أربع سنوات مرت على رحيل الفنان إيلي صنيفر، لكن حضوره الفني الطاغي في حوالي نصف قرن، مازالت في ذاكرة آلاف اللبنانيين الذين يستعيدون أدواره في شخصيات طيبة وشريرة خلدها التاريخ، مثل أحدب نوتردام في مسلسل الأخرس عن رواية فيكتور هيغو الخالدة، والسفاح جمال باشا في مسلسل قوافل الأحرار، ويهوذا التلميذ الخائن . . ليكتفي في أعوامه الأخيرة بأدوار في إذاعة لبنان الرسمية، وليبقى بالتالي رجل كل الفصول الفنية بامتياز .

ولد إيلي صنيفر في بلدة الحدث في قضاء بعبدا، في 15 شباط/ فبراير ،1935 واستطاع خلال مسيرته الفنيّة أن يقدم نفسه كفنان قادر على تجسيد مختلف الأدوار ببراعة لافتة وإتقان واضح . رأيناه في شخصيّة الرجل الطيب المسؤول عن إعالة أولاده إثر وفاة زوجته، وبرع في تجسيد شخصيّة الرجل الشرير في أكثر من عمل درامي . تميّز بلدغته المحبّبة في حرف الراء، التي حاول أكثر من ممثل تقليده فيها لإضفاء أجواء مرحة على أعمالهم الكوميديّة، إنما ظلّت هذه اللدغة علامة فارقة في شخصيته وأعماله . رحل بعد عطاء فني ناهز نصف قرن، بين التلفزيون والسينما والمسرح، مقدماً خلالها عشرات الأعمال الناجحة التي لن تغيب عن بال جمهوره . ولعل مسلسل الأخرس المأخوذ عن رواية أحدب نوتردام العالميّة للأديب الفرنسي فيكتور هوغو، ثم دوره المتميّز في مسلسل الأبله، وشخصيّة يهوذا في حلقات صورت سيرة حياته وأسلوب تعاطيه مع رفاقه، فاستحق عنه وسام السفارة البابويّة، وفيلم قوافل الأحرار أدى فيه ببراعة لافتة شخصيّة جمال باشا السفّاح، وسواها من الأعمال التلفزيونيّة الناجحة، تؤكّد أنه فنان يصعب على الذاكرة الفنيّة العربيّة عامة واللبنانيّة خاصة أن تنساه . هذه الأعمال هي غيض من فيض إبداعات ايلي الدراميّة التي يحتفظ بها أرشيف تلفزيون لبنان من بينها: يا مدير والدنيا هيك للراحل محمد شامل، وفي هذا العمل الأخير جسد شخصيّة عزيز السلمنكي بعد رحيل الياس رزق، حكايات من لبنان الذي قدّمه قبل انطلاقته مع أبو ملحم . ومن أعماله في التلفزيون أيضاً: الأمير الضفدع (1959) من تأليف جوزيف فاخوري، المفتش تأليف فاضل سعيد عقل وإخراج الياس متى (1970)، الضيعة بألف خير (1973) من إخراج الياس متى أيضاً وتأليف يوسف حبشي الأشقر، إضافة إلى مريض الوهم والعالم الكبير يو إخراج بيرج فازليان وأربع مجانين وبس عام ،1980 والوحش عام 1982 من إخراج باسم نصر، والصقيع وعيّوق ورفقاتو مع فريال كريم للكاتب مران نجار . وفي الأعوام الأخيرة من حياته، شارك في مسلسل العاصفة تهب مرتين للكاتب شكري أنيس فاخوري والمخرج ميلاد الهاشم، وقبله بنت الكبّا والبركه للكاتب أندريه شاهين ومسلسل أبو زيد الهلالي للكاتب أنطوان غندور والمخرج غسان اسطفان، ومسلسل البديل للمخرج باسم نصر ومسلسل غربل يا غربال والحكي ببلاش للكاتب حسن سعد والمخرج ربيع بشارة . كما أعد مع جوزيف فاخوري أول تجربة ماريونات في لبنان، وذلك في برنامج قدّمه بعنوان يا أم توفيق الذي أدت بطولته النسائيّة الفنانة الراحلة ملفينا أمين . وفي كل الأحوال، لم ينقطع صنيفر عن عمله الفني حتى في أحلك الظروف وفي سنوات الحرب الأهلية، خصوصاً أن شخصيّته الفنية، تبلورت أبعادها الوطنية وبات عنوانا لأجيال بكاملها . لا بل أصبح هوية للوطن الذي كان يبحث يومها عن حقيقته كما يقول بعض محبيه .

لم يكن حضور الفنان الراحل أقل شأناً في الإذاعة اللبنانية الرسمية والإذاعات الخاصة، فقد كان من أوائل الممثلين الذين وقفوا خلف المذياع وأدى أدواراً مميزة، آخرها الحلقات الكوميديّة الاجتماعيّة الساخرة توت توت ع بيروت قبل عام واحد من وفاته إلى جانب عمر ميقاتي وفاديا عبّود . كما حاله على الخشبة، حيث برز في مسرحيّة ميس الريم، إضافة إلى عشرات الأدوار المسرحية الأخرى وآخرها مسرحيّة ثورة شعب مع الأب فادي تابت .

ويكشف صنيفر كيف عرض عليه الأخوان رحباني المشاركة في مسرحهم، قائلاً: كنت أصوّر دوري في مسلسل الأخرس حين اتصل بي الياس رحباني، لينقل رغبة عاصي (الرحباني) في لقائي . . . نزلت إلى مسرح قصر البكاديللي، حيث عرض عليّ الأخير القيام بدور المختار في مسرحيّة ميس الريم، ولم يتأخر حتى بدأ البروفات السريعة لمدة يومين فقط، لأن الافتتاح كان قد تقرّر قبل يومين، ما يعني أنني لم أكن بحاجة للتدريبات لحفظ الدور ليس أكثر .

لم يسمح القدر للراحل بأن يتوّج آخر المشوار بمسلسلات كان يحلم بتقديمها . فقد أراد اختتام رحلة الفن التي بدأها قبل خمسة عقود، بجملة أعمال أوّلها كبروا الحبايب، وهو الجزء الثاني من المسلسل الشهير ست الحبايب يا بابا، ثم الضياع وكواليس . . . غير أنه رحل قبل تنفيذ أي منها، لأنه لم يجد جهة الإنتاج ولا المخرج القبضاي كما كان يحلو له القول . ما يعني أن إيلي صنيفر لم يقل كلمته المسرحية الأخيرة . فقد غُيّب في السنوات الأخيرة عن الدراما التلفزيونيّة منذ كومبارس على تلفزيون لبنان أواخر التسعينات، وأطل إذاعيّاً فقط عبر الإذاعة اللبنانيّة . ومهما غاب عن الشاشة، لا شكّ في أنّ شخصية أحدب نوتردام التي جسّدها ببراعة فائقة في مسلسل الأخرس من إعداد أحمد العشي، وحصد عنها وسام الاستحقاق اللبناني من رئيس الجمهوريّة الراحل سليمان فرنجيّة، تبقيه في البال .

أكثر ما كان يفاخر به ايلي صنيفر هو أنّه كان أول وجه يظهر على القناة 7 في تلفزيون لبنان، يوم 28 أيّار/ مايو 1959 . لكن مشواره الفني الطويل جعله يعتز بكونه أحد روّاد الدراما التلفزيونيّة ومنها على سبيل المثال لا الحصر يسعد مساكن مع الراحل أديب حداد (أبو ملحم) الذي قدم منه 750 حلقة تلفزيونيّة، استمر عرضها من 1960 حتى 1980 . وشارك صنيفر في فيلم بنت الحارس للأخوين رحباني مع السيدة فيروز، إضافة إلى قيامه بدور رئيسي في فيلم وداعاً يا لبنان مع إيفيت سرسق ومنير معاصري والممثلة الأمريكيّة مادلين سميث ورشيد علامة، وهو إنتاج لبناني- أمريكي مشترك أخرجه العراقي المقيم في أمريكا حكمت لبيب .

نعى صنيفر التلفزيون الرسمي في معظم حواراته الأخيرة قبل رحيله، ووصف ما يحصل مع المحطة بالجريمة التي ارتكبت في حق الفن في لبنان وفي حق التلفزيون بشكل خاص . وأبدى اقتناعه بأن ما حصل حينما أقفلته الدولة بقرار وزاري، هو مؤامرة على الفن اللبناني، متهماً أبناء البلد بالمشاركة في هذه المؤامرة . كما أسف لوضع الدراما المستحدثة ولم ير فيها بارقة أمل لتطويرها، معتبراً أنها هي في وضع انحطاط مائة في المائة . ومع ذلك، كان من أشد المعجبين بأداء بعض الممثلين وخصوصاً خريجي معهد الفنون . ولم ينكر خوفه على الجيل الصاعد، بالقول: ما ذنب هؤلاء الطلاب أن ينهوا دراستهم ويرموا في الطريق دون عمل، ليكون طموحهم الوحيد، الهجرة من هذا البلد؟ .

حاز صنيفر في السنوات الأخيرة من حياته وسام الاستحقاق برتبة فارس من المعهد الأنطوني قلّده إياه رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة السابق إميل لحّود، كما نال جائزة الموركس دور عن مجمل أعماله في العام ،2003 واعتبرته نقابة ممثلي الإذاعة والمسرح والسينما والتلفزيون واحداً من مؤسسيها الذين ساهموا في رفعة وجماليّة الفن اللبناني . وكما تميز في أعماله التلفزيونيّة والمسرحيّة والسينمائيّة، عرف كيف يحقق التوازن بين عمله وعائلته، فظلّ حتى آخر أيامه متعلقاً بزوجته حياة خليل وبولديه الطبيبين إيلي وباتريك . وقد توفي صنيفر متأثراً بأزمة قلبية عن عمر ناهز 70 عاماً في 30 آب/ أغسطس من العام 2005 .