القاهرة «الخليج»:

تطل المصرية الدكتورة إيمان بيبرس على المشهد الاجتماعي، كواحدة من أبرز خبراء العمل الأهلي في البلاد، فقد كانت وأخريات، أول من أسسن لأول جمعية أهلية تعنى بالاستثمار في الأحياء العشوائية. نجحت إيمان بيبرس على مدار سنوات في تقديم نموذج مختلف للعمل الأهلي التطوعي، بل إنها نجحت كذلك فيما فشلت فيه حكومات متعاقبة في مصر، بعدما وضعت تنمية الأحياء العشوائية في مقدمة اهتمامات جمعيتها التي تحمل اسم «جمعية نهوض وتنمية المرأة»، والتي تضم في عضويتها نخبة من سيدات المجتمع، اللاتي يؤمن بأهمية العمل الأهلي في تطوير مصر، والتعاطي مع العديد من الملفات الحيوية المتعلقة بتنمية المناطق الأكثر فقراً. تنتمي إيمان بيبرس لأسرة لها تاريخ طويل في العمل الدبلوماسي، لكنها تقول إنها فضلت الاتجاه نحو العمل الاجتماعي، وتضيف: رغم أنني ولدت لأسرة أغلبها يعمل في السلك الدبلوماسي والصحفي، فوالدي هو الكاتب الصحفي والإعلامي المعروف المرحوم ضياء الدين بيبرس، وما حدث أنه عقب تخرجي في الجامعة حصلت على أول وظيفة عن طريق أبي، وكانت في أحد البنوك الأجنبية العاملة في مصر، وكان راتبي فيها يصل إلى 400 جنيه، وكان مبلغاً كبيراً بحساب السبعينات، لكني رفضت العرض، واخترت العمل براتب لا يزيد على 40 جنيهاً، في هيئة الإغاثة الأمريكية.

اختارت إيمان بيبرس الانخراط في العمل الأهلي، لحبها للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي تقول عنه: كان أبو الفقراء في مصر، ووضعهم نصب عينيه في كل القرارات التي انتهى إليها، ولأني كنت وما زلت مفتونة بتجربته، فقد اخترت هذا الطريق الصعب.
على مدار سنوات هي حصيلة عملها في هذا المجال، لم تسلم إيمان بيبرس من الانتقادات والاتهامات التي كانت توجه لجمعيتها، ولغيرها من الجمعيات العاملة في المجال الأهلي والتطوعي، ومن أبرز هذه الاتهامات، تلقي التمويلات من الخارج، وعن ذلك تقول: لا ينبغي التعميم في تلك القضية، ومن يثير ذلك ليس لديهم الدراية الكافية بالفكر التطوعي والأهلي، وتضيف: عندما بدأت جمعيتي عملها في المناطق العشوائية، اكتشفت أن المرأة المعيلة لأسرة، هي التحدي الأكبر الذي يجب أن نتعامل معه، خاصة أن مثل هذه المرأة، تواجه مشكلة كبيرة في رحلة بحثها عن لقمة العيش، إلى جانب معاناتها من الفقر، وعدم وجود مهارات لديها، فضلاً عن مسؤوليتها عن تربية أطفالها، ولأن هذه المرأة في حاجة لأن تحقق الحماية والبقاء، أنشأت الجمعية برنامجاً للإقراض الجماعي، وكانت بذلك أول جمعية في الوطن العربي، تطبق نظام القروض متناهية الصغر بأسلوب الضمان الجماعي، فأتاحت الفرصة أمام هؤلاء النسوة، لإقامة مشروعاتهن في محال إقامتهن، أو بالقرب منها حتى لا يضطررن لترك أبنائهن، ومن خلال عمل المرأة في مشروعها الخاص تتمكن بالتالي من توفير الغذاء والتعليم والعلاج لأولادها، وبالتالي حمايتهم من التشرد.

تجربة فريدة

بدأت إيمان بيبرس من خلال جمعيتها في تلك التجربة الرائدة، فراحت تمنح القروض من دون الحاجة إلى ضامن أو ضمان، وكان القرض يخرج في البداية لمجموعة مكونة من خمس سيدات، يخترن بعضهن البعض، على أن يكون لكل سيدة من هؤلاء السيدات مشروع قائم أو فكرة مناسبة لمشروع، ثم تقوم الجمعية بعمل بحث ميداني لطبيعة المشروعات المناسبة، وتحرص على أن تكون هذه المشروعات ذات هامش ربح مناسب، كما أنها يجب أن تكون مناسبة للمناطق التي تقام فيها، وتقول إيمان بيبرس: حقق مشروع القروض الصغيرة نجاحاً كبيراً، حيث وصلت نسبة سداد القروض إلى 99% وفي بعض الأحيان وصلت إلى 100%، كما أن السيدات اللاتي حصلن على قروض تمكن من إنشاء مشروعات خاصة، وتوسيع هذه المشروعات حتى إن بعضهن تمكن من إنشاء مشروعات جديدة لأبنائهن.

تقول إيمان بيبرس عن جمعيتها: هي جمعية أهلية مستقلة، تعمل بشكل مباشر مع النساء المعيلات في أفقر مناطق القاهرة الكبرى ومحافظتي القليوبية والغربية، كما تعمل على الارتقاء بوضع المرأة على المستوى القومي والمحلي، وتم تسجيل الجمعية كجمعية أهلية في وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1987، ثم أعيد تسجيلها عام 2002، وفقاً لإجراءات «قانون الجمعيات الأهلية» الجديد، وقد وجهنا جهودنا لهذه الفئة من النساء من خلال أبحاثهم الميدانية في منطقتي «مصر القديمة» و«منشية ناصر»، وكانت المرة الأولى التي يتم فيها لفت الأنظار إلى فئة المرأة المعيلة، وبشكل أكثر تحديداً المرأة المعيلة في المناطق العشوائية، التي تعتبر من أكثر الفئات تهميشاً في المجتمع.
كانت إيمان بيبرس وجمعيتها هي أول من يقتحم منطقة منشية ناصر المعروفة بارتفاع معدل الفقر، وتدني مستويات المعيشة فيها، وهي تقول عن ذلك: بدأ عمل الجمعية في حجرة واحدة في «منشية ناصر» ببرنامج القروض متناهية الصغر، ثم امتدت فروع الجمعية الآن لتصل إلى محافظات أخرى، ويبلغ عدد فروعها اليوم 10 أفرع منتشرة في خمس مناطق مختلفة، ويعمل بها ما يزيد على المئتين، أغلبهم من الشباب من الجنسين، يعملون جميعاً تحت مظلة برامج الجمعية متعددة التي تشمل حالياً القروض متناهية الصغر، ومحو الأمية، والرعاية الصحية، والتوعية والمساعدة القانونية، وأحلام البنات، والمرأة العربية تتكلم، ومناهضة العنف الأسرى، وتنظيم المجتمع، وإقراض الشباب، والتنمية المحلية والمبادرات، ودعم المشاركة السياسية للمرأة.
وتحدد إيمان بيبرس رسالتها في العمل الأهلي بقولها: كل ما أستهدفه هو تمكين المرأة المعيلة اقتصاديا، من خلال منحها قروضاً صغيرة توفر لها فرص عمل، إلى جانب تمكينها قانونياً واجتماعياً، وثقافياً وصحياً، ورفع وعيها بحقوقها وواجباتها، وجمعيتنا تستهدف في هذا السياق خلق حلقة اتصال بين الجهات الحكومية المختلفة من ناحية، والمرأة المعيلة من ناحية أخرى، وكذلك لفت نظر صانعي القرار للمرأة المعيلة والفتاة المهمشة، وتوصيل أصوات هذه الفئات المهمشة بأسلوبها نفسه، ما يعني رفع وعي المجتمع عامة، بمخاطر تجاهل حقوق المرأة والفتاة المهمشة، وعواقب تجاهل وجودهما القانوني، وفى الوقت نفسه تستهدف الجمعية إقامة روابط بينها والجمعيات النسوية من جهة، ومع الممولين من جهة أخرى.
على مدار سنوات وإيمان بيبرس تعمل عبر جمعيتها الأهلية، في أفقر أحياء القاهرة وضواحيها، حيث تنتشر أنشطة الجمعية في العديد من الأحياء التابعة لمصر القديمة، ومناطق دار السلام والجمالية وعزبة عرب الوالدة بحلوان، بالإضافة لفرعي القليوبية والغربية، وجميعها مناطق مكتظة بالسكان وتعاني مشكلات كثيرة، وتقول بيبرس: منشية ناصر على سبيل المثال هي منطقة عشوائية نشأت في الستينات وبسبب تزايد عدد سكان المنطقة لما يزيد على 400 ألف نسمة، أصبحت المنطقة من أكثر أحياء القاهرة اكتظاظاً بالسكان، ويعاني الأهالي هناك مشكلات في المياه والصرف والكهرباء بالإضافة إلى سوء الطرق، وتشهد المنطقة زيادة في أعداد مرضى الربو،‏ والحساسية والفشل الكلوي لتفشي المشكلات المتعلقة بالصرف الصحي وانقطاع مياه الشرب.
عقب ثورة يناير، أصدرت إيمان بيبرس كتاباً، حمل عنوان «نساء من الميدان»، وثقت من خلاله قصص عشرات من السيدات والفتيات اللاتي شاركن في ثورة 25 يناير، سواء اللاتي شاركن بأنفسهن، أو ممن قدمن حياتهن فداء لمصر، من خلال قصص أمهات وزوجات وأخوات شهداء الثورة، الذين تركوهن بدون عائل أو سند لهن، وعلى الرغم من ذلك وجدت لديهن العزم والصلابة النابعة من إيمانهن ويقينهن بأن أبناءهن وأزواجهن وأخواتهن فازوا بالشهادة.
وتقول إيمان بيبرس: أصدرت هذا الكتاب رداً على الهجمة الشرسة التي تعرضت لها المرأة المصرية في ظل حكم الإخوان، على كل ما يتعلق بالمرأة وقضاياها بعد ثورة 25 يناير، فعلى الرغم من اشتراك المرأة في الثورة والمشاركة فيها منذ بدايتها حتى نهايتها، إلا أننا وجدنا أصواتاً تخرج لتهاجم كل المكتسبات التي حصلت عليها المرأة، كما ظهرت بعض الآراء المتشددة التي تنادي بعودة المرأة إلى المنزل، بالإضافة لظهور الأصوات التي تنادي بإلغاء قوانين المرأة، بحجة أنها تنتمي لقوانين النظام السابق.