"إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم"

12:53 مساء
قراءة 5 دقائق

المتأمل في واقع الحياة وأحداثها، يجد كثيرا من الزوجات يحملن عداء وكرها شديداً لأزواجهن، مع أن الحق سبحانه أكد في كتابه الحكيم أن العلاقة بين الزوجين تقوم على المودة والرحمة ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، وهذا العداء يأخذ صورا كثيرة ومتفاوتة الحدة، حتى وصل إلى ما نراه ونقرأ عنه كل يوم من جرائم قتل الأزواج، التي تزداد بشاعة في مجتمعاتنا العربية يوما بعد يوم .

كما نرى الآن جرائم منكرة من أبناء تجاه آبائهم وأمهاتهم تتدرج من العقوق إلى الإساءات اللفظية، إلى العدوان البدني، حتى تصل إلى جريمة القتل . . يحدث هذا في واقع الحياة المعاصرة، مع أن القرآن الكريم أمر في العديد من الآيات الكريمات ببر الوالدين والإحسان إليهما، حتى ولو كانا كافرين: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا .

ما يحدث في حياتنا اليوم من عداوات من جانب الزوجات والأبناء، حذر منه القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، حيث قال سبحانه وتعالى في سورة التغابن: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا إِن مِنْ أزواجكُمْ وَأولادكُمْ عَدُوّاً لكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللهَ غَفُورٌ رحِيمٌ . إِنمَا أموالكُمْ وَأولادكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . فَاتقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُح نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . إِن تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

في هذه الآيات الكريمة يوجه الحق سبحانه نداء إلى المؤمنين، يحذرهم فيه من فتنة الأزواج والأولاد والأموال، ويحضهم على مراقبته وتقواه ويحذرهم من البخل والشح، ويعدهم بالأجر العظيم متى أطاعوه .

وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات، منها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا سأل عن هذه الآيات فقال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أولادهم وأزواجهم أن يتركوهم ليهاجروا، فلما أتوا رسول الله صلى بالمدينة رأوا الناس قد تفقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوا أولادهم وأزواجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات .

وروي أن هذه الآيات نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، فقد شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أهله وولده فنزلت .

عداوة دينية ودنيوية

وقد صدر الحق هذه الآيات الكريمة بالنداء بصفة الإيمان، لحض عباده المؤمنين على الاستجابة لما اشتملت عليه هذه الآيات من توجيهات سامية وإرشادات عالية، وهدايات رشيدة، ذلك أن شأن الإيمان الحق أن يحمل صاحبه على طاعة الله عز وجل .

والمراد بالعداوة كما يقول المفسرون كل ما يشمل العداوة الدينية والدنيوية، بأن يكون هؤلاء الأولاد والأزواج يضمرون لآبائهم وأزواجهم العداوة والبغضاء وسوء النية، بسبب الاختلاف في الطباع أو العقيدة والأخلاق .

ومعنى الآية: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إن بعض أزواجكم وأولادكم، يعادونكم ويخالفونكم في أمر دينكم وفي أمور دنياكم فاحذروهم أي فاحذروا أن تطيعوهم في أمر يتعارض مع تعاليم دينكم، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن تعفوا عنهم، بأن تتركوا عقابهم بعد التصميم عليه، وتصفحوا عنهم، بأن تتركوهم من دون عقاب، وتغفروا ما وقع منهم من أخطاء فإن الله غفور رحيم .

فتنة الأموال والأولاد

والمراد بالفتنة في قوله سبحانه: إِنمَا أموالكُمْ وَأولادكُمْ فِتْنَةٌ، كل ما يفتن الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على طاعة الله تعالى، أي: إن أموالكم وأولادكم أيها المؤمنون على رأس الأمور التي تؤدي المبالغة والمغالاة في الاشتغال بها، إلى التقصير في طاعة الله تعالى، وإلى مخالفة أمره .

قال الألوسي في تفسيره: قوله تعالى: إِنمَا أموالكُمْ وَأولادكُمْ فِتْنَةٌ أي بلاء ومحنة، لأنهم يترتب عليهم الوقوع في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك، وفي الحديث يؤتي بالرجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته .

وجاء في الحديث الصحيح عن بريده: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم من فوق المنبر فحملهما، ثم صعد المنبر فقال: صدق الله إذ يقول: إِنمَا أموالكُمْ وَأولادكُمْ فِتْنَةٌ إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي، ونظرت إليهما .

قال العلماء في قوله مِنْ أزواجكُمْ وَأولادكُمْ أدخل من التبعيضية، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يدخل من في قوله إِنمَا أموالكُمْ وَأولادكُمْ فِتْنَةٌ، ولاشتغال القلب بهما، وقدم الأموال على الأولاد، لأن الفتنة بالمال أكثر، وترك ذكر الأزواج في الفتنة، لأن منهم من يكن صلاحا وعونا على الآخرة .

ومعنى قوله تعالى: وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ: إن الله تعالى عنده أجر عظيم لمن آثر محبته وطاعته على محبة الأزواج والأموال .

طاعة وتقوى

والمراد بالاستطاعة في قوله تعالى: فَاتقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ نهاية الطاقة والجهد، أي: إذا كان الأمر، كما ذكرت لكم من أن المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي لا يشغله ماله أو ولده أو زوجه عن ذكر الله تعالى وطاعته، فابذلوا نهاية قدرتكم واستطاعتكم في طاعة الله تعالى، وداوموا على ذلك في جميع الأوقات والأزمان .

وليس بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته تعارض، لأن كلتا الآيتين تأمران المسلم بأن يبذل قصارى جهده، ونهاية طاقته، في المواظبة على أداء ما كلفه الله به .

والمعنى العام للآية: فاتقوا الله تعالى في كل ما تأتون وما تذرون واسمعوا ما يبلغكم إياه رسولنا عنا سماع تدبر وتفكر، وأطيعوه في كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه، وأنفقوا مما رزقكم الله تعالى من خير، يكن هذا الإنفاق خيرا لأنفسكم في دنياكم وفي آخرتكم .

ومن يوق شح نفسه أي: ومن يستطع أن يبعد نفسه عن الشح والبخل فأولئك هم المفلحون أي: الفائزون فوزا تاما لا نقص معه .

ثم ختم الله سبحانه هذه الآيات بالحض على الإنفاق في سبيله فقال: إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم أي: إن تبذلوا أموالكم في وجوه الخير التي يحبها الله تعالى بذلا مصحوبا بالإخلاص وطيب النفس، يضاعف الله تعالى لكم ثواب هذا الإنفاق والإقراض بأن يجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف ويغفر لكم، فضلا عن ذلك ذنوبكم ببركة هذا الإنفاق الخالص لوجهه الكريم، والله شكور أي كثير الشكر لمن أطاعه حليم لا يعاجل بالعقوبة المذنبين .

يقول أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، د .صبري عبد الرؤوف: هذه الآيات تحمل لمحة إعجاز واضحة، فلم يكن في زمن نزول الوحي ما نراه الآن من عداوة واضحة للأزواج والآباء والأمهات، ومع ذلك نرى التحذير الإلهي من الزوجات والأولاد . . وهذه العداوات تحدث نتيجة الخروج على منهج الله، فالحياة الأسرية التي رسم لنا الخالق معالمها، تقوم على المودة والرحمة والتعاون والتكافل، وعندما تضيع كل هذه المعاني الجميلة تحدث العداوات والصراعات التي تصل إلى جرائم منكرة يندى لها جبين الإنسانية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"