قال تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون . أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون . ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون . فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون . وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (البقرة: 76-80) .
السؤال: كشف - سبحانه - في قوله: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا . . (البقرة: 76) عن جانبين من قبائح أفعال اليهود في زمن الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وضح ذلك؟
الجواب: كشفت الآية عن جانب من محاولة منافقي اليهود خداع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم لهم إذا لاقوهم: (آمنا) بالذي آمنتم به، ونشهد بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - صادق، وأن قوله حق، وأننا نجد نعوته وأوصافه في كتابنا . كما كشفت في الجانب الثاني عن شيء من أسرارهم التي كانت تدور بينهم، حيث كان رؤساؤهم يسارعون في لوم منافقي اليهود، لكشفهم للمؤمنين عن شهادة التوراة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم .
السؤال: ما سر إيثار التعبير بالماضي (آمنا) في قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا (البقرة: 76)؟
الجواب: للمبالغة - من اليهود - في خداع المؤمنين بإظهار دعوى إيمانهم مخرج الأمر الثابت الواقع المتحقق .
السؤال: ما الغرض من التعبير عن البيان والفهم بالفتح في قوله تعالى: بما فتح الله عليكم؟
الجواب: للإيذان بأنه سر مكنون، وباب مغلق لا يقف عليه أحد ولا ينبغي له أن يفتحه .
عقول سخيفة
السؤال: ما نوع اللام في قوله سبحانه ليحاجوكم به . .؟
الجواب:اللام للتعليل، وهي ترشيح لاستعمال الاستفهام في الانكار والتوبيخ في قوله: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم والمراد تأكيد إنكار رؤساء اليهود، وتشديد توبيخهم لمنافقي قومهم، حيث إن مجرد التحدث بما بينه الله لهم من نعوت النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -وبصحة نبوته في توراتهم وإخبارهم المؤمنين بذلك لاستمالة قلوبهم، مجرد التحدث بهذا منكر في نفسه، لكن التحدث به لأجل أن يكون حجة للمؤمنين على اليهود مما لا يكاد يصدر عن عاقل . ومما لا يكاد يخفى أن ذلك ليس بمقصد هؤلاء المنافقين من اليهود، ولكن فعلهم هذا لما كان مستتبعاً له فقد أنزلهم موبخوهم من قومهم منزلة القاصدين لهذا الغرض المذكور ليحاجوكم به عند ربكم اظهاراً لكمال سخافة عقولهم، وسوء تقديرهم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهامين في الآية الكريمة؟
الجواب: الغرض من الاستفهام الأول أتحدثونهم . . التسفيه والانكار والتوبيخ . وهذا هو الغرض نفسه من الاستفهام الثاني أفلا تعقلون .
السؤال: لمَ لم يذكر في الآية الكريمة جواب الملومين من اليهود للائميهم - من احبارهم - بالتبرؤ من التحدث للمؤمنين بما فتح الله به عليهم؟
الجواب: لأن القرآن ليس بصدد حكاية مجادلاتهم وأحوالهم بالتفصيل - في ما بينهم - فإنها أقل من ذلك . وإنما يحكي منها ما فيه شناعة حالهم وسوء سلوكهم، ودوام اصرارهم وانحطاط أخلاقهم . فتبرؤهم مما نسب إليه كبراؤهم من التهمة معلوم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ما يعلنون (البقرة: 77)؟
الجواب: التوبيخ والتسفيه لهؤلاء اليهود لأن الله تعالى يعلم تلك الحقائق المسطرة عندهم في التوراة سواء أفشوها أم كتموها .
السؤال: لماذا أكد الخبر في قوله تعالى: أن الله يعلم . .؟
الجواب: لتنزيلهم منزلة المنكر لما بدا عليهم من أمارات الإعراض والإنكار .
السؤال: لم قدم الإسرار على الإعلان في قوله: ما يسرون وما يعلنون؟
الجواب: لأنهم أسروا الكفر أمام المؤمنين، وأعلنوه أمام أنفسهم وإخوانهم من اليهود .
السؤال: ما الغرض من الطباق في قوله: ما يسرون وما يعلنون؟
الجواب: بيان إحاطة علمه - سبحانه وتعالى - وشموله .
السؤال: ما سر تقديم الجار والمجرور منهم في قوله سبحانه: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني . . (البقرة: 78) .
الجواب: للتشويق إلى المؤخر أميون . والمقصود طائفة العوام من اليهود .
السؤال: ما نوع الاستثناء في قوله تعالى: لا يعلمون الكتاب إلا أماني؟
الجواب: الاستثناء منقطع، لأن المستثنى منه أماني من غير جنس المستثنى الكتاب والمعنى: لا يعلمون شيئاً من كتابهم - التوراة - إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها .
جهل العوام
السؤال: ما نوع الأسلوب في قوله تعالى: وإن هم إلا يظنون؟
الجواب: أسلوب أكد به جهل طائفة العوام - الذين لا يقرؤون ولا يكتبون - من اليهود، والمعنى: ليس علمهم إلا ما يظنونه علماً، وما هم بمتيقنين . وقد أكد - سبحانه - قصر علمهم على الظن الذي يتجدد لهم حالاً بعد حال، لذا عبر بالمضارع اشارة إلى أن ظنهم يتجدد ويستمرون في أكاذيب يبتدعونها، وظنون يختلقها لهم أحبارهم . وقد استخدم أقوى أساليب القصر وهو النفي والاستثناء لتأكيد المعنى المذكور .
السؤال: ما نوع الفاء في قوله تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله . . (البقرة: 79)؟
الجواب: الفاء للسببية، فما بعدها مترتب على قوله سبحانه: وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون الدال على وقوع تحريف منهم عن قصد، فرتب عليه الإخبار باستحقاقهم سوء المصير، أو رتب عليه إنشاء استفظاع حالهم .
السؤال: ما فائدة ذكر أن الكتابة بأيديهم والكتابة لا تكون إلا باليد، وذلك في قوله تعالى: فويل لهم مما كتبت أيديهم؟
الجواب: لتأكيد الكتابة، وأنها كتابة حقيقية لا مجازية، وأنهم قاصدون ذلك . وفيه تصوير لحالهم وهم يكتبون بأيديهم وهذا ما دل عليه التعبير بالمضارع يكتبون . ونظيره قوله: فخر عليهم السقف من فوقهم (النحل: 26) .
السؤال: ما المقصود بالثمن في قوله ليشتروا به ثمناً قليلاً؟ ولماذا وصف الثمن بأنه قليل؟
الجواب: المراد بالثمن عرض الدنيا أو الرشا والمآكل التي كانت لهم . والضمير في به عائد على المكتوب المحرف الذي زعموا أنه من عند الله . ووصف الثمن بالقلة، لكونه حقيراً أو فانياً أو حراماً أو لا يوازنه شيء لا ثمن ولا مثمن .
السؤال: لم تكرر الوعيد لأحبار اليهود في الآية الكريمة؟
الجواب: لأنهم ضلوا بتحريفهم كتابهم - التوراة - وأضلوا عوامهم بأن غيروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم، ولأنهم كذبوا على الله تعالى، وضموا إلى ذلك حب الدنيا الفانية . إذاً فإن ذلك الوعيد مرتب على كتابة الكتاب المحرف، وعلى اسناده إلى الله تعالى، وكلاهما منكر، والجمع بينهما أشد نكارة .
التقول على الله
السؤال: جاء وصف الأيام بالمفرد معدودة في سورة البقرة في قوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة (البقرة: 8) .
وجاء في سورة آل عمران وصف الأيام بالجمع معدودات في قوله: ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات (آل عمران: 24) فما السر في هذا التغاير مع أن الموصوف في الموضعين أياماً واحد؟
الجواب: القائل في الموضعين هم اليهود قالوا ما قالوا استهزاء واستخفافاً وجرأة واستهانة بعذاب الله تعالى، وقبل الإجابة نشير بداية إلى أن الإفراد معدودة قائم مقام جمع الكثرة، لأن في التعبير بالإفراد إرادة الجنس الصالح للقليل والكثير لما لا يتسع له الجمع القليل وأن جمع القلة يوصف بالقلة، وذلك على عادة العرب ذهاباً منهم إلى أن جمع القلة نص في الدلالة على قلة الموصوف . ونعود الآن إلى بيان وجه البلاغة في ايثار الوصف بالمفرد في البقرة، والوصف بالجمع في آل عمران، فنقول - والله أعلم -: إن كل سياق هو الذي استدعى ما ذكر فيه .
فسياق آل عمران سياق تعجب وتشنيع على اليهود فاقتضى ذلك مبالغتهم في تهوين العذاب وتقليله فأوثرت صيغة الجمع معدودات وقد جاءت آية آل عمران عقب مجادلة أهل الكتاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالباطل فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (79) . ثم أتبع بقوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات (80) وفي هذا تعجب من إعراضهم عن الحق، وتوليهم عن الاحتكام إلى كتاب الله تعالى . ففي مقام اللجاج والجدال والمعاندة اندفع اليهود إلى أقصى حد من المبالغة، زاعمين أن أيام تعذيبهم تقف عند أقل العدد . ومما يدل على شدة مبالغتهم في النفي في آل عمران تذييل الآية بقوله تعالى: وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون .
أما سياق الآية في سورة البقرة فهو أقل توتراً، حيث وردت في سياق إخبار من الله تعالى عن جنايات اليهود وتعداد لجرائمهم، ومنها قولهم هذا اغتراراً واستخفافاً بعذاب الله، فجاء تهوينهم للعذاب في هذا السياق أقل مبالغة في النفي وقد أعقب قولهم في البقرة بقوله سبحانه: قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون فوصفهم بالتقول على الله، وهو أقل حدة من صريح الافتراء .