أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة على رأس جماعة من أتباعه كبيرة العدد آخذة في النمو، يتطلعون إليه زعيماً وقائداً، ولا يعترفون بسلطان غير سلطانه، دون إثارة أي شعور من القلق أو خوف من التعدي على السلطة المعترف بها . . . وهكذا باشر الرسول صلى الله عليه وسلم سلطة زمنية كالتي كان يمكن أن يباشرها أي زعيم آخر مستقل، مع فارق واحد، وهو أن الرباط الديني بين المسلمين يقوم مقام رابطة الأسرة والدم . وقد أصبح الإسلام، بشكل أو بآخر نظاماً سياسياً بقدر ما كانت تسمح به ديانته السماوية .

اتجه نظر الرسول صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة إلى العمل على إقامة شعائر دينه الجديد فبنى مسجده الذي دفن فيه . وكان المسلمون يجتمعون في المسجد للصلاة لا ينادي بها أحد فيهم، فتكلموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: اتخذوا قرناً (بوقاً) مثل قرن اليهود، فقال عمر رضي الله عنه: أولا تتبعون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال الرسول: يا بلال قم فناد بالصلاة . وكان بلال إذا جاء وقت الصلاة يقول: الصلاة جامعة . وكان من المنادين عبد الله بن زيد بن ثعلبة الأنصاري الذي كان يوماً بين اليقظان والنائم، فرأى شخصاً يلقنه الأذان، فحضر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقص عليه ما رأى، فقال له: إنها لرؤيا حق، لقن ذلك بلالا فإنه أندى صوتاً . ولما أذن بلال، قال عمر رضي الله عنه: والله لقد رأيت يا رسول الله .

الخضوع لإرادة الله

وقد سمي هذا الدين بالإسلام لما فيه من الانقياد والخضوع المطلق لإرادة الله تعالى . والذين يدينون به يسمون المسلمين أي الذين يخضعون لأمر الله ورسوله . وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة خمس مرات في اليوم، كما أمر بصوم شهر رمضان، وحمى حقوق الملكية، وجعل للمرأة مركزاً محترما لم يكن لها في الجاهلية .

وكان من اظهر آثار الإسلام أنه آخى بين المسلمين على اختلاف قبائلهم ومراتبهم، وأحل الوحدة الدينية محل الوحدة القومية، فأصبحوا متساوين جميعاً .لا فرق بين السيد والعبد، وغدوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً . وقد من الله على المسلمين بقوله: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم .

وقد وحد الرسول صلى الله عليه وسلم كلمة العرب وتلاشت أمام المساواة التي جاء بها الإسلام الفوارق التي مزقت شمل العرب . وليس أدل على تلك المساواة من قوله تعالى: ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . وقوله عليه الصلاة والسلام: ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى .

وهكذا أصبح الدين المرجع الوحيد في تحديد العلاقات بين الحكومة والرعية ثم بين أفراد الشعب . ولما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيد كلمة العرب حول همته إلى نشر الإسلام خارج المدينة، وحينئذ بدأت غزواته الأولى .

نشأة النظم الإسلامية

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في تنظيم الحياة الاجتماعية منذ أول عهده بالمدينة وهذه النظم كانت نتيجة الوحي القرآني ووقائع السيرة النبوية، فنظريات الفقهاء في الأحوال الشخصية وتنظيم الأسرة، والتنظيمات السياسية، والعسكرية، والمعاهدات الدولية، وكل ما يتعلق بالأمور المالية والاقتصادية، ليست إلا امتداداً لبعض الوقائع التي حدثت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان له فيها قول، أو تنبيه، أو إرشاد، أو تقرير . فعصر النبي صلى الله عليه وسلم كان منطلق خير لكل ما عرف في الإسلام من نظم وقوانين . قال عز وجل: وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم . إن كل ما نلمسه في حياتنا العامة والخاصة من مواضيع نتوهم أنها جديدة على الحياة الإنسانية المعاصرة، له أصل بشكل أو بآخر في القرآن الكريم أو في السنة الشريفة .