عبدالإله بلقزيز
بدأ الاستشراق - بما هو ميدان من ميادين المعرفة في الثقافة الغربية - في تقديم نفسه إلى العالم في القرن التاسع عشر، بعد أن نضجت الشروط الموضوعية والذاتية لميلاده وانطلاقته . ولقد كان "الشرق"، ومازال، موضوعه ومبرر قيامه . وهذا كناية عن عالم جغرافي وحضاري وثقافي وديني مختلف: اتصلت به أوروبا، تاريخياً، من خلال الحروب والتجارة والتبادل الثقافي، وكان لها مع بعضه - في شرق المتوسط وجنوبه - مشتركات دينية (في أصولها التوحيدية على الأقل) . ويشمل هذا عالم الإسلام، على ضفاف المتوسط وغرب آسيا وشمالها ووسطها، مثلما يشمل عالم الشرق الأقصى (الهند والصين واليابان وكوريا وفيتنام . .) ولكن لا يعنينا من هذا الاستشراق إلا ما كان له صلة بالمجال العربي الإسلامي: الحضاري والثقافي والديني، أي ذلك القطاع من المعرفة الغربية الذي أطلق عليه محمد أركون اسم الإسلاميات الكلاسيكية .
الشروط التي نضجت لتستولد ظاهرة الاستشراق في الثقافة الغربية، الحديثة والمعاصرة، مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية في الفكر الغربي، ومن مؤسسات ثقافية نشأت في ركاب اهتمام السياسات الأوروبية ببلدان الشرق، ومن حملات كولونيالية غربية على تلك البلدان استدخل الاستشراق ليكون في جملة أدواتها .
1- الخبرة المعرفية بالشرق: في مطالع القرن التاسع عشر - حيث بدأت تظهر الدراسات الأولى للمستشرقين - كانت منظومة كبيرة من المعارف بعوالم الشرق: قديمه والحديث، قد تكونت في الفكر الأوروبي - وعلى مدى قرون عدة - من موارد مختلفة: من مساجلات اللاهوتيين المسيحيين في أوروبا الوسطى مع موضوعات الإسلام القرآنية، وسيرة النبي وموقفه وسياساته، وفكر مفكري الإسلام من فقهاء وعلماء كلام، ومن الكتابات التبجيلية للفلاسفة الأوروبيين عن الفلسفة والعلم العربيين، وعن دور العرب في نقل الفلسفة الإغريقية إلى أوروبا وشرح منظوماتها الأفلاطونية والأرسطية، ومن الترجمات العديدة التي نقلت القرآن، وبعض مصادر الأدب والفكر، إلى اللاتينية ابتداء، ثم إلى اللغات القومية الأوروبية الحديثة، ومن النقد الذي دشنه فكر الأنوار للأديان ومنه نقده الدين الإسلامي (فولتير مثالاً)، ثم من الرومانسية الألمانية التي اعتنت بسحر الشرق وتراثه الأدبي، فترجمت منه ونسخت على منواله، وأخيراً، من أدب الرحالة الأوروبيين الذين دونوا رحلاتهم إلى المشرق العربي وقدموا عنه أوفى الإفادات والمعلومات التفصيلية: عن الأفكار والعادات والاعتقادات والقيم . . إلخ .
لم يخرج مستشرقو القرن التاسع عشر، إذاً، من لا شيء: خرجوا من أحشاء هذا التراث الغزير من الكتابات الأوروبية، الوسطى والحديثة، عن الإسلام وعوالمه التاريخية والحضارية والدينية والفكرية والأدبية . انشد اهتمامهم إلى ذلك التراث من اهتمام أسلافهم به، وتكون وعيهم للشرق (العربي الإسلامي) في نطاقه لتمتد مساحة ذلك الوعي امتداداً حين بدؤوا يتصلون بمصادر الفكر الإسلامي اتصالاً مباشراً، ومن خلال لغاته . وليس من شك في أن معظم ما انتهى إلى مستشرقي القرن التاسع عشر من كتابات أسلافهم (الأوروبيين) عن الإسلام وتاريخه وتراثه، افتقر إلى الدقة والموضوعية - إما لضعف الصلة بالمصادر، أو لانتصاب الحاجز اللغوي، أو للوقوع تحت تأثير سلطة الصور النمطية التي تكونت عن الإسلام أثناء الحروب الصليبية وحروب الأندلس والمساجلات اللاهوتية بين الفريقين المسيحي والمسلم - إلا أن الذي لا يداخلنا شك فيه (هو) أن معرفة عميقة بالإسلام بدأت في التكون والاتساع منذ القرن الثامن عشر، في أوروبا عهد الأنوار، وأن بعض مفكريها - مثل هيغل - تفردوا بنظرة إلى تاريخ الإسلام أوسع نطاقاً حتى ممن أتوا بعدهم من الفلاسفة والمفكرين . والراجح أن يكون لهذه اللحظة الفكرية العميقة، من الوعي الأوروبي الحديث للإسلام، أثر كبير في صقل وعي المستشرقين الأوائل .
من هذه الخبرة المعرفية المتراكمة تشكلت الهواجس الفكرية للمستشرقين الأوائل، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتهيأت الشروط المعرفية لتأسيس ميدان جديد، ومتخصص، يكون الشرق: تاريخاً وثقافة، موضوعاً له تتكرس جهود باحثين مختصين لدراسته في النطاقات المختلفة: الجامعية - خاصة - والبحثية الفردية الحرة، وتالياً - في نطاقات المؤسسات العلمية المهتمة بدراسات الشرق .
2- المؤسسات الاستشراقية: ونعني بها المدارس، والمعاهد، والكراسي الجامعية، والمؤتمرات العلمية التي كان موضوعها الدراسات الإسلامية . وهذه المؤسسات لها تاريخ سابق في الزمان للقرن التاسع عشر، خاصة ما تعلق منها بالكراسي الجامعية المكرسة للغة العربية وآدابها، أو للتاريخ الإسلامي، أو للفكر الإسلامي، التي بدأ إحداثها في كبرى الجامعات الأوروبية منذ القرن السادس عشر، وغشيتها أجيال من الطلاب أصبح لبعضها المتأخر أدوار في الأجهزة الدبلوماسية - فضلاً عن الجامعات والمعاهد - للبلدان الأوروبية . غير أن المأسسة العلمية التي حصلت، في القرن التاسع، للعمل الاستشراقي أطلقت فيه ايقاعاً مختلفاً عن ذي قبل، ووفرت له من موارد الاشتغال وظروفه ما أتاح له أن ينجب ميداناً دراسياً جديداً جاذباً لكتلة واسعة من الطلبة والباحثين، ومستدرجاً طلباً عليه زائداً من الدولة والمؤسسة الكولونيالية . يمكننا، في هذا المعرض، تقديم جردة سريعة لأهم تلك الظواهر المؤسسية الاستشراقية التي نشأت على امتداد القرن التاسع عشر، واستمر مفعول تأثيرها حتى القرن العشرين الماضي .
أولاها احداث البنية التكوينية الأساس للاستشراق، من خلال مدرسة "اللغات الشرقية الحية" في مارس/آذار 1795 التي أدارها المستشرق الفرنسي سيلفستر دوساسي . وكان لهذه المدرسة أثر حاسم في تأهيل جيل من الدارسين (المستشرقين) الأوروبيين - تأهيلاً لغوياً وعلمياً - للبحث في التاريخ الثقافي والديني للإسلام . ولقد أصبح دوساسي "أستاذ الاستشراق الأوروبي كله، كما أصبحت باريس قبلة جميع أولئك الذين يريدون التخصص في دراسات الشرق الأدنى" على حد تعبير مكسيم رودنسون . ويكفي أن معظم أهم مستشرقي الجيل الأول في أوروبا تلقى تكوينه في تلك المدرسة . لقد أتاحت هذه البنية التكوينية المؤسسية، التي مثلتها مدرسة "اللغات الشرقية الحية" ومثيلاتها الأصغر في أوروبا، فرصاً نادرة لاكتساب لغات الإسلام (العربية والفارسية والتركية)، في أوساط الباحثين الغربيين المختصين، وتوسلها في الاتصال بمصادر الفكر الإسلامي اتصالاً مباشراً، لا عبر الترجمات مثلما كان يحصل في الماضي . وغني عن البيان أن ذلك هيأ شروطاً معرفية جديدة للانتقال بالمعرفة الغربية للإسلام إلى طور جديد .
وثانيتها إنشاء المؤسسات العلمية (الاستشراقية) المتخصصة في دراسات الشرق، ومنها دراسات الإسلام، وقيام هذه المؤسسات - أو الجمعيات العلمية - بإصدار مجلات مكرسة للدراسات الشرقية . هكذا تأسست "الجمعية الآسيوية" (Le societe asiatique) في باريس، في العام ،1822 وتصدر دوريتها "الجريدة الآسيوية (Journal asiatique)، ويعقبها قيام "الجميعة الملكية الآسيوية" في لندن، في العام 1934 وصدور جريدة الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وإيرلندا ، ثم تأسيس "الجمعية الأمريكية الشرقية" في العام ،1842 وتصدر مجلة خاصة، ثم يبدأ صدور "حوليات الجمعية الألمانية لبلاد الشرق"، في العام ،1847 عن "الجمعية الشرقية الألمانية" التي تأسست في العام ،1945 ويبلغ مدى تأثير الدراسات الاستشراقية في أوروبا إلى روسيا نفسها (في خاركوف تحديداً) .
وثالثتها إحداث مؤتمرات علمية للمستشرقين مكرسة لدراسة قضايا الشرق والإسلام، وللتفكير في المعضلات الفكرية العديدة التي يطرحها ميدان الاستشراق على العاملين فيه . حيث انعقد أول مؤتمر علمي في باريس، في العام ،1873 واستمر انعقاد المؤتمرات الاستشراقية منتظماً إلى عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى في ست عشرة دورة، ليصبح الانعقاد - بعدها - متقطعاً . والمؤتمرات هذه - كان يشارك فيها مستشرقون كثر من أصقاع أوروبا كافة - شكلت مناسبة مميزة لتبادل الخبرات والتفاعل بين الدارسين الغربيين لبلاد الشرق ولتاريخ الإسلام، خاصة مع وجود حال من التباين والاختلاف بين مدارس الاستشراق، في أوروبا والولايات المتحدة، في الرؤى والمناهج والتقاليد العلمية والأكاديمية الجامعية في دراسة التاريخ الحضاري والثقافي .
3- الحامل الكولونيالي: اقترن ميلاد الاستشراق ببدايات المد الكولونيالي الأوروبي في البلاد العربية والإسلامية، في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، وكان الأخير - أحياناً - حامله والرحم التي تكون فيها، من دون أن يعني ذلك، بالضرورة، أن التراث الاستشراقي كله تراث استعماري كما يذهب إلى القول بذلك خصومه من الأصاليين العرب والمسلمين . ينبغي، هنا، التمييز الدقيق بين استشراق قدم السخرة الثقافية للحملات الكولونيالية، مباشرة أو من طريق غير مباشر، واستشراق تطور في بيئاته العلمية والجامعية، تحت تأثير جاذبية معرفة الثقافات والحضارات الأخرى، بعيداً من مطالب المؤسسة (الرسمية) واغراءاتها . على أن الذي لا يقبل التجاهل، في الحالين، أن المشروع الاستعماري فتح للاستشراق أبواباً كثيرة، ووفر له من الإمكانات ما يسر له العمل في ساحات المستعمرات . وهذه حقيقة لا تصدق، فقط، على الاستشراق المرتبط بذلك المشروع، بل تصدق حتى على المستقل منه عن ذلك المشروع، المنصرف إلى جدول أعماله العلمي الخاص .
من يقرأ كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، يقف - بالبينات والتفاصيل - على دقائق الصلة التي انتسجت، منذ البدايات، بين الاستشراق والمؤسسة الكولونيالية، منذ نهاية القرن الثامن عشر وإلى ستينات القرن العشرين . من المعروف بأن دراسة إدوارد سعيد تناولت الاستشراق الفرنسي والبريطاني، وهو كان - في معظمه - مرتبطاً بسياسات دولتين استعمرتا البلاد العربية والإسلامية، فيما أخرج الاستشراق الألماني من نطاق البحث، لأنه لم يكن مرتبطاً بالمؤسسة . ولكن رضوان السيد في كتابه "المستشرقون الألمان" خالفه الرأي في المسألة، ذاهباً إلى أن الألمان "كانوا يملكون "رغبات" استعمارية شرهة ومعلنة، لكنها ما صارت فاعلة إلا بعد الوحدة الألمانية عام 1870"، مستشهداً في ذلك بالمناقشات التي اندلعت، عشية الحرب البادرة، بين المستشرقين الألمان ونظرائهم البريطانيين والفرنسيين والهولنديين حول "تحزب الأولين، الألمان، للعثمانيين اتباعاً لسياسات الدولة الألمانية في محالفة الإمبراطورية . في الأحوال جميعها، قد نسلم بأنه ربما بدا إدوارد سعيد شديد التحامل على الاستشراق، في نظر بعض الغربيين، بمن فيهم من أنصفوا كتابه، لكن أحداً لا يمكن أن يجادل في وجاهة استشهاداته بالنصوص والقرائن الدالة على أحكامه النقدية تجاه الاستشراق البريطاني والفرنسي والهولندي، والخدمات التي أسداها المستشرقون لدولهم وسياساتها الاستعمارية .