قبل أيام كانت الصيادة اللبنانية إلهام سليم تنزل حمولة صيدها من السمك في ميناء الأوزاعي بيروت بعد رحلة صيد إلى عمق البحر بمركبها جاد، فيما عشاق السمك ينتظرونها لشراء صيدها في المزاد العلني .

إلهام صيادة سمك خمسينية تجاوزت كل الفيتو الذي وضع على منع عمل المرأة في الصيد، بيد أنها نجحت في اصطياد تصريح من رئيس ميناء صيدا حسن سويدان وموافقة الضابط المعني في الجيش اللبناني في العام 1978 حتى نالت لقب المغامرة بجدارة . ومن حينها باتت مشاهدة امرأة تخترق عالم الذكورية مألوفة، فقد تحدت إلهام كل المحظورات وكان قرارها ثابتاً أنا صيادة ومغامرة . . نجحت في خلق محور أُنوثي جديد، خصوصاً أنها دخلت هذا المعترك في عمر التاسعة تعلمت على يد صهري، الذي علّمني أصول وفنون الصيد، وفي عمر ال16 بدأت أجوب أعماق البحر بمفردي وأصطاد السمك بأحجام كبيرة .

في عمق البحر تصطاد . وعلى بعد يتراوح بين 6 و9 كيلومترات حسب قولها، ولطالما توفقت في صيد أسماك ثقيلة الوزن مثل التريخون الذي يتراوح وزن الواحدة منه بين 4 و7 كيلوغرامات وعلى عمق لا يقل عن 45 متراً، فيما يحالفها الحظ أحيانا في اصطياد سمك اللقز الذي يوجد على عمق 150 متراً .

عند ميناء الأوزاعي يقف المركب فتهم إلهام برفقة ابنها محمد لإنزال حمولتها إلى المزاد العلني، وعلى رصيف الميناء تبسط صيدها فيتوافد إليها الناس للشراء رغم تحكمها في الأسعار مبررة ذلك بقولها: قلة من تصطاد مثلي أنواع السمك وأحجامه . وتعتبر إلهام صيادة الأسماك الوحيدة في جنوب لبنان إن لم يكن في كل لبنان . امتهنت المهنة على مدى أكثر من 35 عاما، حيث كان شغفها بالبحر الدافع وراء قيامها بعمل ذكوري بامتياز . وكانت ب المحظوظة بين الصيادين، جعلت عالم الأسماك الأقرب إلى حياتها بعد أن تعلمت مواجهة المياه الخطرة لتحصل على ما تنتظره من صيد بشكل شبه يومي، وبالطبع بعد تأمينها متطلبات الصيد كافة وقبل إقلاعها من شاطئ الأوزاعي .

حين تراقبها تنزل حمولتها من مركبها جاد في ميناء الأوزاعي تتأكد من صلابتها . فالبحر يعلمك الكثير صحيح أن الحرب الأهلية حرمتني إكمال دراستي وهذا يعز عليّ، ولكن ما تعلمته في البحر كان عظيماً، يكفي الصبر والحكمة وطول البال والشعور بالسعادة . البحر علاج سحري يزيل كل توتر يصيب الإنسان جرّاء مشكلات العمل الشاقة . وتعلمت أيضاً التجارة فأنا أبيع صيدي في السوق وهذا زاد من مكانتي كامرأة .

بحّارة، وصيادة قلبت موازين لعبة صيد السمك، فشكلت حالة تعجب لكل من يعبر ميناء الأوزاعي أو الصرفند جنوب لبنان، وحسبها أن رواد الشاطئ الغرباء يستغربون رؤية امرأة تمد الشباك وتبدل المرساة، وتصطاد في عمق البحر .

في كل حال نجحت إلهام في خطف الأنظار وحث كثيرات على خوض مهنة شاقة، ورغم سيل الانتقادات، أكملت مسيرها تقول: ها أنا في الخمسين ولا أزال صيادة ابنة صياد، ولو لم أكن على قدر من المسؤولية تجاه نفسي لما أكملت، وحبي للبحر أطاح كل التقاليد داخل مجتمع محافظ على القيم التقليدية . والحقيقة لم أجد نفسي مضطرة لتحدي هذه التقاليد لأن المجتمع تقبّل الفكرة تدريجياً . وحقيقة أخرى أنها امتلكت مهارة عالية في مهنتها وصادفها حظ جيد دائماً، حيث وقع في طعم صنارتها كل أنواع السمك: (كلاب البحر، والغزلان والبلاميدا والجراوي والبريق والجريش، وأحياناً الوطاويط القوية والثقيلة الوزن)، كانت تلقى المساعدة ممن يرافقها من أفراد عائلتها أو أقاربها في سحبها إلى داخل المركب .

أبعد من ذلك لم تتوقف مهارات إلهام عند هذا الحد فقد أتقنت الصيد بما يسمى الجرجارة وهي عبارة عن ريشة خشبية طويلة وقوية تنتهي بصنارة، وتقوم برميها على وجه الماء ثم تسير بمركبها، وما هي إلا دقائق حتى تقع السمكة في الطعم .

ولكن هل من مخاطر واجهتها؟ لا تتردد في القول: المواجهة مع كلاب البحر (القرش) من أخطر الأحداث واللحظات التي عشتها في عالم البحار، نظراً لبقائه حياً لدقائق وقيامه بحركات مؤذية للقريبين منه فيما يصل وزنه إلى حوالي 600 كيلوغرام وأحياناً أكثر .

شكل البحر مرسى حرية إلهام التي تجد فيه راحتها النفسية، وغدا أكسجين حياتها وفق تعبيرها ورغم سنيها الخمسين لم تنقطع عن البحر فقد أصبح هواية أمارسها مرة أو مرتين في الأسبوع . تنقلت إلهام في رحلة صيدها بين شواطئ الزهراني والصرفند وصيدا وعدلون والأوزاعي، ليبقى الصرفند هو المفضل حتى الآن لأنه شاطئ بلدتها الأم .

في كل يوم تغادر إلهام البحر تشعر بالضياع، لأنه مكان رزقها ومصدر استقرار عائلتها، اعتادت السهر والبقاء وسط البحر وتحديداً في الفترة الممتدة بين المغرب والفجر من اليوم الثاني بهدف اصطياد سمكة التريخون التي تأتي لتأكل في هذه الفترة، فتكون إلهام لها بالمرصاد .

تزوجت إلهام من الصيّاد زين سليم وتقول عنه: كان يصطحبني معه إلى عرض البحر لسنوات عدة وكنا نصطاد ما يقارب ال05 كيلوغراماً كل يوم من الموسم الذي يبدأ في شهر أغسطس/آب وينتهي في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام . وسنة بعد أخرى انخفض الرقم إلى عشرة كيلوغرامات في منطقة الأوزاعي، بسبب شفط الرمل من منطقة الرصيف القاري (على مسافة 10 أمتار من الشاطئ حيث يضع السمك بيوضه) ما يتسبب بالقضاء على البيئة التي تبيض فيها السمكة، ويترك أثره في كل أنواع السمك وحتى على السلاحف .

إلهام بحر أسرار، نجحت في وظيفة الصيد التي تعد أقدم المهن التي عرفها الإنسان، وقالت للجميع: إن الحياة لعبة والعمل تحدٍ والمستحيل بعيد عني . . . ترمي كلماتها قبل أن تكمل بيع سمكها .