منصور

هذه الإنفلونزا لا علاقة لها بالجهاز التنفسي ولا تنتقل بالعدوى، والمصابون بها يعلنون براءة الطيور والخنازير من مرضهم . إنها إنفلونزا نفسية وذهنية، وهي أيضاً سلحفائية ليس نسبة إلى السلحفاة التي تسعى وهي حاملة بيتها الذي هو قبرها أيضاً على ظهرها، والمصابون بهذه الإنفلونزا الزواحفية هم الأشد التصاقاً بالأرض والذين يحتاجون لشهر كامل كي يقطعوا ميلاً واحداً، لا يعقبه ألف ميل على طريقة ماوتسي تونغ المتفائلة .
الكسل خصوصاً حين يفيض عن الجسد ليشمل الروح هو فيروس هذا المرض الذي لا تنفع معه أية مضادات حيوية أو ثقافية، ففي زمن التسارع المحموم والسباقات الماراثونية يصبح من يتخلف كمن أصيب بشلل نصفي بحيث لا ينفع معه الاستدراك، ولن يستطيع تسديد المديونيات المتراكمة عليه، لأن عصرنا هذا يضيف نسبة من الربا إلى من تكون مديونياتهم ثقافية وسياسية وليس اقتصادية، وما يقال عن كسب السلحفاة لرهان السباق مع الأرنب يراد به شيء آخر تماماً لا علاقة له بهذا السياق، لأن المقصود به هو احتفاظ السلحفاة بطاقتها نتيجة البطء .
في عصرنا لا تسابق السلاحف الأرانب فقط، بل الطيور أيضاً، وربما الطائرات الأسرع من الصوت، لهذا فهي محكوم عليها بالفشل حتى النهاية .
وهناك رواية طريفة ومشحونة بالسخرية، عنوانها كوميديا الزواحف، عن إنسان تتعطل عقارب ساعته، ويخطو في كل يوم خطوة أو أقل، ومن يعيشون هذه الأيام بإيقاعات قديمة وتقليدية ويظنون أن العالم يضبط خطواته على إيقاعاتهم سوف يكتشفون بعد فوات الأوان أنهم وحيدون في طريق مهجور وموحش، وأن العالم قد ابتعد عنهم مسافات ضوئية، فلم يحدث في أي عصر أن كان التطور على هذا النحو من التسارع، بحيث يعادل عام واحد فقط منه نصف قرن بمقياس التقاويم القديمة .
لا حاجة للسلحفاة أن تبني بيتاً لأنها تحمله، ولا حاجة لها بالدفن لأن قبرها على ظهرها، لهذا فهي ما إن تُقْلَب حتى تتحول إلى حجر .
كوميديا الزواحف هي الآن عنوان بشر يصرون على المرُاوحة حيث يقفون، ناسين أن التاريخ لا يحمي الجاهلين به، كما أن القانون لا يشفع للمغفلين، فالإنسان قد يكون ضحية جهله بعصره وبمجمل المفاعيل التي تتحكم فيه، ويكفينا دقيقة واحدة نتصفح خلالها الأرقام في كل المجالات كي ندرك أن هناك زواحف ماكثة تحت صدفاتها بانتظار الموت، ومقابل مَنْ يغامرون بالسفر إلى المجرات والكواكب هناك أناس لا يغامرون حتى بمجرد التفكير، ولا ينظرون إلى الأعلى لأن عيونهم مسمرة على أقدامهم!
قد تعيش السلحفاة سبعين أو ثمانين عاماً ولا تسأم الحياة وتكاليفها كما قال شاعرنا العربي زهير، لكنّ عصفوراً يعيش أقل من عام يقطع من المسافات ما لم تحلم به طوال العمر .
ما نقرأه أحياناً عن حجم التطور الذي تحقق للبشر خلال نصف قرن يدفعنا إلى إعادة النظر في التاريخ كله، وبالتالي للشك في كل الحكم والمواعظ التي تمجد بطء السلحفاة وتَعِدُها بالنصر!