أخبرنا القرآن الكريم عن عدة وقائع وأحداث مستقبلية لم تكن واقعة فعلاً، حين أشار إليها القرآن الكريم، ثم وقعت وتحققت فيما بعد، وأذكر بعض هذه الوقائع والأحداث على سبيل المثال لا الحصر مراعياً في ذلك ترتيب سور القرآن الكريم:
1- قال تبارك وتعالى "والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين" (سورة المائدة، الآية 67) .
لقد كان بعض الصحابة يتطوعون لحراسة الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) خوفاً من أذى الكفار واعتداءاتهم وغدرهم . فلما نزلت هذه الآية الكريمة قال (عليه الصلاة والسلام) لأصحابه: انصرفوا، أيها الناس، فقد عصمني الله من الناس . والسؤال: كيف يستطيع الرسول (عليه الصلاة والسلام) حماية نفسه من أُناس يناصبونه العداء لولا أنه موحى إليه، وأن الله عز وجل قد تكفّل بحمايته . والمعلوم أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) لم يتعرض لأي محاولة اعتداء عليه بعد نزول هذه الآية الكريمة التي تدل على نبوته كما تدل على إعجاز القرآن الكريم حيث أخبرت عن أمر مستقبلي قد تحقق فيما بعد، وهو عدم تعرّض الرسول (عليه الصلاة والسلام) لأي اعتداء .
2- قال عز وجل "وإذ يعدكم اللهُ إحدى الطائفتيْن أنها لكم" (سورة الأنفال، الآية 8) .
الطائفتان هما: العير وهي قافلة قريش الآتية من الشام وهي تحمل البضائع . والنفير وهو جيش قريش الآتي من مكة لقتال المسلمين . وقد نزلت هذه الآية الكريمة قبل بدء معركة بدر الكبرى، وتشير هذه الآية إلى أن المسلمين سينالون إحدى هاتين الطائفتين . وهذا ما حصل فعلاً حيث وقعت المعركة وانتصر المسلمون على جيش قريش . فالمسلمون قد بُشّروا بالنصر قبل حصول المعركة، ووفّى الله سبحانه وتعالى لهم بما وعد .
3- قال سبحانه وتعالى "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً . يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومَنْ كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" (سورة النور، الآية 55) .
في هذه الآية الكريمة وعدٌ من الله سبحانه وتعالى بنصر الإسلام على الكفر، وأن يجعل المسلمين خلفاء في الأرض وأن يمكّن لهم الدين الذي ارتضاه لهم، وهو دين الإسلام، وأن يمنحهم الأمان بعد الخوف، وقد صدق الله وعده في ذلك كله .
4- قال عز وجل: "غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون" (سورة الروم، الآيات 2-4) هذه الآيات الكريمة مكية، ونزلت لتبشّر الروم بنصرها على الفرس في بضع سنين، أي في أقل من عشر سنوات، بعد أن كانت الروم منهزمة على يد الفرس . فلو افترضنا أن هذه المعلومة من الرسول (عليه الصلاة والسلام) نفسه فكيف يجازف ويثبت على نفسه هذا الخبر قبل حصوله؟! لأن الخبر إذا كان من الإنسان كإنسان فإنه يحتمل الصدق والكذب . فهل يُعقل من نبي يخبر الناس بخبر ورد في القرآن الكريم ويحتمل الوقوع وعدم الوقوع لولا أنّ هذه الآيات من الله سبحانه وتعالى لتأكيد حصولها مستقبلاً؟ وفعلاً تغلبت الروم على الفرس في أقل من عشر سنين .
5- قال سبحانه وتعالى "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" (سورة الفتح، الآية 1) . هذه الآية الكريمة بشارة من الله عز وجل للرسول (عليه الصلاة والسلام) بدخول مكة المكرمة فاتحاً (الفتح الأعظم)، ولم يكن فتح مكة حين نزول سورة الفتح حاصلاً وواقعاً . فالسورة نزلت في السنة السادسة للهجرة، أما فتح مكة فقد وقع في السنة الثامنة للهجرة .
6- قال تبارك وتعالى: "فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً" (سورة الفتح، الآية 18) . هذه الآية الكريمة بشارة من الله رب العالمين بانتصار المسلمين في غزوة خيبر التي وقعت في بداية السنة السابعة للهجرة، أي بعد نزول سورة الفتح، وأكد سبحانه وتعالى البشارة بالفتح القريب في موضعيْن آخريْن من السورة نفسها بقوله "فعجّل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم" (سورة الفتح، الآية 20)، وقوله: " . . . فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً" (سورة الفتح، الآية 27) فهذه الآيات الكريمة أشارت إلى غزوة خيبر لأهميتها، ولأن ضرورة السياق اقتضت ذلك . وأن الرسول (عليه الصلاة والسلام) حصر توزيع غنائم خيبر على المسلمين الذين شاركوا في غزوة خيبر فقط .
7- قال رب العالمين "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخُلُنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين لا تخافون" (سورة الفتح، الآية 27) . هذه الآية الكريمة بشارة من الله سبحانه وتعالى للرسول (عليه الصلاة والسلام) بتحقيق الرؤيا ودخول مكة مع صحابته الكرام رضوان الله عليهم مُحرمين مُعتمرين، وذلك في السنة السابعة للهجرة، أي بعد صلح الحديبية بسنة واحدة . والمعلوم أن سورة (الفتح) نزلت في السنة السادسة للهجرة بعد إبرام عقد صلح الحديبية مباشرة .

د . عكرمة صبري

رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس