د. رشاد سالم *

من أخلاق المسلم ألّا يظن بالناس ظناً لا يقوم على دليل، بل إنه ليجتنب كثيراً من الظن، كما
أمر الله عز وجل في محكم كتابه، «يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ». (الحجرات، ١٢)
ولهذا حذر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الظن ورجم الناس بالغيب بعيداً عن الحقيقة واليقين، فقال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». متفق عليه.
والهدي النبوي يحذر من الظن، ويعده أكذب الحديث، ويوجه المسلمين والمسلمات إلى الأخذ بالظاهر من أعمال الناس، والبعد عن رميهم بالظنون والشكوك والأقاويل والأوهام، فليس من خُلق الإنسان المسلم ولا من شأنه أن يكشف عن سرائر الناس، ويغوص في خصوصياتهم ويخوض في أعراضهم، فالسرائر يعلم خبيئها ويكشف عنها ويحاسب عليها الله الذي يعلم السر وأخفى.
أما الإنسان فليس له من أخيه إلا الظاهر من عمله، وهذا ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين استروحوا نسمات هذا الهدي نقية صافية من كل شائبة وكدر.
عن عبد الله عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يقول: إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه على سريرته، ومن أظهر لنا شراً لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: سريرته حسنة.
ومن هنا كان المسلم متحرزاً متحفظاً في كل كلمة يتفوه بها، متشبثاً من كل حكم يطلقه في حق الناس، ذاكراً دوما قول الله تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً». (الإسراء، ٣٦)، فإذا هو
واقف عند هذا النهي القاطع الحكيم، لا يتكلم إلا بعلم، ولا يطلق حكماً إلا بيقين.
وإن المسلم التقيّ ليستشعر دوماً ذلك الملك الرقيب العتيد الموكل بإحصاء كل كلمة تندّ عن لسانه، وكل حكم يصدر عنه، فيزداد فزعاً وخشية من الوقوع في إثم الرجم بالظن.
«مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».(ق، ١٨).
إن المسلم النابه ليقدر مسؤولية الكلمة التي يتفوه بها؛ لأنه يعلم أن هذه الكلمة التي يطلقها قد ترفعه إلى مقام رضوان الله، عز وجل، أو تهوي به إلى درك سخطه وغضبه، وفي ذلك يقول المصطفى، صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة». رواه مالك في «الموطأ».
ما أعظم مسؤولية الكلمة، وما أكبر الآثار المترتبة على ما تقذف به الألسنة الثرثارة من أقاويل. إن المسلم الحق لا يلقي بالاً لأكثر ما يدور في المجالس من أقاويل وشائعات وظنون وتخيلات. ويعد نقل ما يسمع من هذه الأقاويل قبل التثبت من صحته من الكذب المحرم الذي نص عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقوله: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع». رواه مسلم.

* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة