قال تعالى: وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السّجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطرّه إلى عذاب النار وبئس المصير (البقرة 124-126) .
السؤال: الابتلاء في قوله تعالى: وإذ ابتلى (البقرة 124) بمعنى الاختبار، فهل المقصود المعنى الحقيقي أم المجازي؟
- الجواب: المقصود -والله أعلم- المعنى المجازي، فإن إطلاق الابتلاء على الاختبار مجاز مشهور، لأن الذي يكلف غيره بشيء يكون تكليفه متضمناً انتظار فعله أو تركه فيلزمه الاختبار فهو مجاز . وإذا قيل: ابتلى فلان فلاناً (وأبلاه) فذلك يتضمن أمرين: أحدهما: تعرف حاله، والوقوف على ما يُجهل من أمره، والثاني: ظهور جودته أو رداءته . فإذا أطلق الابتلاء من قِبَل الله تعالى فقيل: ابتلاه الله أو أبلاه، فالمراد به الوجه الثاني من معنى الابتلاء وهو ظهور جودته أو رداءته من دون التعرف إلى ما يجهل من أمره، لأن الله تعالى علام الغيوم لا تخفى عنه خافية .
والخلاصة: إن المراد بالابتلاء الاختبار على سبيل الاستعارة التمثيلية بتشبيه حال الله تعالى، والعبد في تمكينه من الطاعة والمعصية، وإرادة الطاعة منه ثم عبّر عنها بالاختبار، كما قال الزمخشري .
أو مجاز باعتبار إطلاقه على ما هو الغاية منه كما يفهم من كلام الراغب في مفرداته . والله أعلم بمراده .
مشقة التكاليف
السؤال: بِمَ يوحي لفظ الابتلاء في الآية؟ وبِمَ يوحي التعبير بصيغة (الافتعال)؟
- الجواب: فيه إشعار بصعوبة التكاليف ومشقتها، وحاجتها إلى أناة وصَبْر وجَلَد وقوة تحمّل، وفي التعبير بصيغة الافتعال مبالغة فيما يدل عليه لفظ الابتلاء . والله أعلم .
السؤال: أشهر الآراء في تفسير الكلمات في قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات (البقرة 124)، أنها التكاليف التي كلف الله بها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فما السر في إجمال الكلمات في الآية الكريمة؟
- الجواب: أجملت الكلمات، لأن الغرض بيان فضل إبراهيم -عليه السلام- ببيان ظهور عزمه وامتثاله للتكاليف الشرعية، وليس الغرض تفصيل شريعة الخليل - صلى الله عليه وسلم - ولا بسط القصة والحكاية والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من تقديم المفعول به إبراهيمَ على فاعله ربُّه في قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه (البقرة 124)؟
- الجواب: للاهتمام ببيان من وقع عليه الابتلاء، ولتجنب التعقيد المعنوي الذي كان سيحدث نتيجة عود الضمير على متأخر لقظاً ورتبة -المفعول به- والله أعلم .
السؤال: لِمَ عبَّر - سبحانه - عن التكاليف التي كلفها إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بالكلمات؟
- الجواب: لأنها كانت تكليفاً عن طريق الكلام، فسميت به . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة الفاء في قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن (البقرة 124)؟
- الجواب: تدل الفاء في قوله فأتمهن على سرعة امتثال الخليل إبراهيم -عليه السلام - في القيام بتلك التكاليف على أتم وجه . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من تنكير الكلمات وجمعها جمع مؤنث سالماً في قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ (البقرة 124)؟
- الجواب: للإشعار بفخامة تلك الكلمات -التكاليف- وعظمتها، لكونها من عند الله تعالى، ولحاجتها إلى صبر وقوة تحمّل لتنفيذها وإن كانت قليلة . والله أعلم .
السؤال: لِمَ لَمْ تعطف جملة: قال إني جاعلك . . على سابقتها بالفاء، فلم يقل: فقال؟
- الجواب: للإشعار بأن هذه الإمامة بمحض فضل الله تعالى واصطفائه، لا بسبب إتمام الكلمات، فإن الإمامة هنا عبارة عن الرسالة، وهي لا تنال بكسب الكاسب وجهده . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير باسم الفاعل في قوله تعالى: إني جاعلك (البقرة 124)؟
- الجواب: للإشارة إلى أن جعل إبراهيم -عليه السلام- إماماً للناس أمر ثابت متقرر . والله أعلم .
شرف الخطاب المباشر
السؤال: في قوله تعالى: إني جاعلك التفاتان ما بيانهما؟ وما الغرض البلاغي منهما؟
- الجواب: الالتفات الأول التفات من الغيبة (رب) إلى التكلم في (إني) . والالتفات إلى التكلم فيه إشعار بأن الله تعالى ذا القدرة القاهرة الغالبة التي لا يعجزها شيء، هو الذي جعل إبراهيم إماماً للناس .
أما الالتفات الثاني فهو من الغيبة حيث عبّر عن إبراهيم - عليه السلام - بالاسم الظاهر إبراهيم - والاسم الظاهر من قبيل الغيبة - إلى الخطاب في جاعلك وهذا الالتفات بالخطاب فيه ارتقاء بإبراهيم - عليه السلام - في درجات الحديث من مقام الغيبة قبل التكليف إلى مقام المشاهدة والحضور وشرف الخطاب المباشر بإسقاط الواسطة بعد قيامه - عليه السلام - بأداء التكاليف التي كلفه الله تعالى بها على أتم وجه . والله أعلم بمراده .
السؤال: المراد من الإمام في قوله تعالى: إني جاعلك للناس إماماً (البقرة 124) الرسول، فلماذا عدل عن التعبير بالرسول إلى التعبير بالإمامة؟
- الجواب: المراد بالإمام الرسول، والرسالة أكمل أنواع الإمامة وأرقاها، والرسول أكمل أفراد هذا النوع . وإنما عدل عن الرسول إلى (إماماً) ليكون ذلك دالاً على أن رسالته تنفع الأمَّة المُرْسَل إليها بطريق التبليغ، وتنفع غيرها من الأمم بطريق الاقتداء . والله أعلم .
السؤال: لماذا قيل: ومن ذريتي، ولم يقل: وذريتي؟
- الجواب: لأن إبراهيم - عليه السلام - يعلم أن حكمة الله تعالى لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يُقتدى بهم، فلم يسأل ما هو مستحيل عادة، لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء . وعلى كل، ففي إسقاط حرف الجر دلالة على فطنة الخليل إبراهيم - عليه السلام - في الدعاء . والله أعلم .
السؤال: لِمَ كررت (إذ) في قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً . . (البقرة 125)؟
- الجواب: كررت (إذ) للإشارة إلى استقلال القصة، وأنها جديرة بأن تذكر منفردة، لما ضمته من أخبار عظيمة، ومناقب جليلة . والله أعلم .
السؤال: ما فائدة التعبير بالأمر في قوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (البقرة 125)؟
- الجواب: لاستحضار صورة المأمورين حاضرين، والأمر يوجّه إليهم مشافهة، فهو تصوير للماضي بصورة الحاضر ليقع في نفس المخاطبين بالقرآن أن الأمر يتناولهم، وأنه موجّه إليهم كما وُجِّه إلى سلفهم في عهد أبيهم إبراهيم . والله أعلم .
السؤال: لِمَ أوثر العهد على الأمر في قوله تعالى: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي . . (البقرة 125) حيث لم يقل: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل . . .؟
- الجواب: أوثر العهد على الأمر في الآية الكريمة، لأن العهد أقوى في الدلالة من الأمر، حيث يقوم على الرضا من الطرفين والأمر يأتي من طرف واحد . وعلى كل فاستعمال العهد في الأمر استعارة تصريحية . والله أعلم .
السؤال: ما نوع الإطناب في قوله تعالى: أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السّجود (البقرة 125)؟
- الجواب: التفسير بعد الإجمال في قوله تعالى وعهدنا . ووجه بلاغته أن فيه تشويقاً للنفس وإثارة ترقبها لمعرفة تفسير العهد في عهدنا . والله أعلم .
السؤال: ما سبب إسناد الأمر بتطهير البيت إلى إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - في آية البقرة وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي (البقرة 125) وإفراد إبراهيم عليه السلام بإسناد الأمر بالتطهير في قوله تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (الحج 26)؟
- الجواب: لعل السر في هذا - والله أعلم - أن ما في سورة (الحج) واقع قبل بناء البيت الحرام كما ينبئ عنه قوله تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، وكان إسماعيل - عليه السلام - حينئذِ بمعزل عن مثابة الخطاب لصغر سنه وعدم إدراكه، لذا لم يُوجَّه إليه الأمر بالتطهير، ولم يشافه بالخطاب، أما الأمر في سورة (البقرة) فظاهر أنه كان بعد بلوغ إسماعيل مبلغاً يعقل فيه ما يُوجَّه إليه من أوامر ونواهٍ . والله أعلم بمراده.
الركّع السّجود
السؤال: لِمَ عُبِّر عن المصلين بالركع السجود في قوله تعالى: والركع السجود؟
- الجواب: لأن الركوع والسجود أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى، لما فيهما من ذلة وخشوع وخضوع وانقياد لله تعالى، وهما أعظم أركان الصلاة، وكثيراً ما يُكنى بهما عن الصلاة . وإيثارهما على لفظ المصلين مع إيجازه، للإشعار بأن المعتبر صلاة ذات ركوع وسجود لا صلاة أخرى كصلاة أهل الكتاب . والله أعلم .
السؤال: لِمَ قدّم الركوع على السجود في الآية الكريمة؟
- الجواب: لتقدمه على السجود زماناً . والله أعلم .
السؤال: ما سر إثبات حرف العطف (الواو) في قوله تعالى الطائفين والعاكفين، وتركه في قوله تعالى: الركع السجود؟
- الجواب: أثبت حرف العطف بين الطائفين والعاكفين للتباين بينهما، وأسقط بين الركع السجود، للتقارب بينهما ذاتاً وزماناً وتلازمهما في الصلاة . وتُرِك العطف بينهما أيضاً (لئلا يتوهم أن كل واحد عبادة وليسا مجتمعين في عبادة واحدة) . والله أعلم .
السؤال: لِمَ جمع الوصفان الأولان (الطائفين والقائمين) جمع مذكر سالماً، وجمع الوصفان الآخران (الركع السجود) جمع تكسير؟
- الجواب: للمقابلة وتنويع الأسلوب والتفنن فيه . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة تنكير (بلداً) في قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً (البقرة 126)؟
- الجواب: التنكير للنوعية، والمعنى: بلداً من نوع البلاد الآمنة . والله أعلم .
السؤال: ما نوع الإسناد في قوله تعالى: بلداً آمناً؟
- الجواب: إما أن يكون الإسناد مجازياً، فيكون مجازاً عقلياً بعلاقة المفعولية، والتقدير: مأموناً أهله .
وإما أن يكون الإسناد حقيقياً، فيكون من باب النسب، والتقدير: ذا أمن . والله أعلم .
السؤال: ما نوع أل في قوله تعالى: من الثمرات؟
- الجواب: اللام للاستغراق العُرْفي، أي من جميع الثمرات المعروفة للناس . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة التعبير بجمع القلة (الثمرات)؟
- الجواب: فيه إيماء إلى إظهار للقناعة والرضا بالقليل . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير بالمتعة دون الرزق في حق الكافر في قوله تعالى: ومن كفر فأمتعه قليلاً (البقرة 126)؟
- الجواب: للإشعار بأن ما يناله الكافر في الدنيا متعة زائفة زائلة، وأكد هذا بقوله: قليلاً الواقع صفة لمصدر مقدر، أو لظرف مقدر، أي: تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً . وفي وصف التمتيع بالقلة فأمتعه قليلاً تأكيد لقصر مدة المتعة وسرعة زوالها . والله أعلم .
السؤال: ما سر ختم الآية الكريمة بقوله سبحانه: ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (البقرة 126)؟
- الجواب: للاحتراس، لدفع توهم أن يغتر الكافر بما قد يرزقه الله تعالى من رزق وفير، ونعم دنيوية، ويظن ذلك من حب الله تعالى له، ورضاه عنه، ورضوانه عليه، فاحتُرس عن ذلك بالتنبيه على أن إفاضة الرزق عليه في الدنيا لا يمنع من عقابه وتعذيبه في الآخرة . والله أعلم .