ترامت إلى أسماع جميع القرشيين، والواردين إلى مكة دعوة محمد بن عبدالله، وبدأ الناس يتحدثون عنه في المجالس والنوادى في الأصائل والغدوات، وذهب الناس في النظر إليه كل مذهب، وتلمسوا لهذا الأمر جميع التحليلات والتعليلات، ولكن نفرا من القرشيين قرروا الحرب على محمد ودعوته، وبدون سبب ظاهر، وعلى رأس هؤلاء العداة الظلمة: عبدالعزى أبو لهب، وأبو جهل بن هشام، وقد قعدوا له بكل سبيل، ولم يسلم منهم العلية الذين آمنوا، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنوها حربا شعواء، لا هوادة فيها ولا انثناء .
يقول فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم . . بحث في السيرة النبوية: وخلال هذا الجو المبلد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق أضاء الطريق، وهو إسلام حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة، والأغلب أنه أسلم في شهر ذى الحجة . ولم يكن حمزة يعبأ في أول الأمر بدين محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه سمع أن هذا الدين يخالف عقيدة الأجداد، ومن طبعه أن يحترم عقائد أسلافه، وبعد أن أسلم حمزة وفد على الإسلام عدد من الرجال، حتى بلغ عددهم ثلاثين شخصاً .
غضب حمزة
ويضيف الدكتور فاروق حمادة في كتابه أيام في حياة الرسول إن سبب إسلام حمزة أنه في فجر يوم أبلج توجه فتى قريش الأعز حمزة بن عبدالمطلب خارج مكة كعادته، ليطلق لروحه الأشواق، مع امتداد الصحراء المترامي، وليحس بالصبح إذا تنفس، وليعود بصيد ثمين يدل على قوة تسديده، فكان له ما كان وحقق المراد، وروى روحه وفكره، ثم كر أدراجه راجعا إلى رحاب الحرم، وقد أضحى النهار، وبدأ الحر يشتد .
وأقبل حمزة بن عبدالمطلب بقامة فارعة وهامة مرفوعة ليطوف بالكعبة شاكرا لله، كما كانت عادته وعادة القرشيين، ودلف في زقاق من أزقة مكة، وهو يتمطى بعنفوان الشباب وفتوة الأبطال، ورأته مولاة لعبد الله بن جدعان، وكانت قد رأت منظراً فظيعا قبل قليل، أثر فيها، وألقى على قلبها ومشاعرها الحزن والأسى، لقد رأت أبا جهل قد مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه والاستهزاء بدعوته، ثم انصرف على مهل وجلس في النادي، وقارنت في خيالها بين هاتين الصورتين، وتركت حمزة حتى قضى وطره من الكعبة، والتمسح بأردانها، وخرج يريد أهله وبيته، فقالت تلك المولاة لصاحبة منها، على مقربة من حمزة، أترين هذا الفتى العزيز؟! آه لو علم ما فعل بابن أخيه محمد بن عبدالله كبيرُ السفهاء في هذه البطحاء، أبو جهل بن هشام لتنازل عن كثير من كبريائه وأنفته، فاستقر ذلك في سمعه، فارتاع لمقالها، والتفت إليها وقال: أحقا ما تقولين يا أمة الله؟ فروت له الواقعة، فانبعث في حناياه مشاعر المودة والقربى لأخيه في الرضاع، ولابن أخيه من النسب، وصاحب الذكريات الغالية معه أيام الطفولة والشباب، فهاج حمزة وغضب، ومر سريعا يشق القوم المنتدين، ولم يجلس مع أحد منهم، ولم يُحي أحدا مر به وهو في طريقه كما عُرف فيما مضى، واختصر الطريق حتى وقف على رأس أبي جهل، فرفع قوسه المتينة، وألقى بها بكل قوته على غرة أبي جهل، وهو يقول بصوت جهوري كان أشد وقعا على قلب العداة من الحديد: أتشتم ابن أخى محمداً وتعيبه وأنا على دينه؟ فأرني قوتك الآن فأنا لها .
وما كانت ضربة القوس التي نزلت على رأس أبي جهل بأشد من صوته وقوله: وأنا على دينه حين اخترق سمع أبي جهل ونفذ إلى فكره، فثار الناس حول أبي جهل، لكن قوة الباطل انهارت وخارت، فناداهم أبو جهل وهو مضرج بدمائه: دعوا أبا عمارة فإنى والله سببت ابن أخيه سباً قبيحاً .
أشهد أنك لصادق
ويوضح الكاتب محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد، وتفجرت من كيان حمزة ينابيع الضياء والسناء، وسما إلى مرتبة عالية من مراتب الإيمان، وتوجه لتوه إلى ابن أخيه محمد بن عبدالله، فوقف على رأسه بثبات ويقين فقال: يا أبا القاسم، أشهد أنك لصادق، فأظهر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على الدين الأول، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله .
وحملت الريح هذه الكلمة إلى شعاب مكة وفجاجها وبيوتها، وسرت في قلوب المؤمنين عزة واستعلاء، وفي قلوب أعداء محمد وصحبه غما وحزنا، لقد انضم أعز فتى في قريش لركب الإيمان وقافلة الرحمن، ياله من يوم صيد ثمين ناله حمزة بن عبدالمطلب فجعله أسد الله وأسد رسوله إلى يوم الدين، إنه ليس صيد طير مغرد، أو غزال شارد، أو بقرة وحشية نفور، إنه صيد الإيمان، صيد فيه عز الدنيا والآخرة، فأعظم به من يوم صيد ثمين.