كان إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص من الأحداث الجليلة التي فرح بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفرح الرسول برجلين أسلما بعد الهجرة كما فرح بإسلام كل من خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وكان إسلامهما يعادل إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب قبل الهجرة .
يذكر الدكتور أمين دويدار في كتاب صور من حياة الرسول أن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كان لهما شأن كبير في قريش، فعمرو بن العاص كان من أفذاذ العرب في الدهاء والسياسة وحسن التأني، وأما خالد بن الوليد فقد كان ماهراً في أساليب القتال وفنون الحرب، وكان كل منهما يحمل من الضغينة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام والمسلمين ما يحمله أشد أشراف قريش عداوة له واستكباراً عليه، حتى إنه بعد صلح الحديبية أخذ خالد بن الوليد يفكر في الأرض التي سيعيش فيها بعد أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، وصمم على الرحيل من مكة إلى أي مكان بعد أن يدخلها المسلمون .
عمر والنجاشي
وكذلك كان يفكر عمرو بن العاص في الهجرة من الجزيرة العربية كلها وكان يرى أن ذلك فرار بنفسه وكرامته ودينه بدلاً من أن يقع تحت سلطان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يدخل مكة، وكان عمرو بن العاص يقول عندما حضر صلح الحديبية: يدخل محمد مكة بأصحابه! ما بمكة منزل ولا الطائف ولا شيء غير الخروج، وكان يرى أنه لو أسلمت قريش كلها فلن يسلم ولن يتبع دين محمد ولن يترك دينه .
وذات مرة جمع عمرو بن العاص رجالاً من قومه، وقال لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا سيدنا، فقال تعلمون أني لأرى أن أمر محمد يعلو علواً منكراً، وقد رأيت أن نلحق بالنجاشي فإن ظهر محمد كنا عند النجاشي، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد .
وهاجر عمرو بن العاص إلى الحبشة وأثناء وجوده هناك قدم عمرو بن أبي أمية حاملاً رسالة من الرسول صلى الله عليه وسلم للنجاشي، وأراد عمرو بن العاص أن يقتل عمرو بن أبي أمية، وقال للنجاشي أيها الملك إني قد رأيت رجلاً يخرج من عندك وهو رسول عدو لنا، فأعطه لنا نقتله، فرد عليه النجاشي: أتسألني أن تقتل رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام؟ فقال عمرو بن العاص: أتشهد بهذا أيها الملك؟ فقال له النجاشي: نعم أشهد به، فوالله إنه لعلى حق وليظهرن على من يخالفه كما ظهر موسى على فرعون وعندها خرج عمرو بن العاص عائداً إلى مكة ثم قصد المدينة ليعلن إسلامه .
رسالة الوليد
ويذكر الدكتور محمد الدسوقي في كتاب أيام في حياة محمد أن خالد بن الوليد ترك مكة بعد صلح الحديبية بعد أن أيقن أن المسلمين أصبحوا على أبوابها بعد هذا الصلح، وأنه لن يستطيع العيش في مكة عندما يدخلها المسلمون، وكان أخوه الوليد بن الوليد قد دخل الإسلام، وكتب له رسالة جاء فيها بسم الله الرحمن الرحيم، إني لأعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وقد سألني رسول الله عنك فقال أين خالد فقلت: يأتي الله به، فقال الرسول ما مثله يجهل الإسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدمناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة، فلما قرأ خالد بن الوليد رسالة أخيه، رغب في الإسلام وفرح بسؤال الرسول عنه، كما رأى في المنام أنه في أرض ضيقة جدبة فخرج إلى بلاد خضراء واسعة، فعزم على الخروج إلى المدينة ليعلن إسلامه .
وفي طريقه إلى المدينة قابل عثمان بن طلحة وعرض عليه الأمر فرغب في الإسلام، ثم قابلا عمرو بن العاص فقال لهما أين مسيركما؟ فقالا: إلى المدينة للدخول في الإسلام فقال عمرو بن العاص: وذلك الذي قدمت من أجله ودخلوا المدينة جميعاً .
وعندما وصلوا إلى المدينة فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، وتقدم خالد بن الوليد وقال له يا رسول الله إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال له الرسول الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً تمنيت ألا يسلمك إلا لخير، قال: يا رسول الله ادع الله أن يغفر لي ما كان، فقال الرسول الإسلام يجب ما قبله، ثم أقبل عمرو بن العاص على الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلن الشهادة بين يدي الرسول كما أسلم معهما عثمان بن طلحة .
وقد اكتسب الإسلام بإسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قائدين عظيمين قاما بدور كبير في خدمة الإسلام، وكان يوم إسلامهما ضربة قوية لقريش بعد أن أسلم اثنان من كبار أشرافها وسادتها، وكان ذلك فاتحة خير على الإسلام والمسلمين .