يعد إبراهيم عسكر إسماعيل محمد العسكر موسوعة في تاريخ الدولة وإمارة الشارقة بالتحديد، فمنذ ولادته عام ،1944 وهو يسجل في ذاكرته تاريخ مدينة تنمو وتتطور يوماً بعد آخر . نشأ كغيره من الصبية، ولكن شغفه بالتعليم حثه على السفر لإكمال دراسته الثانوية في البحرين، ومنها عاد لينخرط في العمل في أماكن عدة، وكانت محطته الأخيرة في اتصالات الشارقة عام ،1962 ومن ذلك التاريخ أخذ بالتدرج في المناصب حتى تقاعده عام 2005 .
أنا من مواليد عام ،1944 ولدت في منطقة الشويهيين بالشارقة، وكانت ولادتي أيام حكم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وكان بيتنا قريباً من حصن الشيوخ، وكنا كل مساء نذهب إلى الحصن، حيث كنا نرى رزيف البدو ويولتهم، وكنا نرى عروض الفروسية التي يقودها الشيخ صقر بن سلطان القاسمي وخميس بن سالم السويدي، اللذان كانا يتبادلان مواقعهما على ظهور الخيل وهي تجري بسرعة .
ولدت في مستشفى سارة هوزمن، وهو مستشفى الإرسالية الأمريكية، وكان في منطقة الشويهيين، وكنا في صغرنا نقصد منطقة الرولة الشجرة الأشهر في المنطقة، وكانت في ذلك اليوم خارج مدينة الشارقة، وفي ذلك الوقت كان كبار السن يقولون إن عمرها أكثر من ثلاثمئة سنة، وكان يوجد بقربها سدرة، وكانت مكان الترفيه الأكبر والأشهر والأحب إلى قلوب جميع أهالي الشارقة، وكان الناس يقصدونها كل مساء، خاصة يومي الخميس والجمعة، وكنا نقصدها مع الوالد وأهل الفريج في هذين اليومين .
كنا نتجمع ونحن صبية صغار في ساحة مسجد الدليل الذي كان بالقرب من مستشفى هوزمن، وكنا نلعب مع عيال قوم الدح، محمد وسالم ومرزوق، وكنا نلعب في الفريج اليوريد والزبوت والترتور وخبز رقاق هنتين ببيزه .
كان الأطفال هم من يستوحون ألعابهم من الفطرة والبيئة المحيطة بهم وما يتوافر فيها من مواد وموارد طبيعية وبسيطة، وكانوا يصنعون ألعابهم بأنفسهم، وكوننا نعيش قرب البحر ونحن أبناء بحر كنا نصنع سفناً صغيرة من الصفائح والأخشاب، مثل السنبوق ونقوم بعمل أشرعة لها من القماش وننتظر الرياح لكي تحركها، وكان بعض الصبية مبدعين ويصنعون سفناً كبيرة بحجمهم ويجلسون فيها ويجدفون ويتسابقون فيما بينهم، وكنا نلعب على الساحل، بالقرب من سوق المجرة الذي كان في محله سوق السمك القديم .
بين الحين والآخر كانت موجات الجراد تعبر منطقتنا، وكان الأهالي يخرجون لاصطياده، وأذكر أنه في منتصف الخمسينيات، جاءتنا كميات كبيرة من الجراد، وخرجنا واصطدنا كميات كبيرة منها وحمرناها وأكلناها، وبعد ذلك قام الإنجليز بوضع مركز لهم في منطقة شرق وكان يسمى بو اليراد، وهو مخصص لمكافحة الجراد، وقاموا بواسطة طائرات صغيرة ذات محرك ومحركين، برش المبيدات الحشرية عليها، فقلت هجراتها إلينا، وآخر مرة جاء الجراد بكميات كبيرة، في نهاية السبعينيات، وصدناه وأكلناه، قبل مكافحته بواسطة طائرات الرش، وأذكر أن إحدى الطائرات اصطدمت بأسلاك الكهرباء، وسقطت في منطقة اللولية في خورفكان .
كما كان موسم المطر بالنسبة لنا من أجمل المواسم، فكان المطر يأتينا باستمرار، وبكميات غزيرة، ويستمر طويلاً، فإذا جاء في يوم الجمعة، فإنه يستمر إلى الجمعة القادمة، وأحياناً إلى الجمعة الثانية، وكانت الحرارة تنخفض جدا، وأحياناً تصل إلى درجة الصفر، وأذكر إننا كنا لا نخرج إلا بعد أن نلبس القفازات وملابس تغطي كل أجسادنا، ونضع غطاء على رؤسنا .
وكنا نلعب كرة القدم، في منطقة البراحة التي كانت بقرب مدرسة العروبة، التي كانت قرب مبنى اتصالات الحالي، وكانت تقام فيها المهرجانات المدرسية كل عام، وكانت مهرجانات ضخمة يحضرها الحكام والشيوخ وأهالي الشارقة والإمارات المجاورة، وأذكر أنه في عام 1963 حضر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وكان يشارك في هذه المهرجانات الفرق الرياضية والكشفية والموسيقية، وكنت مشاركاً في الفرقة الموسيقية، بالعزف على الأكورديون، وكنت أعزف في البيت، وكانت لدي ميزة العزف باليدين، لأن معظم العازفين يعزفون باليد اليمنى فقط، وأذكر أن الملحن إبراهيم جمعة رآني مرة أعزف، وجاء إلى بيتنا في الغوير وقال لي: أنا لازم آخذك معي وأنت مستقبلك في الموسيقا والفن . ولكنني لم أكن أرغب في الانخراط في هذا المجال، وتركت العزف والموسيقا .
نادي العروبة
وكانت تقام في هذه المهرجانات المدرسية، العروض الرياضية والبهلوانية، وسباقات الجري، والمباريات في كرة القدم بين مدارس دبي والشارقة وأم القيون وعجمان، ولم أكن أحب لعب الكرة كثيرا، وكثير من أبناء جيلنا انضموا إلى أندية معروفة، ويعد نادي العروبة أقدم ناد في الشارقة، وهو الذي تحول إلى نادي الشارقة الحالي، وكان مكانه قديماً في مكان مستشفى القاسمي الحالي، وأسسه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وشباب أمثال حميد الزري، وحميد سيف نائب قائد الشرطة، وسالم الشامسي، وكان هذا الفريق يلاعب فريق الآريف الممثل للقوات البريطانية، وفرق دبي الرياضية، وكانوا يذهبون إلى دبي لإقامة المبارات، كما كانت فرق دبي تأتي إلى الشارقة، لملاقاة فريقي العروبة والآريف .
وفي تلك الفترة كان الفريج أسرة واحدة، كنا ندخل من هذا البيت ونخرج من الآخر، كانت الأبواب مفتوحة حتى بالليل، لأنه لم يكن أي غريب بيننا، وإن دخل غريب الفريج الكل يقف في طريقه ويسأله عن مقصده ويوصله إليه ليتأكد من صحة كلامه، وكان البيت إن طبخ غداءه أو عشاءه وزع على جيرانه الأول والثاني والثالث وهكذا، ويكون هذا بالتبادل، حيث جارك يعيد أوانيك وفيها أكل، وتكثر هذه العادة في شهر رمضان وأيام الاحتفالات والأعراس . وقديماً لم يكن في البيوت خدم يعتمدون عليهم في كل شيء مثل الآن، فقد كانت المرأة قديماً هي التي تقوم بالطبخ والتوزيع وتأمر أولادها بأخذ الطعام لجيرانهم ليتعلموا هذه العاددة الجميلة ويرسخوها في أنفسهم . وفي الأعراس تجد الكل يتكاتف لمساعدة العريس وأهله، فهذا يأتي بالذبيحة وهذا بالعيش (الرز) وهذا بالشاي والقهوة، وأهل الفريج وشبابهم من يقوم بالتوزيع والخدمة على الضيوف والحضور .
الزمن تغير
إنني الآن أقول دائماً لأهلي: إن أبي لو كان يريد تأديبي، فأكبر ضربة كان يوجهها لي، أن يأمرني بالخروج من البيت، واليوم انقلبت الآية، فالابن إن قلت له: اخرج من البيت ردك عليك في نفسه أو تجاهر بالقول: جاك الفرج، ففي السابق إن طردك والدك من البيت فلن تجد من يستقبلك من الأهل والجيران، إذ كان جارك مثل والدك والآخر مثل عمك والثالث مثل خالك، ولهذا لن تجد من يستقبلك منهم . وهكذا الجيران كانوا كلهم يؤدبونك إن رؤوا منك أي فعل مشين .
وأذكر أنه ذات مرة كنت راكباً مع خالي في سيارته، وقام ولد من أولاد الجيران بالتعلق خلف السيارة وهي تتحرك، فأوقف خالي السيارة ونزل وصفع الولد صفعة خفيفة، فأسرع الولد إلى بيت والده، وتصادف خروج الأب من باب البيت، فسأله عن سبب بكائه، فقال الولد: هذا الرجل صفعني، فقام الأب بصفع ابنه، وقال له: لو لم تكن مخطئاً لما صفعك . ليؤدبه كونه فعل فعلاً خطراً، وفي يومنا هذا لا تستطيع توجيه النصيحة لابن أخيك فكيف بابن الجار أو أي شخص غريب لا تعرفه ويسكن بجوارك، وقد يحضر لك الشرطة إن تعاملت له بالنصيحة والتوجيه .
وأذكر من جيراننا عيد بن خصيف يرحمه الله، وأعتقد أنه عم الإعلامي عبدالله بن راشد بن خصيف، وكان هذا من حرس الشيخ والمقربين منه، وكذلك سعيّد، وأذكر أنه كانت خلف بيوتنا صنّيه كبيرة (مكان لرمي القمامة)، وكانت بقربنا براحة نتجمع فيها للعب، وتوفيت والدتي وأنا عمري أربع سنوات، فتزوج والدي، وربتني زوجة والدي فكانت نعم المرأة وكانت كأم ثانية لي، وهي التي أخذتني إلى المطوع ومن ثم أخذتني إلى المدرسة وسجلتني فيها .
السلمانية
بعثني والدي إلى البحرين للدراسة وتعلم اللغة الإنجليزية، وهناك دخلت المدرسة السلمانية في المحرق وكان ذلك في ،1958 وبقيت هناك نحو السنتين، وكانت هذه المدرسة تركز كثيراً على الإنجليزية، وسكنت هناك عند ابن عم والدي، وعملت أثناء تلك الفترة ولمدة ستة أشهر في متجر في سوق العوضي عند بوابة البحرين، كاتباً وكانوا يسموني الكراني، والكراني هو الذي يعرف الكتابة، ورجعت إلى الشارقة في عام ،1960 وبقيت مدة وبعد ذلك بعثي والدي للعمل في أماكن عدة .
المطاوعة
تعلمنا القرآن على يد المطوع أحمد سعيد، وكان بيته في الشرق، عند مسجد ابن درويش، وهذا عياله وأحفاده معروفون في الشارقة، وبعد ذلك درسنا عند الملا علي أو كما يسمونه علي الملاه .
والتحقت بالمدرسة القاسمية التي كانت قرب الرولة، وهي القاسمية الثانية، حيث الأولى كانت عند الحصن وهي في الأصل مدرسة الإصلاح والتي أصبح اسمها فيما بعد الإصلاح القاسمية، ودخلت المدرسة في السنة التي حكم فيها الشيخ صقر بن سلطان (1951-1965)، ودرست فيها ثلاث سنوات، وفي عام 1953-1954 جاءنا التعليم النظامي، وانتقلنا إلى المدرسة القاسمية في شارع العروبة، وكان نظام الدراسة يتكون من ثلاث مراحل وهي الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وكل مرحلة تتكون من أربعة فصول دراسية، وبحكم سننا ودراستنا في الإصلاح وضعونا في المرحلة المتوسطة، وكنا ندرس المنهاج الكويتي .
وبعد ذلك انتقلت إلى المرحلة الثانوية ودرست فيها الصف الأول الثانوي، وفي السنة الثانية حدثت مشكلة بيني وبين مدرس يسمى وليد برزنجي، وكان شديداً جداً ويستخدم القسوة والضرب مع الطلاب، حيث وشى أحد الطلاب وتم المناداة علينا في الطابور وكان الجو يومها شديد البرودة، وبدون سماع دفاعنا عن أنفسنا قام المدرس بضربنا بطرف المسطرة، وكاد أن يكسر أصابعنا المتجمدة من البرد، فقمت وتركت المدرسة ورجعت إلى البيت، وأخبرت والدي بأني لن أرجع إلى المدرسة، لأنني ظلمت وضربت من دون وجه حق، وحاول والدي معي ولكن من دون فائدة، حتى إن الشيخ سيف بن عبدالرحمن الشامسي، وكان المسؤول والمشرف على شؤون التعليم آنذاك، قام بزيارتنا في البيت بعد أن عرف القضية وكلمني وحاول معي لثنيي عن قراري، فلم أستجب له .
وبعد مدة رجعت إلى المدرسة ودرست السنة الثانية الثانوي ولكنني لم أكملها، حيث خرجت وبدأت بالعمل .
قصة مثل
حشرٍ مع الناس عيد
يقال هذا المثل عندما يجد الإنسان نفسه قد سار مع ما يسير فيه من حوله من غالبية الناس، حيث إنه يرى أن الجمعة واللمة خير من أن يبقى مكانه ساكنا وإن كان هذا الأمر لا يتوافق معه وإن لامه شخص ما على موقفه هذا رد عليه بهذا المثل .
من المعجم
قُفَّال: يطلق على آخر موسم الغوص وعودة السفن اسم القفال، وفي لسان العرب القفول: الرجوع من السفر، وقيل: القُفول رجوع الجند بعد الغزو، قفل القوم يقفلون، بالضم، ورجل قافل من قوم قُفَّال .