تحقيق: زكية كردي
سلط انتشار لعبة «بوكيمون غو» حول العالم الضوء على مدى اهتمام الكبار بالألعاب الإلكترونية، وانشغالهم بها عن أفراد أسرهم، الأمر الذي يغير من مفاهيم عدة ظلت متداولة على مدار السنوات الماضية مضمونها أن الأطفال هم الأكثر ارتباطاً وانشغالاً بمثل هذه الألعاب، وأنها توثر في تركيزهم وتحصيلهم الدراسي واندماجهم مع والديهم وأشقائهم، الأمر الذي تسبب في تباعد المسافات بين أفراد العائلة، وارتباط الصغار بعالم افتراضي يدورون في فلكه ويصبح محور حياتهم. لماذا يرتبط الكبار بالألعاب الإلكترونية ؟ وهل هي وسيلة للهروب من الواقع والمشاكل اليومية؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه في السطور المقبلة.
بدأت حكاية طارق عبد المجيد المؤمن «موظف مبيعات» مع الألعاب الإلكترونية قبل أكثر من 5 سنوات مع لعبة شهيرة تدعى «ترابيان»، وحالياً يتابع طارق 3 ألعاب يقضي معها في الأيام العادية حوالي 4 ساعات، أما في يوم عطلته فيجاوز العشر ساعات، وعن الفائدة التي يجدها في هذه الألعاب، يقول: هذه الألعاب تجعلنا نشغل أدمغتنا ونفكر بشكل استراتيجي، وبعضها تكون تعليمية، مثل لعبة «بيانو» التي تعرفت إليها مؤخراً والتي تزيد من سرعة حركة الأصابع، وعن الأسباب التي تجعله يدمنها يوضح أنه بعيد عن عائلته، وليس لديه الكثير من الأصدقاء، إضافة إلى طبيعته كشخص يفضل البقاء في المنزل على الخروج، لكنه يبتعد عن الألعاب وينساها في الإجازة عندما يكون مع عائلته، وأيضاً عندما يكون مشغولاً في مهمة عمل، أو في حالة عدم توفر شبكة الإنترنت.
أما فاطمة الحمود «ربة منزل» فقد ارتبطت بالألعاب الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب صديقتها، وتقول: منذ صغري أتحاشى التعلق بلعبة تشغلني لأني أعرف أني كشخص عرضة لإدمان الأشياء، وأعرف أن الألعاب تضيع الوقت، لكن صديقتي أصرت على أن تشغلني بهذه الألعاب لترسل الهدايا من لعبتي إلى لعبتها، وهكذا وجدت نفسي متورطة بها، ولم أشعر بحجم هذا التورط إلا عندما انتقلت من منزل إلى آخر ووجدت نفسي أتجاهل التفكير بكل الأعمال التي علي القيام بها، والفرحة بالبيت الجديد، وأفكر بإلحاح في شبكة الإنترنت المقطوعة في البيت الجديد ولعبتي التي علي أن أتابع تقدمي فيها، عندها قررت أن أتخلص من هذه اللعبة، وبالفعل هذا ما قمت به عندما تم وصل شبكة الإنترنت إلى منزلي الجديد، ومن حينها لم أعد لاستخدام أي لعبة.
وعندما كانت تمر بفترة عصيبة من حياتها وجدت هدى عبد النبي «ربة منزل» ضالتها في الألعاب الإلكترونية، فكانت تهرب من التفكير بالواقع إلى عالم الألعاب الافتراضي، وتوزع وقتها على 5 ألعاب تسهر معها حتى الصباح، وتقول: عندما فقدت عملي لجأت إليها لأشغل نفسي عن التفكير، فقد كنت يائسة ومحاطة بالمشاكل، لهذا كنت أقاوم الكآبة بالهرب إلى تلك الألعاب التي أصبحت إدماناً لدي، لكن خف تعلقي بها عقب ولادتي لابنتي الأولى كونها تأخذ معظم وقتي، وتضيف بأن أصدقاءها والمحيطين بها كانوا يتذمرون تارة من تعلقها بالألعاب إلى هذه الدرجة، ومن تضييعها للوقت بهذه الطريقة المستفزة، إلا أنها لم تكن تبالي، ولا تنصت لأحد، ولم تستطع التوقف حتى أجبرتها ابنتها على ذلك.
أما عمر إبراهيم «موظف حكومي» فقد أدمن لعبة المزرعة السعيدة منذ سنوات، وما يزال حتى اليوم مرتبطاً بها، ولاحترافه اللعب أنشأ مزرعتين في حسابين مختلفين ليدعما بعضهما البعض، ويقول: في البداية كان هناك إقبال عام على هذه اللعبة، والجميع يتحدث عنها، وعندما جربتها وجدتها سهلة ومسلية وكنت وحيداً وبعيداً عن عائلتي، ومع مرور الوقت صرت محترفاً فيها، وأشعر بالسعادة عندما أنفذ الصورة التي أتخيلها على واقعي الافتراضي، لكن مع قدوم عائلتي للعيش معي لم يعد لدي متسع من الوقت كما في السابق، وبدأت أبتعد عنها بالتدريج، لكني لم أتركها فأبنائي صاروا يشاركونني اللعب ويستمتعون بها.
ويرفض ماهر إبراهيم «موظف مبيعات» الهجوم الذي لاقته لعبة «بوكيمون» التي انتشرت مؤخراً في مختلف أنحاء العالم، مشيراً إلى أنها مجرد لعبة تتمتع بميزات إضافية كونها تدفع الإنسان إلى الحركة، ولا تستدعي هذا التخوف والاتهامات التي واجهتها، ويرجع السبب إلى أن بعض المجتمعات العربية تصر على محاربة كل جديد، والمبالغة في التخوف منه، وعن تعلقه بالألعاب الإلكترونية، يقول: لو نظرنا إلى الأمر من جانب آخر لوجدناها تمتلك الكثير من الإيجابيات لو تعاملنا معها باعتدال، فهي تصفي الذهن، وكثير منها تنمي المهارات الفكرية وحتى المعرفية، وهذا ما يجذبني إليها، إضافة إلى أنها تمثل حلاً غير مؤذ لمن يشعر بالوحدة، أو لديه الكثير من وقت الفراغ.
يصحو ابنها ذو الأعوام الست ليتفقد شحن «آي باد» إذ يغضب كثيراً إذا لم يكن بنسبة مئة في المئة، ويباشر اللعب قبل حتى أن يغسل وجهه، فالتحدي بينه وبين أبناء الجيران، والذين هم في مثل سنه تقريباً مستمر طوال الوقت، وتقول خولة إبراهيم «ربة منزل»: حاولت أن أرسله إلى النادي الصيفي لأبعده عن هذه الألعاب قليلاً وليستمتع بالألعاب الرياضية ويتعلق بإحداها، لكنه كان يرفض الذهاب أحياناً، ويتوسل إلينا ألا نجعله يقصد النادي الصيفي طوال العطلة، فتوقفنا عن إرساله بعد انتهاء الشهر الأول، واستسلمنا للأمر الواقع كما هي حال معظم الأهالي.
وعلى الرغم من أن غرفة ولديها تغص بالألعاب إلا أنهما يهجرانها تماماً ليتمسك كل منهما بالألعاب الإلكترونية خاصة المرتبطة بـ «إكس بوكس» الذي أصرا على إحضاره مؤخراً، وتقول: منذ شهر تقريباً وهما يلحان على هذا الجهاز الجديد متذرعين بأنهما الوحيدان بين أصدقائهما اللذان لا يمتلكانه، ولهذا نزلنا عند رغبتهما أخيراً، فقد كان الهدية التي اختاراها للعيد، أما تلك الألعاب التي نصر على إحضارها لهما لإبعادهما عن الألعاب الإلكترونية فلم تعد أكثر من مجرد ديكور في غرفتهما.
وعن سبب استسلامها لتعلق أبنائها بالألعاب الإلكترونية وعدم محاولتها فعل شيء لإيقاف الأمر توضح زينب عبد الحميد «موظفة» أن عملها يضطرها لقضاء ساعات طويلة خارج المنزل وترك أبنائها برفقة الخادمة، والوضع مماثل بالنسبة للأب، إضافة إلى قيامها بعدد من الواجبات المنزلية عند عودتها من الدوام، ما يجعل مساحة الوقت الذي تتركه لأبنائها ضيقة رغماً عنها، فلاهي تستطيع ترك العمل، ولا هي تستطيع تقليص الوقت الذي تقضيه في القيام بالواجبات المنزلية من تحضير طعام وإشراف على أمور المنزل، إضافة إلى المجاملات الاجتماعية، وتقول: حالة إدمان الأطفال على هذه الألعاب أصبحت عامة ومنتشرة في كل أسرة تقريباً، وهذا عائد بالدرجة الأولى إلى اضطرار الأم للعمل لتساعد الأب في مواجهة متطلبات الحياة المتزايدة، وللأسف من الصعب جداً التفكير بالحلول عندما لا يتوفر الوقت.
ويوضح د. عبد العزيز العساف «مستشار نفسي» أن سبب تعلق الكبار بالألعاب عائد إلى شعورهم بنقص ما يعوضوه فيها، فالرجال الذين يتجهون إلى مشاهدة الأفلام بكثرة، أو الألعاب الإلكترونية وغيرها، يعانون الفراغ ويسعون لشغل الوقت، ويملؤنه بالألعاب، وعن الطريقة التي يتخلص فيها الكبار من هذا الإدمان يذكر أن هناك نوعين من العلاج، السلوكي، والسلوكي المعرفي، ويقوم العلاج السلوكي على إشغال الوقت بالمذاكرة والعمل بمساعدة العائلة والمقربين بخلق الحافز لدى الشخص المدمن، أما العلاج السلوكي المعرفي فيعتمد على تشخيص الحالة لتحديد النقص عند الشخص لمعرفة طريقة العلاج المناسبة استناداً للتحليل، ويشير إلى أن إدمان الألعاب الإلكترونية يعتبر أكثر خطورة عند الأطفال فهم أصحاب مخيلة أكبر، موضحاً أن الطفل تكون لديه رغبات وقدرات ليس بمقدرة الأبوين تفهمها، لهذا يعتبر المعيار مختلفاً بالنسبة له، فهو يمتلك الكثير من القوة والجرأة، لكنه لا يستطيع التعبير عما بداخله، وإن عبر فهو لا يلقى الرد الفكري والعصبي الذي يلائم تفكيره ومستواه، ولهذا هو يعيش المتعة في اللعب في هذه المرحلة وهي أيضاً تعتبر وسيلة للهروب من الواقع.
أما عن العلاج بالنسبة للأطفال فيقول العساف: يجب أن يمتلك الوالدين القدرة على استيعاب الطفل، ويهتمان كثيراً بمعرفة هواياته، وبتنظيم وقته للطعام، وللعب، وممارسة الهوايات التي يحبها، وللمذاكرة وغيرها، بحيث لا يتركون مجالاً للألعاب الإلكترونية، لكن الواقع يشير إلى أن الكثير من الأهالي يدفعون أبناءهم لهذه الألعاب طلباً للراحة، وليتمكنوا من القيام بواجباتهم وتقضية أمور حياتهم، فيكونا السبب في إدمان الأبناء عليها دون إدراك لمخاطرها، فهي تتسبب بالكثير من المخاطر النفسية والعصبية والجسدية، فقد تؤدي إلى الانطوائية والانعزال، وتؤثر في فكر الطفل وجسده، فقد يعاني فقداناً للشهية، واضطراباً في النوم، وحتى سلساً في البول، التبول اللا إرادي أيضاً، إضافة إلى القلق الدائم لدى الطفل، وأخيراً عن مخاطرها بالنسبة للكبار يضيف بأن الكبير قد يعاني الانطواء والعزلة عن المجتمع، وحتى عن عائلته.
يوافقه الرأي د. علي الدوري أستاذ مشارك ومدير الإعلام في كلية الأم والعلوم الأسرية في أن الأهالي أصبحوا اليوم يشجعون أبناءهم على هذه الألعاب مرجعاً هذا إلى الكسل، ومرجحاً أن الأم هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن زيادة إقبال الأطفال على الألعاب الإلكترونية، فهي المسؤولة عن تربية الطفل في المرحلة الأولى من حياته، وعن صحته، ونشاطه الحركي، وكل جوانب حياته، ولكنها أصبحت تجده راحتها بالتخلص من مسؤوليتها تجاه هذا الطفل، ومن رغباته بإعطائها هذه الألعاب حتى وقت الطعام، فالكثير من الأطفال الصغار اليوم يرفضون تناول الطعام إن لم يكن «آي باد» حاضراً، وعن مخاطر هذه العادات، يقول: المخاطر كبيرة، وسوف نراها بعد عدة سنوات، فقد بدأت نتائجها تظهر في أوروبا التي سبقتنا إليها، وأجمع علماء النفس والاجتماع على أن الطفل يخزن الخبرات والمعلومات عن طريق حاسة البصر بنسبة 83%، ومن حاسة السمع بنسبة 11% فقط، وهذا يجعلنا نقلق حقاً من المضمون الذي تحويه هذه الألعاب، المعروفة بترويجها للعنف عموماً، لهذا نحن نتخوف منها حقاً، ونوصي الآباء بعدم السماح للأطفال بمشاهدة أفلام العنف، حتى لا تخل بمخيلتهم، حتى الشجار بين الأبوين لا يجوز أن يكون أمام الأبناء حتى لا يخزن في الذاكرة، وينوه بجزئية أخرى مشيراً إلى أن معظم الألعاب ليست مصنعة عربياً، وبالتالي فهي لا تحمل قيمنا وعاداتنا، ويوضح أن على الأم أن تعتني بوقت طفلها، فالطفل بطبعه يحب التنوع، ولا مانع أن يكون هناك وقت لهذه الألعاب لكن بوعي، فتختار له ألعاباً تعليمية، فيها برامج لغوية وثقافية، وتكون لوقت محدود جداً.
أما من الناحية الاجتماعية فيعتبر العصر الحالي عصر الفراغ الاجتماعي بجدارة كما يصفه د. موسى شلال أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات، موضحاً أن أسلوب الحياة الذي نعيشه اليوم لا يتيح فرصة للتواصل كما كان سائداً في السابق، حيث كان الناس يشغلون وقتهم بالزيارات العائلية، وهذا ما نفتقده اليوم، فحتى العلاقات في البيت الواحد تدل عليها نماذج البناء الحديثة التي صارت تولد المزيد من الانفصال تحت اسم الاستقلالية، فيُخصص قسم في المسكن للأطفال، وآخر للكبار، وهكذا إلى مزيد من التباعد داخل الأسرة نفسها، ومزيد من الوحدة التي تعتبر من أقسى العقوبات، فهي العقوبة الأشد داخل السجن نفسه، ويوضح بأن ضغوط الحياة الكثيرة اليوم وقلة الراحة جعلت الإنسان يبحث عن طريقة لملء هذا الفراغ، ويقول: الحياة في الماضي كانت أكثر هدوءاً واتزاناً، الناس كانوا إما تجاراً أو مزارعين و بالتالي كانوا أكثر هدوءاً، ولديهم الكثير من الوقت، أما اليوم فالأغلبية موظفين يعانون ضغط العمل، ومن الازدحام في الطرق، ومن الضغوط المادية التي لا تنتهي، وهذا يدفعهم للبحث عن هذه الألعاب التي يفرغون من خلالها شحناتهم المكبوتة، والتي قد تكون شريرة فهي تجد ضالتها في الألعاب التي تميل للعنف بمعظمها، إنسان اليوم غير قادر على تحقيق ما يتمناه لنفسه ولأسرته، لهذا يستجيب شعوره الداخلي لهذه الألعاب، ويشير بدوره إلى جاذبية هذه الألعاب أيضاً، فهي مصممة لتجذب الكبار والصغار، ومبنية على تقنيات مبهرة بحيث تصعب مقاومتها فهي تدر أرباحاً كبيرة على الشركات المصنعة والتي استطاعت أن تنشرها في العالم بأكمله، ويتوقع د. شلال أن الإقبال الشديد على هذه الألعاب يعتبر مرحلة ناتجة عن التغير الاجتماعي المادي المفاجئ، والطفرة الإلكترونية في المنطقة، وأنها ستنتهي بتغير المجتمعات بعد فترة، فالكثير سيعون خطورة دخولهم مرحلة الإدمان بأنفسهم، وسوف يتوقفون، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك ضحايا كثر لهذه الألعاب.

الملجأ الوحيد

يوضح د. أحمد العموش عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الشارقة أن الفراغ الذي يعيشه أطفالنا ومجموعة من الكبار اليوم يدفعهم إلى الألعاب الإلكترونية، فقد باتت الملجأ الوحيد لهم، خاصة مع الترويج الهائل لها، ومع غياب التواصل الأسري، فصار الطفل يقضي وقته مع لعبته بدل أن يتعلم ويكتسب الخبرات من الأهل، والأخوة الكبار، فتجده منصباً على هذا النشاط الروتيني الذي بات يجذب الجميع، فهي عملياً عبارة عن نشاط روتيني يفصل الإنسان عن عالمه الحقيقي، ويجعله يهرب من مشكلاته، ولابد من مواجهة هذه المشاكل سواء بالنسبة للكبار، أو الصغار.
ويطالب بأن تنتبه الأسر إلى خطورة هذا الأمر، فإضافة إلى خطورة الإدمان على هذه الألعاب وأثارها الاجتماعية والنفسية في الطفل، هناك ألعاب تعتبر خطرة بذاتها، وخاصة غير المرخصة التي يتم تحميلها عبر شبكة الإنترنت، وقد تكون مضرة بالأطفال.

الملجأ الوحيد

يوضح د. أحمد العموش عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الشارقة أن الفراغ الذي يعيشه أطفالنا ومجموعة من الكبار اليوم يدفعهم إلى الألعاب الإلكترونية، فقد باتت الملجأ الوحيد لهم، خاصة مع الترويج الهائل لها، ومع غياب التواصل الأسري، فصار الطفل يقضي وقته مع لعبته بدل أن يتعلم ويكتسب الخبرات من الأهل، والأخوة الكبار، فتجده منصباً على هذا النشاط الروتيني الذي بات يجذب الجميع، فهي عملياً عبارة عن نشاط روتيني يفصل الإنسان عن عالمه الحقيقي، ويجعله يهرب من مشكلاته، ولابد من مواجهة هذه المشاكل سواء بالنسبة للكبار، أو الصغار.
ويطالب بأن تنتبه الأسر إلى خطورة هذا الأمر، فإضافة إلى خطورة الإدمان على هذه الألعاب وأثارها الاجتماعية والنفسية في الطفل، هناك ألعاب تعتبر خطرة بذاتها، وخاصة غير المرخصة التي يتم تحميلها عبر شبكة الإنترنت، وقد تكون مضرة بالأطفال.

أعراض تتشابه مع التلف الدماغي

أفادت دراسة أجرتها إحدى المؤسسات الصينية على عينة من المدمنين للألعاب الإلكترونية أن نحو 70% منهم يعانون أعراضاً تتشابه مع أعراض الإصابة بالتلف الدماغي، خاصة فيما يتعلق بالسلوك. وأظهرت تقارير أن نحو 100 مليون صيني -من أصل أكثر من 600 مليون مستخدم للإنترنت- تبدو عليهم أعراض الإدمان على هذه الألعاب.
ومن أكثر هذه الأعراض شيوعاً -بين المستخدمين للإنترنت- ضعف القدرة على ضبط النفس، وتحكم الألعاب في سلوك المدمنين.
ويشكو الكثير من الشباب الصيني من الفراغ الذي يجدونه في منازلهم خاصة عند غياب الأبوين للعمل، وهو ما يدفعهم للإقبال على المقاهي الإلكترونية.

برامج وتطبيقات ذكية تعلن انتهاء عصر الخصوصية

تحقيق: زكية كردي
كأنك تحمل معك دائماً، من يتجسس عليك، تجعله ينام قربك، ويصحو معك، أو يوقظك وقتما يشاء، بل أنت تمنحه جميع تفاصيل حياتك، وتسمح له بأن يقتحم عليك الأبواب والنوافذ، متخلياً بنفسك عن خصوصيتك، دون أن تدري.
فمع كل تطبيق وبرنامج تُحّمله على هاتفك المتحرك، قائمة طويلة من الشروط والأحكام التي لم يقرؤها أحدنا يوماً، ولكننا مثل الملايين غيرنا نوافق عليها، وأكثرنا لا يعرف شيئاً عمّا يسمى «تجارة المعلومات الشخصية»، وهو اللفظ المهذب للتجسس على تفاصيل حياتنا، التي نمنحها للآخرين بالمجان، دون أن ندري. إلى ذلك فهناك ما نوافق عليه بملء إرادتنا أحياناً، وهي التطبيقات والخصائص التي تتيح للآخرين معرفة تحركاتنا، والاطلاع على الكثير من التفاصيل التي تخصنا، كما هي الحال عند الاشتراك في مواقع التواصل الاجتماعي.
بينما كانت تجلس برفقة ابنتها في المقهى، اكتشفت أن صديقتها التي تهربت منها قبل ساعة، وأخبرتها بأنها مرهقة، وسوف تذهب لترتاح في بيتها، تجلس في المقهى المجاور، لهذا قررت نسرين محمد، ربة منزل، أن تفاجئها.
تقول: فتحت «فيس بوك»، فوجدت خاصية تحديد الموقع تعلمني أن صديقتي في المقهى المجاور، فقررت الذهاب لمفاجأتها، ولم يخطر لي أنها ربما كانت تتهرب مني لشعورها بالحرج، لسبب آخر، بل شككت في كذبها علي، أما صديقتي فكانت تشعر بالحرج الشديد عندما رأتني. مضيفة أن هذه البرامج والخصائص، يمكن التحكم فيها غالباً، رغم أنها خيارات تتيح السماح للآخرين بمعرفة تفاصيل حياتنا، وأماكن وجودنا، أو العكس. وفي النهاية الأمر يتعلق بنا قبل أي شيء.
لكنه ليس دائماً خياراً إرادياً، خصوصاً في حالة بعض الشركات التي تنبهت إلى فائدة هذه المزايا لمراقبة تنقلات موظفيها، كما يخبرنا يوسف عبدالله، موظف مبيعات، في إحدى الشركات: تعتمد طبيعة عملي على التنقل، فأنا أقضي معظم ساعات العمل، خارج الشركة لأسوق منتجاتها، ويُصادف ذلك أن أنجز المهام المطلوبة مني مبكراً، فأعود لأرتاح في المنزل، أو أتجه إلى المقهى. لكن هذا النظام جعلني أنفر من العمل، وأشعر بأنني أسير، فلا يمكن أن يرتاح الإنسان نفسياً، وهو يفتقد خصوصيته وفسحته الإنسانية، فلا أحد يحب أن يكون مراقباً، أو يشعر بالراحة لهذا. وفي المقابل فقد تكون هناك إيجابيات لهذه التطبيقات والخصائص، وفق روعة الخطيب، ربة منزل، التي تذكر أن هذه الخصائص جمعتها بصديقتها بعد سنوات من الغياب، تقول: بالمصادفة كنت قريبة من منزل صديقتي التي لم ألتق بها منذ سنوات، فوجدتها تتصل بي، وتصر على دعوتي لزيارتها، وهكذا عدنا نتواصل من جديد. تضيف: الطريف أننا اعتدنا أن نراقب تنقلات بعضنا البعض، عبر خاصية تحديد الموقع على «فيس بوك»، فعندما أجدها قريبة أتصل لأخبرها أنني كشفت مكانها، والعكس بالعكس.
وبالمثل يتمتع تطبيق تحديد الأجهزة القريبة في جهاز «آي فون» بخاصية مشابهة، فهو يخبرك عن أصدقائك الموجودين في المكان نفسه، ممن يحملون الجهاز نفسه، وهناك من يستمتعون بالبحث عن أصدقائهم، مثل أحمد حسون، طالب جامعي، الذي غالباً ما يداعب أصدقاءه من خلال هذا التطبيق، فيكشف أماكن وجودهم، ويتصل بهم ليمازحهم.
عن ذلك يقول أحمد: لا شك في أننا نتعامل مع هذه المزايا، من باب المزاح والتسلية، إلّا أن لها سلبياتها الاجتماعية، وأعرف أحدهم فُسخت خطبته، بسبب اكتشاف خطيبته كذبه عليها عبر هذا التطبيق.
وُجدت التكنولوجيا لتحسن حياتنا، لكن آثارها تظل متعلقة بطريقتنا في التعامل معها، هذا ما يؤكده محمد اللبان، موظف مبيعات، الذي يستغرب أن يشرع البعض أبواب حياتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيشاركون صورهم ومشاعرهم ومشاكلهم، دون مبرر واضح أو منطقي.
يقول، من الأمور الأكثر غرابة بهذا الخصوص، إعلانات شاهدتها قبل مدة، عن برامج تتيح للأهل مراقبة أبنائهم، وتدعو الزوجات إلى مراقبة أزواجهن؛ إذ يمكن أن يراقب الشخص هاتف الآخر من دون علمه، من خلال هاتفه، فيعلم بأمر جميع المكالمات، والرسائل، والدردشات التي يجريها الآخر، وحتى عمليات البحث التي يقوم بها. ويضيف أن انتشار مثل هذه البرامج يشير إلى انتشار المرضى والمعقدين، وأنه يجب حظر مثل هذه البرامج، ومعاقبة من يلجأ إليها.
لكن يبدو أنه مع انتشار الأجهزة الذكية، التي تشبه الفخ الذي وقع فيه الجميع، باتت الخصوصية أمراً شبه مستحيل، لذلك يصر عماد حامد، موظف متقاعد، حتى يومنا هذا على استخدام أجهزة الموبايل القديمة، مؤكداً أنها الأفضل. ويقول: لست مصاباً بالوسواس، لكن من يقرأ كثيراً، ويتأمل يعرف كثيراً، فلست أرى في نشر خصوصياتنا على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة صحية، ومن يتأمل قليلاً، ويفكر بمنطقية يجد أنها ولّدت الكثير من المظاهر السلبية في مجتمعنا.
يضيف: على صعيد الخصوصية، فإن مزايا التتبع والتنصت وغيرها، جعلت من الهواتف الحديثة وتطبيقاتها أدوات تجسس، نعطيها الإذن لمعرفة كل خصوصياتنا بملء إرادتنا، فمن يضمن أن صورنا لا يمكن أن تُسرق؟ وأن جميع أسرارنا المخزنة بها لن تتسرب؟ على الأقل للشركات التي تبتكر هذه البرامج. لهذا أنا لا أستخدمها، وأنصح أبنائي بخصوصها، وإن من غير السهل إقناعهم، فهم أبناء هذا العصر الذي غزته هذه الأجهزة والتطبيقات.

احذروا تجار المعلومات الشخصية

يوضح ضياء الحناوي، مهندس اتصالات، أن المعلومات الشخصية تتسرب بطريقتين: شرعية وغير شرعية، أما الطريقة غير الشرعية فتتمثل بالبرامج الخبيثة التي يتم تصميمها خصيصاً للحصول على المعلومات بغرض بيعها، فتجارة المعلومات الشخصية تأتي اليوم في الدرجة الثانية، بعد تجارة النفط عالمياً، وفق قوله.
والطريقة الشرعية، تكون عن طريق استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، أو تحميل البرامج التي تتيح للآخر التجسس علينا، بعلمنا وموافقتنا، مثل «فيس بوك» وغيره.
ويلفت الحناوي إلى خطورة الشروط التي نوافق عليها جميعاً، عند تحميل الكثير من البرامج، أو المشاركة في مواقع التواصل، فقليل من يعلم أن هذه الشروط التي نوافق عليها، دون أن نقرأها، تعطي الموقع الحق باستخدام صورنا، وجميع المعلومات التي تخصنا، والدخول إلى رسائلنا النصية، والصوتية، وحتى مكالماتنا الهاتفية.
ويلخص كلامه في نصيحتين للحماية، الأولى أن على كل من يقتني جهازاً إلكترونياً حديثاً، تحميل برنامج مكافحة الفيروسات على الفور، والثانية إيقاف خواص نشر المعلومات ومشاركتها مع الآخرين على مواقع التواصل.


التفاصيل

هيا خالد الهاجري
أغلب الناس أصبح يعرف تفاصيل حياة الأشخاص المشهورين الذين يتابعهم في برامج التواصل الاجتماعي ويعجب بهم، فهو يعرف جميع تفاصيل حياة هؤلاء، ماذا يأكلون، ما وجبتهم المفضلة في الصباح، وما المشروب المفضل لديهم، وما اللون المحبب لديهم، ولمن يقرؤون، وبأي عطر يتعطرون، وأي ماركات يحبون أن يرتدوها وحتى كم مقاس أقدامهم وملابسهم، وبأي ساعة يتناولون العشاء، وما البرنامج المفضل لديهم، وأين يحبون قضاء إجازاتهم، وماهي المدينة المفضلة لديهم، وأي فريق رياضي يشجعون، وعدد أفراد أسرهم، وأسماءهم وحالتهم الاجتماعية، إلخ.
كما يعرفون تاريخ ميلاد مشاهيرهم باليوم والساعة والدقيقة، ومكان ميلادهم كاسم المدينة أو القرية التي ولدوا فيها، تفاصيل دقيقة يفاخر بعضهم بأنهم يعلمونها عن المشاهير، وذلك بسبب بعض البرامج التي أسرت الكثير بمتابعتها وهي موجودة بكثرة وشجعت المشاهير على تصوير تفاصيل حياتهم كلها بالساعة والدقيقة والثانية.
وكأن المعجبين يعيشون في نفس المنزل الذي يعيش فيه هذا الشخص المشهور من إعلاميين أو ممثلين أو مغنين أو غيرهم، فلا يفوّتون أي تفاصيل يصورها المشاهير، بل إنهم يرغبون ويطلبون المزيد من هذه التفاصيل.
والغريب أن الوقت الذي يقضيه الفرد بمتابعة تفاصيل حياة مشاهيره المفضلين هو وقت مستقطع من أوقات الفرد نفسه وحياته الخاصة، فهل فعلاً الفرد يعرف ما اللون المفضل لدى أحد أفراد أسرته؟ أو ما هي أكلته المفضلة؟ أو اهتماماته أو هواياته؟ أو الأماكن التي يحبونها؟
أعتقد بأن أغلب الأشخاص يجهل بعض تفاصيل حياة أفراد أسرته التي تعيش معه تحت سقف واحد، ويعرف مئات التفاصيل عن المشاهير في برامج التواصل الاجتماعي، الذين يعيشون بعيداً عنه بمئات بل آلاف الأميال.