كثيراً ما يتردد مصطلح البنية في النقد القصصي والروائي، والحديث في البنية هو حديث في العمق الفني للسرد على اختلاف مستوياته المضمونية والشكلية، باعتبار السرد هو المادة الخام لأي عمل فني مكتوب، وبناء عليه تصبح البنية هي الأصل التي تمهد لدراسة مختلف متعلقات العمل الأدبي بوصفه نافذة المبدع على استخدم أدواته من حيث الأسلوب وبناء الشخصيات وترتيب مدماكه القصصي أو الروائي، لكي يتمكن منتج النص من تفسير العالم أو تمرير رؤيته التي يستنطق أو يحلل من خلالها موضوعه الأدبي الذي يتوقع القارئ أن يلامس بعضا من شجونه في البحث عن معادل موضوعي لسطوة الواقع وكل ما يحيط بالكائن البشري من بأس وقوة أو ضعف وأمل يحقق رغبته في الحياة بشفافية تليق به وحده .

من هنا، فإن البنية هي أحد مفاتيح الناقد الرئيسة التي يقارب من خلالها كل ما يقع بين يديه من منتج أدبي من المفروض أن يشكل علامة استثنائية تحيل على كل ما هو جميل ونافع ويحقق متعة الكتابة وقدرتها على التواصل .

على أن ما ذكر سابقا، سواء بقياسه على التجربة القصصية الإماراتية وحتى العربية والعالمية، يظل هو نفسه محل اجتهاد ووجهة نظر، سيما إذا عدنا إلى علم اجتماع الأدب وذلك المفصل الذي يقرن بين المنتج الأدبي وعلاقته مع المتلقي، وهو ما بات يعرف بنظرية التلقي، أو مفهوم التلقي الذي يعود إلى دراسات ما بعد البنيوية أي المدرسة التفكيكية التي تقول إن النص ما هو إلا شبكة من الرموز والإشارات المتناثرة والمفككة التي تنتظر من يجمعها في إطار الدلالة، كما أن هذه الدلالة ليست نهائية بل هي متعددة بتعدد من سيقرؤون النص .

وبالرجوع إلى مصطلح البنية التي تمت مقاربتها في التجربة الإماراتية من قبل نقاد عرب، منهم على سبيل المثال: عزت عمر، محمد سيف الإسلام، عبدالفتاح صبري، د . صالح هويدي وغيرهم، بالإضافة إلى نقاد إماراتيين مثل الدكتورة فاطمة خليفة وزينب الياسي يبرز د . صالح هويدي في كتابه الجديد جبل السرد العائم الصادر عن وزرارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع واتحاد كتاب وأدباء الإمارات ليقدم أنواعاً مختلفة من القراءات التي تتعلق بالبنية ويقيسها على نماذج قصصية إماراتية، ومن العناوين التي تجيء متفرقة في الكتاب نقرأ على سبيل المثال: مستوى البناء الفني وبنية الختام وبنية الشخصية القصصية وبنية المكان وملامح البنية السردية، وبنية الفقد ومعادلاتها الرمزية في السرد القصصي وتندرج تحت هذا العنوان عناوين أخرى مثل: تقنيات البنية السردية، وبنية الاستهلال، وغيرها من العناوين التي تتماهى مع أشكال مختلفة من السرد القصصي وتجلياته وفضاءاته .

يتفق أكثر من ناقد عربي على أن البنية هي نظام في مستوياتها سواء أكانت لغوية على مستوى الكلمة والجملة أم نصية على مستوى النص أو الخطاب، وذلك بالاستناد إلى المصطلح الذي استعمله فردينان دو سوسير بشأن البنية في دروس اللسانية العامة . البنية هي النظام الذي يتشكّل من تفاعل عناصره وهذا التفاعل يولّد الانسجام والتماسك بين العناصر ويسمح للبنية بأن تؤدي دورها داخل المنظومة السيميائية .

في القراءات النقدية السالفة والمنسوبة إلى أسماء رصينة في جهة النقد ثمة من يرى في ما يتعلق بمستويي الشكل والمضمون أن البنية ليست شكلاً فارغاً، بل شكل لمعنى، ويسترشدون بما قاله كلود ليفي ستروس في بحثه المنشور عام 1956 بعنوان البنية والجدلية وجاء فيه في الميتولوجيا كما في اللسانيات يطرح التحليل الشكلي فورا السؤال عن المعنى .

ومن استقرار البنية النصية يولد النوع ومن اللعب داخل البنية تولد التحولات . فمنذ أرسطو، بل منذ أفلاطون قبله، كان النوع يشكل مفتاحاً لقراءة النص . ولأن الأدب يتطور، ولأن التطور يكسر القوالب ظهرت دعوات إلى تجاوز الأنواع . حتى إن هذا التجاوز تحول إلى مثال عند الرومانسيين الذين اعتبروا التصنيفات كلها قيوداً على الموهبة .

تحت عنوان تجليات بنية الانعتاق في مواء إمرأة يدرس د . هويدي صورة العلاقة بين الرجل والمرأة في قصة فاطمة الكعبي، التي تكشف قصتها عن ملامح ثيمة محددة تنتظم عالمها وتصدر عنها القاصة في جميع قصصها الثلاث عشرة ويبين د . هويدي أن القاصة التي تقدم إصدارها الأول تمتلك رؤية ما إزاء عالمها التي تحاول التعبير عنه وتحمل هما اجتماعياً وانشغالاً فكرياً يصعب تحقق تجلياته قبل مرور القاص بمراحل متقدمة في مسيرته الفنية .

وبعد دراسته لعناوين أخرى ذات دلالة بأفق القص عند فاطمة الكعبي نجد د . هويدي في مكان آخر يتعمق في دراسة البنية السردية في مواء إمراة تحت عنوان بنية المفارقة وأفق التوقع بالقول نجحت البنية السردية في توظيف بعض الأساليب الفنية التي ضمنت تحقيق مستوى متميز من السرد من بينها التوظيف الناجح لما يعرف بأفق توقع القارئ على نحو يعزز بنية المفارقة ويكسب النص القصصي التوتر المطلوب ففي قصة رجل أولى قصص المجموعة تعدل القاصة عن استخدام لغة السرد التقليدية للتعبير عن انتباهة الوعي المفاجئ للمرأة وهي في غمرة تفاعلها مع الحبيب من جراء لمحها خاتم الزوجية وهو يحيط بأصبعه، تعدل إلى التعبير عنه بصورة معادله الموضوعي المجسد لجسامة الهوة التي ظلت الشخصية مشيحة الوجه عن رؤيتها من قبل، وهو ما أكسب قدراً من المفارقة .

في سياق مشابه، يدرس الناقد عزت عمر مفاتيح السرد الأنثوي في ثلاث روايات إماراتية بينها واحدة بعنوان رائحة الزنجبيل لصالحة غابش، وفي قراءته لبنية الزمن يقول إن زمن السرد في رائحة الزنجبيل هو زمان مضغوط لا يتجاوز الأيام القليلة التي أمضتها علياء في المستشفى، إلا أن هذه الأيام كانت كافية لكي تسترسل بأفكارها وتأملاتها ما بين الماضي والحاضر على شكل فصول سردية غير منتظمة ارتبطت بحالات الحمى والهذيان والصحو التي كانت تعيشها إبان مرضها، وإلى ذلك فإنها سوف تضيف على كل عنوان لمسة شاعرية بعبارات من مثل متاهة - الوجوه التي نحبها، ليست وحدها دافعنا للكتابة، أو هذيان - بعض الحقائق تطفو على سطح الحمى، لحظة مخاتلة التي نجعلنا نبوح ثم نندم، الأمر الذي يمنح النص بعداً جمالياً وإضافة إبداعية تهيئ القارئ للولوج في عملية التخييل التي تسردها بعد حين .

ويدرس الناقد عبدالفتاح صبري في كتابه صورة المرأة في القصة النسائية الإماراتية وهو من منشورات اتحاد كتاب الإمارات أنواعاً عدة من البنية بينها بنية الخطاب السردي في قصص إماراتية مثل ما بعد الطوفان لعائشة عبدالله، والرحلة رقم 8 لريا مهنا سلطان، وليلة العيد لفاطمة المزروعي، حيث ينظر أولاً في بنية النص من الخارج وبنيته من الداخل، كما يدرس البنية التشكيلية للخطاب انطلاقاً من النظر إلى النص بوصفه تشكيلاً معمارياً من دون التغاضي عن العناصر الفكرية أو المضمونية المتصلة بفضاء الخطاب، أما تحت عنوان بنية النص الداخلية فيؤكد صبري أن هذه البنية تهتم بنسق العلائق السردية لجهة الزمن خاصة وسرعة السرد أو حركته، حيث يتم التدخل فيها عبر التقطيع الزمني أو تكتيك الزمن المستخدم في النص والتدخل المشهدي أو الوصفي القاطع لحركة الزمن .

في تقديمه لكتاب توجهات الخطاب السردي في الرواية الإماراتية والعربية المعاصرة يرى محمد سيف الإسلام بوفلاقة أن هناك ما يربو على خمس وثلاثين سنة مضت على مسيرة الرواية الإماراتية، وفي هذه المرحلة، قطعت أشواطاً عديدة، وبلغت جملة من التطورات، واستطاعت أن تتجاوز محاولاتها الأولى، وأن تضم إليها عدداً من الكتاب الشباب، الذين جددوا في اتجاهاتها وطوروا من أساليبها ولغتها وأبنيتها السردية لتصبح جزءاً من مسيرة الرواية العربية، وتغدو نماذجها المتقدمة في مصاف أفضل النماذج العربية، مع سعي واضح إلى احتفاظ هذا الفن بخصوصيته المحلية، وهويته المستندة إلى واقع بيئته . . فعلى مدى ثلاثة عقود من الزمن نجد الشكل الفني للرواية قد قطع أشواطاً مديدة، فإذا كان راشد عبدالله قد اعتمد شكلاً سردياً بسيطاً يتسم بالحكائية، فإن الكتاب اللاحقين قد سعوا وعلى نحو سريع ومتسرع إلى تبني الأشكال الفنية المتطورة كما جاء في روايات علي أبو الريش المتأخرة نافذة الجنون، ثنائية مجبل بن شهوان وسلايم وثاني السويدي الديزل، ومنصور عبدالرحمن ابن مولاي السلطان، وكريم معتوق حدث في اسطنبول . لقد تأثر الكتّاب الإماراتيون الجدد، والمخضرمون منهم بالأشكال الفنية الحديثة مجارين بذلك النقلات السريعة الجارية على مستوى التطوير العمراني والمؤسساتي في وطنهم الإمارات، وبالتالي جاءت التجارب الروائية اللاحقة على الروايات الأولى التي صدرت في الإمارات لتتبنى أنماطاً حديثة .