"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" (سورة البقرة: 127-129) هذه الدعوات المباركة هي لإبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء، وقدوة الموحدين، وخليل الرحمن، الذي وصفه ربنا بأنه الجامع لخصال الخير كلها: (إِن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمةً قَانِتًا لِلهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) سورة النحل الآية 120) وتتضمن هذه الدعوات مطالب عظيمة لا غنى عنها للعبد في أمور دينه ودنياه . فعندما جاء أمر الله لإبراهيم عليه السلام بأن يأخذ هاجر وابنه إسماعيل ويذهب بهما إلى الحجاز وتركهما في مكان لا زرع به ولا ماء نفذ خليل الرحمن أمر ربه ثم عاد . ومرت الأيام ونفد الطعام والماء اللذان كانا مع هاجر فأخذت تروح وتجيء بين الصفا والمروة، وحدثت المعجزة وتفجرت زمزم ببركة هذا الوليد لإروائه، حيث كان في حاجة شديدة إلى الماء، وهذه أولى المعجزات التي أيده بها ربه منذ ولادته . وبعدها جاءت جماعة إلى جوارهما واستأذنوا هاجر في السكنى بجانب البئر، فأذنت لهم وتبعتهم جماعة أخرى، وإذا بالوادي يعمر وينبض بالحياة وتعرج عليه القوافل .
بناء الكعبة
جمع الله لسيدنا إسماعيل بين الرسالة والنبوة وشرفه أعظم تشريف، حين جاء من نسله خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إن إسماعيل أول من نطق بالعربية البينة وهو ابن أربعة عشر عاما وأول من ركب الخيل واستأنسها . وبرع في رمي السهام، وكان إسماعيل عليه السلام نبيا صالحاً يحث أهله على طاعة الله وخصوصاً أداء الصلاة التي هي عماد الدين وأساسه، ويحثهم على أداء الزكاة أيضاً .
ويقول محمد علي الصابوني في كتاب "النبُوة والأنبياء"، عاش سيدنا إسماعيل في شبه الجزيرة العربية، وساعدت مياه زمزم على سكنى المنطقة وتعميرها . كبر سيدنا إسماعيل وبلغ أشده، وقتها رجع إبراهيم عليه السلام إلى مكة بعد مرور أعوام كثيرة ليبحث عن زوجته وولده إسماعيل، وبعد معرفته مكانهما لقي ولده وقد شب على الصلاح وحسن الخلق والطاعة، وكان رجوع إبراهيم بأمر من الله وقال لولده إسماعيل "إن الله أمرني أن ابني هنا بيتا"، وها هو قد صدر الأمر الإلهي ببناء بيت الله الحرام فى المكان نفسه الذي ترك فيه إبراهيم عليه السلام سيدنا إسماعيل وهو طفل رضيع مع أمه هاجر . وهو أول بيت وضع للناس فى الأرض، وأول مكان يعبد فيه الإنسان ربه .
الحجر الأسود
بدأ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ببناء الكعبة وحدهما وبذل النبيان الكريمان جهداً كبيراً حتى أتما بناء بيت الله، وبعد الانتهاء من بناء البيت أراد إبراهيم أن يضع حجراً مميزاً يكون علامة خاصة يبدأ منها الطواف حول الكعبة . فأمر إسماعيل أن يأتيه بحجر مميز يختلف عن لون الحجارة المستخدمة فى البناء، وسار إسماعيل عليه السلام على قدر ما فى وسعه من جهد وذلك تلبيه لأمر أبيه، وحين عاد كان سيدنا إبراهيم قد وضع الحجر الأسود في مكانه، فقال له إسماعيل عليه السلام: من الذى أحضره إليك؟ قال: أحضره جبريل عليه السلام، وبدأ بعد بناء الكعبة طواف الموحدين . وهنا دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ربهما: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" (سورة البقرة: الأية 127-129) .
من هدي المصطفى
ويقول د . سعيد بن علي بن وهف القحطاني في كتابه "شرح الدعاء من الكتاب والسنة": "هذه الآيات تضمنت الكثير من الفوائد الجليلة منها: أهمية القبول حيث إن مدار الأعمال الصالحة عليه، وذلك يقوم على الإخلاص لله تعالى، والاتباع لما جاء به الشرع المطهر . دلّت الآية على أن على العبد ملازمة سؤال الله قبول أعماله بعد أدائه لها، ومنها الدعاء، فقد كان هذا من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم: فإنه كان يستغفر ثلاثاً بعد الصلاة، وكان يقول بعد صلاة الصبح: "اللّهم إنّي أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً مُتقبّلا"، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "ربّ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي"، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عمل لا يُرفع: "اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عمل لا يُرفع"، وغير ذلك . ينبغي للعبد أن يكون في حال عبادته لربه ودعائه، - خائفاً راجياً، كجناحي الطائر، فلا يغلّب الخوف، فيقع في القنوط، ولا يغلب الرجاء، فيقع في الغرور، ويجب التوسّل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته بما يناسب المطلوب والسؤال، فإن "السميع" مناسب في سماع دعائهما، و"العليم" مناسب للعلم بنياتهما، وصدق تضرعهما، وكذلك "التواب الرحيم" . . ملازمة التواضع والإخبات لله تعالى في حال القيام بطاعته ولو بأجلّ العبادات والمقامات" .
وهكذا نرى أن الدعاء كان دائما ملجأ كل الأنبياء والمرسلين ومقصدهم، وأن العبد لا غنى له عنه في كل أحواله الشرعية والدنيوية .