في كل الحروب الحديثة التي شنها خصوم الإنسانية وأعداء السلام في الغرب المتحضر عانى المسلمون من أبشع صور العدوان، وعلى يد إسرائيل شاهدنا أحقر صور العدوان وإهدار حقوق الإنسان والحيوان والنبات والجماد ورأينا كيف شن هذا الكيان الشيطاني أبشع حروب الإبادة ضد الفلسطينيين واللبنانيين تحت سمع وبصر ومباركة أمريكا والغرب المتحضر.
هذه الجرائم غير المسبوقة التي ارتكبتها قوات التحالف في العراق وأفغانستان وباكستان، وارتكبتها إسرائيل في الجنوب اللبناني ثم في غزة ومن قبل في الضفة الغربية، تفرض علينا أن نتحدث اليوم عن آداب وأخلاقيات الإسلام في الحروب والتي تجسد أروع صور التسامح والرحمة.
في البداية يوضح الفقيه والداعية الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن الإسلام لا يلجأ إلى الحروب والمواجهات العسكرية إلا عند الضرورة القصوى، فالسلام هو هدف المسلمين وثقافتهم التي تسيطر عليهم كل الوقت، فإذا ما تعرضت أوطانهم أو حرماتهم أو دينهم لعدوان فعليهم في هذه الحالات فقط أن يهبوا للدفاع عن دينهم وأوطانهم وحرماتهم، ولذلك عرفت حروب المسلمين عبر التاريخ بأنها حروب دفاعية، وحتى الفتوحات الإسلامية لم تكن عدوانا ولا إرهابا، بل كانت تستهدف الدفاع عن حقوق المسلمين، حيث تعود الخصوم في كل عصور التاريخ على إهدارها وعدم الاعتراف بها.
لا تمثيل بالجثث
وتبرز صور التسامح والرحمة في معاملة المسلمين لغيرهم في حالة الحروب أكثر منها في حالة السلم، فالفضيلة كما يؤكد الدكتور عثمان لا تفارق الإسلام في كل شأن من شؤونه، ولذلك نرى شريعة الإسلام لا تبيح أن يمثل بجثث القتلى من العدو حتى ولو فعل ذلك بجثث شهدائنا.
ولقد حدث في معركة أحد أن مثل المشركون بجثث شهداء المسلمين انتقاما وشفاء لغليلهم منهم في معركة بدر التي هزمهم المسلمون فيها، ولما التمس المسلمون القتلى بعد معركة أحد، رأوا المشركين قد مثلوا بجثثهم وكان تمثيلهم بحمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم شر تمثيل، ولما رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم ما فعلوه بشهداء المسلمين حلف ليمثلن بالمشركين عندما يظفر بهم ويمكنه الله منهم وذلك معاملة لهم بالمثل، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، فكفّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن يمينه وكان ينهى المسلمين عن التمثيل بجثث المشركين فلم يحصل التمثيل من أحد من المسلمين.
وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا على اسم الله في سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا الغلول هو الخيانة في المغنم ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا.
ولا اعتداء على الآمنين
وتتجلى سماحة الإسلام في حالة الحرب بالنهي عن التعرض لمن لا يقاتل بأي أذى، فلا يجوز للمسلمين أن يعتدوا على الآمنين، ولا يجوز لهم أن يقتلوا صبياً، ولا يجوز أن يقتلوا النساء، ولا يجوز أن يقتلوا شيخاً كبيراً والتوجيه النبوي الكريم واضح كل الوضوح في هذه المسألة لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة، وتوجيهات أبي بكر الصديق رضي الله عنه لقواته في هذا الشأن واضحة حيث قال لهم: وستمرون على أقوام في الصوامع قد حبسوا أنفسهم فيها فدعوهم حتى يميتهم الله على ضلالهم، وهؤلاء أيضا لا يقاتلون فهم يشبهون من لا يقدر على القتال، كما أنه رضي الله عنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين أرسله الى الشام بقوله: يا يزيد لا تقتل صبياً ولا امرأة ولا هرماً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شجراً مثمراً ولا دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدواب صبراً.
وهكذا نجد أن إنسانية الإسلام في الحروب لا تقف عند احترام حقوق الإنسان، بل تتعدى ذلك إلى احترام حقوق الحيوان وعدم العدوان على البيئة وعناصرها المتعددة بالإفساد والتدمير والتخريب، فلا يجوز للمسلمين في حروبهم عقر الحيوانات التي يمتلكها العدو من أجل إغاظته أو إلحاق الأضرار المادية به، أو من أجل الانتقام منه.
وهذا السلوك الحضاري كان شأن المسلمين في كل حروبهم، وقد بدأ هذا المنهج الإنساني الذي أرساه الإسلام منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقه الخلفاء الراشدون خير تطبيق.
حفظ كرامة الأسير
ومن أروع صور التسامح والرحمة في شريعة الإسلام أنها ضمنت كل صور المعاملة الكريمة لأسرى الحروب.
يقول الدكتور محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: لم يترك الإسلام أمر التعامل مع هؤلاء الأسرى لرئيس الدولة أو قادة الجيش حتى لا يستبدوا بهم وفق أغراضهم أو حسب هواهم، وإنما نظم الإسلام أمر معاملتهم تنظيماً دقيقاً حفظ به كرامة الأسير، ووضع من الضوابط والقواعد والآداب والأخلاقيات ما لم تصل إليه النظم الوضعية أو المعاهدات الدولية التي نظمت التعامل مع أسرى الحروب.
ويضيف: إن إنسانية الإسلام ورحمته وتسامحه تظهر بوضوح في معاملة الأسرى، فكل أشكال القسوة والغلظة وإهدار الحقوق التي شاهدناها في معاملة غير المسلمين من دعاة المدنية والحضارة وحقوق الإنسان للمسلمين لا يقرها الإسلام، فإذا كان الإسلام قد أباح التعامل بالغلظة وقسوة مع العدو في ساحة القتال، فالأمر يختلف لو ألقى سلاحه وسلم أمره إلينا اختياراً أو جبراً، وهو أمر يستوجب أن نتعامل معه برأفة باعتباره مغلوبا على أمره، فهو بالنسبة لنا كالمسالم الذي لم يرفع سلاحا في وجه المسلمين.
من مظاهر الرحمة
وتتعدد وتتنوع مظاهر الرأفة والرحمة بأسرى الحروب، وأبرزها:
* عدم جواز أن يقتل الجندي المسلم أسيره من جنود العدو، وكل ما عليه هو تسليمه لقيادته التي تقوم بدورها بتسليمه إلى رئيس الدولة ليتخذ فيه قراره، فإذا ما كان الأسير لم ينقد للجندي المسلم ويمتنع عن الخضوع له، فله في هذه الحالة أن يكرهه بالقدر اللازم من ضرب وغيره من وسائل الإكراه الشريفة، وما يسري على الجندي المسلم من وجوب تسليم أسيره إلى قيادته يسري كذلك على الأفراد من غير الجيش إذا تمكنوا من القبض على بعض الفارين من جنود العدو، أو الهابطين من طائراتهم، فيجب عليهم أيضا تسليم من أسروهم إلى المسؤولين في الجيش أو إلى قوات الأمن، ووجوب تسليم الأسرى إلى رئيس الدولة لينفذ فيهم ما يراه إنما يرجع إلى اعتبار أن أسير الحرب لا يعتبر أسيرا لفرد من الأفراد، وإنما يعتبر أسيرا للدولة، وقد اتفق القانون الدولي مع الشريعة الإسلامية في هذه الناحية، إذ بينت اتفاقية جنيف المعقودة سنة 1929 أن أسير الحرب يعتبر أسيرا للدولة وليس أسيرا للشخص أو الوحدة العسكرية التي أخذته.
* عدم جواز التفريق في الأسرى بين الوالدة وولدها الصغير وبين الوالد وولده الصغير كذلك الذي لا أم له، وقال الفقهاء بكراهة التفريق بين الأخ وأخيه، وذلك لأن النواحي الإنسانية مراعاة في الشريعة الإسلامية حتى في الحروب والتعامل مع أعداء هذه الشريعة.
* وجوب المعاملة الطيبة للأسرى، فالإسلام يوصي بحسن معاملتهم، فما يكون ما فعله أعداؤنا بنا في الحرب سببا للانتقام من أسراهم، لأن الكرامة الإنسانية محفوظة دائما في شريعة الإسلام، فكل سلوكيات المسلمين تحكمها وتوجهها التقوى، حتى في التعامل مع المقاتلين في ساحات القتال فالله سبحانه وتعالى يقول: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين، وقد اعتبر الإسلام إطعام الأسير قربة من القربات التي يتقرب بها المؤمنون إلى ربهم، ويظهر هذا واضحا في قول الحق تبارك وتعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، والتاريخ يحدثنا عما سجله المسلمون من مثل مضيئة في التعامل مع الأسرى والإحسان إليهم وإكرامهم تطبيقا لأوامر شريعتنا الإسلامية الرحيمة، فتاريخ المعارك يسطر بحروف من نور ما كان يفعله المسلمون المنتصرون مع أسراهم، ولنرجع إلى معاركنا الكبرى وفي مقدمتها معركة بدر لنقف على السمو والرقي والتحضر كما يقول الدكتور شامة في معاملة المنتصر لأسيره ولا نجده إلا عند أتباع شريعة الإسلام.