منذ كانت طالبة وهي تبحث عن مجال عمل غير روتيني يتناسب مع شخصيتها التي تتميز بالنشاط والحيوية، وتستطيع معه أن تظهر كل قدراتها وإمكاناتها الفنية والإبداعية، فقررت الدخول إلى عالم الإعلام وتحديداً الإخراج التلفزيوني، ولم تكتف به بل قامت بإخراج عدد من المباريات الرياضية لتصبح أول إماراتية تقوم بإخراج المباريات الرياضية، وتثبت للجميع أنه لا يوجد فرق بين رجل وامرأة في أي مجال مهما كان . . هي المخرجة ابتسام الشايب مدير موظفي الإنتاج في تلفزيون الشارقة والتي دار معها الحوار التالي . .
فلنبدأ من تخصصك الجامعي، هل يتطابق مع عملك؟
- عند التحاقي بالجامعة لم يكن في بالي دراسة الإعلام وخاصة أنه لا يوجد أحد من بين بنات العائلة تخصص في هذا الفرع من العلوم، لذلك درست علم الاجتماع، كما كانت نظرة الناس لدراسة الإعلام أو العمل فيه غير مشجعة على الإطلاق وقتها، فبقيت أدرس علم الاجتماع إلا أن الإعلام جذبني وخاصة أن هذا المجال غير روتيني وبه حركة وتفاعل، وشعرت أنه أقرب إلى شخصيتي، فقررت الحصول على شهادة مزدوجة في الفرعين الإعلام والاجتماع، بحيث لو لم أجد عملاً في أحدهما أجد في الآخر .
لكن مهنة الإخراج صعبة فكيف تفوقت فيها حتى أصبحت مدير موظفي الإنتاج، في تلفزيون الشارقة؟
- طبعاً، في بداية ممارستي لهذه المهنة التي عشقتها مع مرور الوقت، كنت أراها صعبة وواجهتني الكثير من المعوقات، خصوصاً أنني من أوائل من تدرجوا فيها، فقد عملت كمنفذ ومساعد مخرج، ثم مخرج حتى أصبحت مدير موظفي الإخراج في القناة، ما أود أن أقوله هنا أنني بدأت من الصفر في ممارسة عملي وظللت أُنمي قدراتي وإمكاناتي حتى أصبحت ما أنا عليه الآن .
لكن لا بد أنك واجهت صعوبات كثيرة وخاصة في المجتمعات العربية التي تنظر للإخراج على أنه مهنة خاصة بالرجل؟
- طبعاً، واجهت الكثير من المشكلات والصعوبات لكنني لم أستسلم يوماً، فبالإرادة يستطيع الإنسان تحقيق كل ما يريد، وكانت أسرتي أول من واجهت معهم هذه المشكلات، لانهم رفضوا في البداية ممارستي للإخراج، لكن مع الوقت تقبلوا الموضوع وخاصة عندما رأوا اسمي على شاشات التلفزيون، وأصبح عملي أمراً طبيعياً لهم، لدرجة أنهم تقبلوا مواعيد العمل المتأخرة التي تفرضها ظروف العمل . وأذكر أنني في البداية كنت أقوم بتصوير أحد البرامج مع عدد من كبار السن فكانوا دائماً يسألونني ما الذي دفعك للعمل في هذه المهنة، وما الذي جعلك تحتكين بالرجال، فكنت أرد عليهم بكل لباقة وذوق حتى اقتنع كل من حولي بأنه لا فرق بين الفتاة والولد في أي عمل .
إذاً أنت ضد مقولة مهن للرجال فقط؟
- طبعاً، أنا ضدها كلياً، ففي كل دول العالم استطاعت المرأة أن تثبت قدرتها على التنافس مع الرجل بل والتفوق عليه في كثير من الأحيان، وفي دولتنا هنا نجحت البنت في ممارسة العديد من الوظائف والمهن التي ظلت لسنوات طويلة مقتصرة على الرجال، فمثلاً الأنثى الآن نراها مهندسة ميكانيكة طائرات، ومهندسة بترول والعديد من المهن التي اقتحمتها المرأة وأثبتت جرأتها ونجاحها فيها مع الحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا كمجتمع عربي .
هل لهذه الأسباب قمت بإخراج المباريات الرياضية؟
- في الحقيقة الصدفة وحدها هي من قرر دخولي هذا العالم، فأنا كنت مسؤولة عن المخرجين وقتها، وكنا ننقل عدداً من المباريات أثناء الدوري، وتصادف الدوري مع إجازة معظم المخرجين الذين ينقلون المباريات لأنه كان في فصل الصيف، ولم أجد من يذهب لتغطية المباريات بشكل سريع فقررت أن أخوض التجربة، وفعلاً ذهبت إلى الاستاد وهناك حدث لي موقف طريف جداً لا أستطيع أن أنساه، فقد منعني الحارس الموجود على بوابة الاستاد من الدخول فأخبرته أنني سوف أقوم بإخراج المباريات إلا أنه استمر في رفض دخولي، فحاولت إقناعه فقام بالاتصال بالتلفزيون حتى يتأكد، ويسمح لي بالعبور، ثم قال لي تلفزيون الشارقة لم يعد به رجال حتى يرسلون لنا، سيدة وسمح لي بالدخول .
وهل نقل وإخراج المباريات الرياضية على الهواء مباشرة مهمة صعبة بالنسبة لك؟
- لن أنكر أنه كان صعباً وخاصة أثناء نقل الشوط الأول، إذ هناك أشياء كثيرة لا بد أن يتقنها مخرج المباريات كما لابد أن يكون ملماً بكل الجوانب الرياضية، وقد حاولت قدر الإمكان تجنب الأخطاء فأخذت معي 8 كاميرات وكنت أقوم بنقل استوديو تحليلي، ولقاءات بين الجمهور، ولقاءات من غرفة ملابس اللاعبين، والحمد لله التوفيق من عند الله، لدرجة أنني كنت أنقل لبعض القنوات الأخرى وطبعاً كانت تجربة عظيمة جداً وممتعة وصعبة في آن .
ألم تواجهك أية اعتراضات بعد نقل هذه المباريات؟
- بالعكس واجهت تشجيعاً للفكرة، لكن المخرج الرياضي جاسم جابر وقتها قدم لي بعض الملاحظات حول طريقة إخراجي، وأخذت بتوجيهاته ونصائحه ووضعتها في الاعتبار لأنه المخرج الأشهر والأكثر خبرة في هذا المجال .
هناك بعض المهن التي يقال عنها أنها تؤثر في أنوثة البنت والإخراج أحد هذه المهن . .فما تعليقك؟
- طبيعة الإنسان أثناء ساعات الدوام تفرضها عليه طبيعة هذا العمل، سواء كان بنت أم رجل، لكن عند خروجه للحياة الطبيعية فهو يمارس حياته ويسترد شخصيته العادية، لأن العمل في النهاية واجب لابد أن يقدم على أكمل وجه وأفضل صورة، وأنا عندما أدخل إلى التلفزيون وتحديداً غرفة الإخراج أنسى كل من حولي، ولا أفكر إلا في العمل لدرجة أنني أحياناً لا أسمع من يحدثني، لكن عند عودتي إلى بيتي وحياتي الطبيعية أكون ابتسام الإنسانة وليست المخرجة .
دائماً تقولين إنك تضفين طابعاً جمالياً على المباريات . . كيف؟
- عندما كنت أقوم بنقل أي مباراة لم أكن أخرجها بالطريقة العادية، كنت دائماً أضع فيها لمسة نسائية، مثلاً أركز على لقطات ومشاهد لا يفكر المخرج فيها، وأحاول أن أعطي جماليات أكثر للملعب فكنت أستخدم كاميرا جيمي جيب لا يقبل عليها الكثيرون هنا وهي نوع من الكاميرات يعطي شكلاً جمالياً للملعب واللاعب والجمهور، فكنت أعتبر المباراة بمثابة عرض كبير أقوم بتقديمه للناس في المنازل لدرجة كنت أشعر معها أنني أقوم بإخراج فيلم وأنسى أنني أخرج مباراة رياضية، وفي إحدى المباريات نسيت الهدف إلا أنني فوراً تداركت الموقف .
عموماً الأنثى بطبيعتها تركز على التفاصيل فهي أدق كثيراً من الرجل، كما أنها تعطي لأي شيء بعداً جمالياً لان الاهتمام بالجمال غريزة عند كل البنات .
في إحدى الحوارات صرحتي أنك تعتمدين على المدرسة السريالية في الإخراج فما هي وبماذا تتميز؟
- أقصد أنني عندما أقوم بتصوير أي برنامج أو أي عمل لا أعتمد على الواقع، بل أبحث وأحاول، خلق كلمات من خلال الصور، وقد حاولت تجسيد هذا الهدف من خلال عدد من البرامج مثل برنامج عبق التاريخ الذي كان يدور حول رجل ميت، ولايوجد عنه سوى مجموعة من الصور وبعض المواد المكتوبة، فحاولت خلق روح في البرنامج وتعليق من خلال هذه الصور وبعض الأماكن التي عاش فيها هذا الميت .
كذلك الفيلم الذي حصل على جائزة مهرجان الإذاعة والتلفزيون والذي كان يتناول حياة بنت ضريرة .
شاركت في كثير من المسابقات كما حصلت على عدد من الجوائز أخبرينا عنها؟
- كنت عضو تحكيم في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، ومهرجان الخليج للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني في البحرين، وقمت أيضاً بتغطية كثير من المناسبات في العالم العربي مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأيام الشارقة الثقافية بقرطاج في تونس .
أما الجوائز فقد حصلت على عدد منها لكنني أعتز جداً بجائزة برنامج مشاعل عيناً تحدق في الحلم، كذلك الجائز ةالتي حصلت عليها في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بالقاهرة عن فيلم شاهد إثبات وكان عن قضية فلسطين، وجائزة أفضل فيلم تسجيلي في مسابقة أفلام الإمارات ذاكرة جدار وهذه الجائزة كانت بالنسبة لي غير عادية فقد كنت أقوم بالتصوير في المسابقة وفجأة سمعت اسمي ضمن الأسماء الفائزة .
بعد هذا الكم من البرامج والجوائز هل تتذكرين أول برنامج قمت بإخراجه؟
- طبعاً، ولا أستطيع أبداً أن أنساه لأنه أول مولود بالنسبة لي، وكان برنامج قرى بلادي وكان بالنسبة لي تحدياً كبيراً لأن العمل فيه كان ميدانياً يتطلب المزيد من المجهود والدقة .
ما رأيك في مستوى الإعلام النسائي في الدولة؟
- طبعاً، تطور عن الماضي، لكننا ما زلنا نعاني من نقص عدد العاملات في هذا المجال، وقد ترجع الأسباب إلى الخوف من نظرة الناس لمن تعمل فيه، أو من تظهر على الشاشة، لذلك نحن نلجأ للمذيعات العربيات اللاتي يتحدثن بلهجتنا، وطبعاً هذا ليس عيباً وخاصة أنهن حققن النجاح والتألق، لكن أتمنى بجانب وجودهن أن نجد مذيعات إماراتيات لديهن القدرة على خوض المجال في حدود ما تفرضه علينا قيمنا وأخلاقنا .
من الذي يخرج حياة ابتسام الشايب؟
- طبعاً، عائلتي، ثم أصدقائي، وكل من أعمل معهم في القناة .
ومن مثلك الأعلى في هذا المجال؟
- أحب العديد من المخرجين العالميين لكن بشكل خاص أعتز جداً بمدرسة يوسف شاهين وأعتبره مثلي الأعلى لأنه يبتعد تماماً عن الواقع، وهذه هي المدرسة التي أنتمي إليها.