدوء ملحوظ، فما الذي يطيح به؟ وبمعنى آخر ما الذي يثير حفيظتك ويشعل غضبك؟

في الوقت الراهن يحزنني ويغضبني ما يتعرض له الاخوة الفلسطينيون في غزة وغيرها، أما الذي يخرجني عن هدوئي بشكل عام فهو الغرور والكبرياء.

ما أكثر ما يلفتك في المرأة، أو ما الذي تتمناه فيها؟

أتمنى أن تطبق النساء كافة القاعدة التي تقول إن قوة المرأة تكمن في ضعفها أمام زوجها، بمعنى المفهوم الشرعي بتبعلها لزوجها، لأن هذه القاعدة تخلق بيتاً سعيداً، في حين يلفتني في المرأة بشكل خاص احتشامها.

هل تؤمن بالتعدد؟

نعم لأني أنحدر من أسرة ذهبت ذاك المذهب، لكني لا أؤمن بالتعدد للرجل الضعيف مادياً، أو الذي ليس لديه سبب مقنع يجعله قادراً على دخول معترك حياة جديدة، وإن كنت بالنسبة لأهل الإمارات من المؤيدين لمبدأ التعدد لتكثير النسل في الدولة، وقد كان المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من ذوي هذا الاتجاه.

ألست معي في أن العدل لا يتحقق دائماً في التعدد؟

كانت لي بعض الملاحظات على عدد من المعددين لكونهم لم يحققوا العدالة المادية في حياتهم، وهذا ضد المبدأ الشرعي، لذا فمن لا يستطيع أن يعدل فليكتف بواحدة.

هوايات معطلة

في ضوء تعدد مشاغلك المهنية، هل تجد الوقت لممارسة هواياتك إن وجدت؟

من أهم هواياتي القراءة والسباحة والسفر لكنها جميعاً معطلة، عدا وإلى حد بسيط القراءة التي أمارسها في بعض الأحيان، وذلك لكثرة انشغالاتي وطبيعة وظيفتي التي ينتهي دوامها يومياً في الساعة الرابعة والنصف عصراً، فضلاً عن الوقت الطويل الذي تقتطعه المسافة فيما بين بيتي ومقر العمل في ظل الازدحام المروري، لذلك فكثير من الهوايات وغيرها تسلب منا بفعل الظروف الحياتية ومع ذلك فإنني أعطي المجال التجاري حقه.

ألا تغضبك أحياناً طبيعتك النفسية التي ترتكز على المباشرة والوضوح، ورفض المجاملة لتسببها في عدم حصولك على المنصب المهني الذي تستحقه؟

بالفعل طبيعتي التي تتبلور في رفض النفاق والتملق، أفقدتني الكثير من الفرص الوظيفية المتميزة، لكنها في الوقت ذاته أشعرتني بالرضا وحققت لي نوعاً من الإشباع الذاتي الذي لا يتمثل في المنصب، بل في بيئة العمل المريحة وإن كانت في منصب متواضع.

هل تشعر أنك حققت الجزء الأكبر من أحلامك؟

من يقول إنه حقق أحلامه فقد انتهى، لأن الأحلام تبقى أحلاماً، لذا فالأفضل أن تقولي أهدافك وهذه لا تنتهي، والإنسان في حياته لا يشبع، فكلما وصل إلى منصب، أراد الأعلى منه، وكلما جمع المال، سعى إلى جمع المزيد منه، ولكنني في الحقيقة قنوع، ولا أطمع في التسلق إلى المناصب، أو التملق من أجل الوصول إليها.

هل من كلمة أخيرة تريد قولها؟

هي نصيحة وليست كلمة، تكمن في اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة بالحسنة.