تحقيق: زكية كردي
مع موسم الإجازات يتغير الكثير من معطيات الحياة الروتينية التي نعيشها، توقف دوام المدارس، السفر، الترفيه، وغيرها، لكن على صعيد العمل تكون التغيرات طفيفة إلا عندما يأخذ المدير إجازته السنوية التي ينتظرها البعض ليتنفسوا الصعداء في غيابه، فيبدعوا أكثر وترتفع إنتاجيتهم، حيث كشفت دراسة جديدة مؤخراً عن قدرة الموظفين على تأدية عملهم بشكل أفضل وبأكثر احترافية وذكاءً في حال غياب مديرهم. إلا أنه في أحيان أخرى فإن غيابه لا يكون مؤثراً كما يرى البعض، أو يكون لإجازته تأثير سلبي، حيث تضيع البوصلة عن البعض الآخر ويفقدون حماسهم للعمل، وفي كل الأحوال يرتبط هذا التأثير بشخصية المدير، ونوع الإدارة المتبعة في مكان العمل كما سنقرأ خلال السطور الآتية.

العلاقة مع المدير في العمل تكون جدلية غالباً، وهناك الكثير من الدراسات التي تناولت هذه العلاقة كونها تنعكس بشكل كبير على سوية العمل ونوعيته، حسب وجدي شريبا «مدير مبيعات»، يقول: «عندما أكون في إجازة يتصل بي عدد من الموظفين الذين يعملون معي للاطمئنان عليّ، أو لمجرد التواصل، وهذا يجعلني أشعر بأهمية المودة بيني وبينهم، لكن مع هذا لا أنكر أن العمل لا يكون كما يجب في غيابي، أما عن علاقته مع مديره فيصفها بأنها ودية إلا أنه يشعر بالراحة عندما يكون في إجازة، فتزيد إنتاجيته ومعدلات البيع في المحل».
وهناك مديرون يمكن القول عنهم (غياب الظالم رحمة) حسب نور أبو ردن، مصممة غرافيك، تقول: «عملت لفترة مع مديرة غريبة الأطوار، كانت متقلبة المزاج وعصبية بشكل لا يحتمل في بعض الأحيان، وكان هذا يزعجني ويجعلني غير قادرة على الإبداع في عملي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على المزاج الجيد وصفاء الذهن والقدرة على التركيز، لهذا كنت أشعر بأنني أعطي أفضل ما لدي عندما تسافر- وأحمد الله أنها كانت تسافر كثيراً، وتوضح بأن هذه الحالة ليست عامة فبعض المديرين يكونون دافعاً على التجديد، ويكون لهم مكانة المعلم فيضيفون الكثير للموظف بحكم خبراتهم الطويلة في العمل، وهؤلاء من يفتقدهم الموظف في غيابهم».
اتخاذ القرارات
عن تأثير غياب المدير في سوية العمل لدى الموظفين يرى عزمي عدلي «مدير علاقات عامة» أن الموضوع نسبي ويعتمد على شخصية المدير أولاً، وشخصية الموظف ذاته ثانياً، ويقول: «أحد المديرين يكون إيجابياً ومحفزاً لموظفيه، يهتم بكل كبيرة وصغيرة حول عمله، وهكذا يؤثر غيابه في سوية العمل، نظراً للاعتماد عليه في تنظيم الأمور واتخاذ القرارات، ووضع خطة عمل محكمة وإيجابية، بالإضافة إلى ثقل خبراته وقدراته في حل المشاكل التي تصادفهم في عملهم، وآخر يكون وجوده كعدمه فيعتاد الموظف على أن يقوم بعمله بالشكل ذاته في كلا الحالتين موقناً أن المدير غير كفء».
وفي معظم الأماكن يحل الموظف القديم أو مساعد المدير مكان المدير أثناء غيابه، كما تفعل ربا علي، التي تشعر بأن الأمر يكون مربكاً بالنسبة لها كونها تحتاج إلى الموازنة بين علاقة الصداقة مع زملائها في العمل، وبين حاجتها للحزم من أجل ضبط العمل ليكونوا أكثر التزاماً، وتقول: «ربما يشعر الكثيرون بالارتياح النفسي عندما يذهب المدير في إجازة، لكن عندما يكون الأمر مرهوناً بتحمل المسؤولية في غيابه يصبح الأمر مرهقاً وثقيلاً بالفعل، فسرعان ما يتبدد حماس البداية لأعد اليوم ريثما تعود مديرتي في العمل وتحمل هذه الأعباء عني».
الرقابة الذاتية
وترى شيخة سعيد، موظفة حكومية أن المديرين المتميزين يكون غيابهم صعباً على الموظفين، فقد يحل مكانهم موظف غير قادر على اتخاذ القرارات المهمة وتسيير أمور العمل، فيصبح خالياً من الإبداع، وتقول: «بالنسبة لي وجود المدير هو الوضع الطبيعي والصحي في العمل، كوني أشعر بالحرية خلال حضوره أكثر مما أشعر بها في غيابه، وهذا عائد لكونه شخصاً يحترم الإبداع، ويبذل جهداً للدفاع عن أفكار وجهد موظفيه، وهذه هي المواصفات الأساسية التي يجب أن تتوافر في المدير القائد»، وتضيف بأنها رغم هذا تعمل بجهد في غيابه إخلاصاً للقسم الذي تعمل فيه، واحتراماً له، إلا أن الإبداع يكون أقل نظراً لغياب الداعم.
ويوضح د. شافع النيادي، مدرب تنمية بشرية، أن الموظف عندما يشعر بغياب الرقابة المستمرة قد يتضاعف لديه الإبداع في العمل، نظراً لكون الخوف من الخطأ يعتبر من أكثر العوامل تأثيراً في الابتكار حيث تغيب القدرة على المغامرة، ووجود المدير يمنع غالباً هذا الشعور فيصبح العمل روتينياً، ويقول: «بعض المديرين يفضلون أن يكون الموظف مطيعاً، من دون إبداء رأيه وهذا يعيق الإبداع، وأيضاً قد يتيح غياب المدير الفرصة للموظفين ليتبادلوا الخبرات فيما بينهم، بالإضافة إلى تركيز الموظف على الإنتاجية بدل تركيزه على الدوام في الكثير من المؤسسات التي تنحو نحو استراتيجية الدوام المرن، فيكون لديه نوع من الرقابة الذاتية، فيعمل بشغف ومتعة وهذا يساعده ليبدع»، ويضيف بأن استغلال بعض المديرين للموظفين وإرهاقهم بالعمل يجعلهم غير قادرين على العطاء والإبداع، وهذا ما يقلب الأوضاع في غيابهم، ووجدت دراسات حديثة أن إنتاجية الموظف تضعف عندما يعمل لأكثر من 50 ساعة في الأسبوع.