هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر وينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.. وقد عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى (فرضة الجوز) وهي مرفأ نهر البصرة.
ولد ببغداد سنة (510ه الموافق 1116م) وعاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية.
وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد (محمد بن ناصر الحافظ) ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد لازمه نحو ثلاثين عاماً وأخذ عنه الكثير حتى قال عنه: (لم أستفد من أحد استفادتي منه).
شهرة واسعة
حظي (ابن الجوزي) بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور.
اتفق العلماء والأدباء على الثناء على (ابن الجوزي) فمدحوا علمه وورعه ومهارته في الخطابة والفقه والحديث والتاريخ والأدب.
قال عنه (ابن كثير): (أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحواً من ثلاثمائة مصنف).
ووصفه (ابن الجزري) بأنه: شيخ العراق وإمام الآفاق.
وقال عنه (ابن العماد الحنبلي): كان ابن الجوزي لطيف الصوت حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ الفاكهة.
وقال عنه (ابن جبير): آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة.
وقال عنه (شمس الدين الذهبي): ما علمت أن أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل.
رجل حبب إليه العلم.
كان ابن الجوزي علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته زاهداً في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح.
يقول عن نفسه: إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات.
شيوخ ابن الجوزي
تعلم ابن الجوزي على عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه سبعة وثمانين شيخاً، منهم:
أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر وهو خاله، وكان حافظاً ضابطاً متقناً ثقة، وفقيهاً ولغوياً بارعاً، وهو أول معلم له وأبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي وهو اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة والأدب، وأبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري وقد أخذ عنه الحديث، وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون وقد أخذ عنه القراءات.
وبدأ ابن الجوزي تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغاً عظيماً، فلم يعرف تاريخ الوعظ والمجالس الدينية على مر العصور مجلساً كمجلس ابن الجوزي يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.
وكان يحضر مجلسه الخلفاء والأمراء والسلاطين والوزراء، وكان مجلسه بإزاء داره على شاطئ دجلة بالقرب من قصر الخليفة، فكانت الأرض تُفرش بالحصير ليجلس عليها الناس، ثم يصعد ابن الجوزي المنبر، ويبتدئ القراء بقراءة القرآن، يتناوبون التلاوة بأصوات شجية مطربة، فإذا فرغوا من التلاوة بدأ ابن الجوزي خطبته، فتناول فيها تفسير الآيات التي تلاها القراء، فيأخذ بألباب وعقول سامعيه، ينظم فيها عقود الحكمة ورقائق الزهد والمواعظ، بما يرقق القلوب ويحرك الأشجان، فتدمع العيون، وتخشع النفوس، وتذوب المشاعر في خشوع وجلال للخالق العظيم يحركها الشوق والوجد والإيمان.
مؤلفاته وشعره
تميز (ابن الجوزي) بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت الكثير من العلوم والفنون، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات: (تحفة المودود في أحكام المولود) و(تلبيس إبليس) و(المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) إضافة إلى (أخبار الظرّاف والمتماجنين) و(أخبار النساء وأعمار الأعيان) و(بستان الواعظين) و(تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير) و(تاريخ بيت المقدس) و(الثبات عند الممات) و(جواهر المواعظ) و(الجليس الصالح والأنيس الناصح) و(حسن السلوك في مواعظ الملوك) و(ذم الهوى) و(زاد المسير في علم التفسير) و(سيرة عمر بن عبد العزيز) و(صفوة الصفوة) و(صيد الخاطر) و(الطب الروحاني) و(فنون الأفنان في علوم القرآن) و(كتاب الأذكياء) و(كتاب الحمقى والمغفلين) و(لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف) و(لفتة الكبد إلى نصيحة الولد) و(مناقب عمر بن الخطاب) و(الناسخ والمنسوخ في الحديث) و(الوفا في فضائل المصطفى) و(اليواقيت في الخطب).
كان (ابن الجوزي) شاعراً مجيداً إلى جانب كونه أديباً بارعاً وخطيباً مفوهاً، وله أشعار حسنة كثيرة، منها قوله في الفخر:
مازلت أدرك ما غلا بل ما علا
وأكابد النهج العسير الأطولا
تجري بي الآمال في حلباته
جري السعيد إلى مدى ما أمّلا
لو كان هذا العلم شخصاً ناطقاً
وسألته: هل زار مثلي؟ قال: لا
ومنها قوله في الزهد والقناعة:
إذا قنعت بميسور من القوت
بقيت في الناس حراً غير ممقوت
يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي
فلست آسي على در وياقوت
من أقواله
تفكرت في نفسي يوماً تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن، فرأيت اللطف الرباني فمنذ الطفولة وإلى الآن أرى لطفاً بعد لطف، وستراً على قبيح، وعفواً عما يوجب عقوبة.... وما أرى لذلك شكراً إلا باللسان.. ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً.. ولو كشف للناس بعضها لاستحييت. ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب، حتى يظن في ما يظن في الفساق. بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي، ووقعت بتأويلات فاسدة.. فصرت إذ دعوت أقول: اللهم بحمدك وسترك علي اغفر لي.. ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك فما وجدته كما ينبغي.
ثم أنا أتقاضى القدر من مراداتي ولا أتقاضى نفسي بصبر على مكروه، ولا بشكر على نعمة.. فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير تحقيق عمل به.. وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر وما حصل المقصود. فوجدت أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح نحو ما نحت فأعجبتني نياحته، فكتبتها هاهنا.
والله لقد خلقني خلقاً صحيحاً سليماً، ونور قلبي بالفطنة، حتى أن الغائبات والمكتومات تنكشف لفهمي.. فوا حسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضى.
واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي. واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان وأنا الفطن.
اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار. وقد جئتك بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع. وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم. فوا الله ما عصيتك جاهلاً بمقادر نعمك، ولا ناسياً لما أسلفت من كرمك، فاغفر لي سالف فعلي.
لقيت أبا منصور الجواليقي؛ فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقناً محققاً، ورُبما سُئل المسألة الظاهرة، التي يبادر بجوابها بعض غلمانه! فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثير الصوم والصمت، ففهمتُ من هذه الحالة: أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول، فالله الله في العمل بالعلم فإنه الأصل الأكبر، والمسكين كل المسكين: من ضاع عمره في علمٍ لم يعمل به؛ ففاته لذات الدنيا، وخيرات الآخرة؛ فقدم مفلساً مع قوة الحجة عليه.
توفي (ابن الجوزي) ليلة الجمعة 12 من رمضان 597 ه الموافق 16 من يونيو 1200 م عن عمر بلغ سبعا وثمانين سنة بعد أن مرض خمسة أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازته، حتى أقفلت الأسواق، فكان ذلك يوماً مشهوراً مشهوداً، يشهد بمكانة (ابن الجوزي) وحب الناس له.
وأوصى أن يُكتب على قبره:
يا كثير العفو عمن
كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو
الصفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء
الضيف إحسان لديه.