في مجالس الفقهاء نجلس اليوم مع عالم شغل العلماء في عصره وما بعده، انقسم العلماء وغيرهم حوله إلى فريقين: فريق أحبه وتعصب له وحفظ ما كتب وما قال، ونقله إلى كل مكان، أما الفريق الآخر فقد عاداه وتعصب ضده حتى قال قائلهم: من الحرم ألا تأخذ عن ابن حزم.
كان ابن حزم أندلسياً مولداً ونشأة مغربيا في الأصل عاش ما بين عامي 384 و456ه أي أواخر القرن الرابع الهجري إلى منتصف القرن الخامس وكانت الأندلس وقتها تحت بقايا الحكم الأموي عقب سقوط الخلافة الأموية في الشام. كان الاضطراب السياسي هو السمة الغالبة لذلك العصر الذي شهد صراعات وخلافات بين الأمويين والعلويين.
رغم ذلك كان عصر ابن حزم عصر العلم حقا في الأندلس حيث لجأ إليه أمراء بني أمية لمجاراة أولاد عمومتهم العباسيين في الشرق، فزخرت مجالسهم بالعلماء وامتلأت مكتباتهم بالكتب.
وكان المجتمع الأندلسي متنوع العناصر ففيه العرب والبربر والصقالبة المسلمون وغير المسلمين. وظهرت فيه ألوان وأنماط من السلوك الانحرافي الماجن في قرطبة وغيرها إلى جانب وجود طبقة تحافظ على التقاليد والقيم الدينية وتنكر على أصحاب اللهو شرورهم واستهتارهم.
وقد أدى هذا إلى بروز الدين ودوره في مواجهة حالات الانحراف السلوكي، بالإضافة إلى أن البعض استخدم الدين وسيلة وسلاحا في الخصومة وقد استغل بعض الحكام ذلك في محاربة خصومهم والقضاء عليهم أو إقصائهم من الحياة العامة.
كانت فتنة اكتوى بنارها الإمام ابن حزم إذ واجه حربا شعواء بسبب أفكاره وآرائه رغم تدينه، اذ لم يكن عابثاً أو ماجناً ولا من أصحاب الهوى بل كان صاحب رأي يتمسك به ولقي في سبيل ذلك الكثير.
الأصل والنشأة
وابن حزم هو علي بن احمد بن سعيد بن حزم واشتهر بأبي محمد واختلف المؤرخون حول أصله ولكن معظمهم قالوا إنه فارسي الأصل وان جده الأقصى كان مولى ليزيد بن أبي سفيان.
ولد ابن حزم في آخر يوم من رمضان عام 384ه في قرطبة ونشأ في نعيم ورفاهية ورزق ذكاء مفرطا، وذهناً سيالاً.
ويصف ابن حزم نفسه جو هذه النشأة وخصوصا بين النساء اللواتي تعهدنه فيقول: لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري لأني ربيت في جحورهن ونشأت بين أيديهن ولم أعرف غيرهن ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تنيل (كبر) وجهي وهنا علمنني القرآن، وقرأن لي وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط.
ومنذ نشأته كانت روحه تواقة إلى العلم بحكم الظروف التي أحاطت به، في السادسة عشرة من عمره انغمس في ميدان العلم يختزن ويحلل ويستوعب ويتتلمذ على أيدي عدد من الشيوخ أبرزهم (ابن وجه الجنة، ابن الجسور، يونس بن عبد الله بن مغيث القاضي، حمام بن أحمد القاضي، ابن نباتة).
ويذكر بعض المؤرخين أنه كان يختلف إلى المسجد الجامع في قرطبة والمسجد العمري ومسجد الرصافة طلبا للعلم من شيوخ هذه المساجد.
فرضت محنة ابن حزم السياسية عليه أن يكون كثير الترحال إلى مختلف أنحاء الأندلس فكان يلتقي في رحلاته بأعلام العلماء والشيوخ الكبار فيلازمهم ويستمع إليهم ويتلقى عنهم.
أما عن محنته أو بمعنى آخر محنة السياسة، فإنه لم يستطع أن يكون بمنأى عن أهل عصره وزمانه فلابد له من مدافعة الحياة معهم، ولم يكن ابن حزم في خضم الأحداث بعيداً عن مجتمعه.
ولي ابن حزم الوزارة ثلاث مرات في حياته، وكانت نهاية كل مرة فيها الإعفاء أو السجن أو الأسر فاعتزل العمل السياسي وانشغل بنشر العلم فكانت محنته أشد وأقسى.
كانت الأندلس في ذلك الوقت ميداناً علمياً فسيحاً تتباين فيه المذاهب والآراء والاجتهادات وحين أدلى ابن حزم بدلوه وقد استقام له المنهج واجه كل هذه الاجتهادات بعقل ناضج، وعلم غزير، ولسان حاد، ومنطق سديد، وكان أشد ما لاقاه في سبيل ذلك تلك المحنة النفسية الشديدة التي يهون دونها الأسر والسجن والنفي وهي إحراق كتبه ومؤلفاته أيام المعتضد بن عباد صاحب اشبيلية.
وقد اضطره ذلك إلى إعادة ما كتب أو بعضه وقد زالت المحنة بعدما دون تلاميذه ما حفظوه عنه أو نقلوه في مؤلفاتهم وقد كانت كثيرة في مختلف العلوم والفنون، إذ كان الرجل موسوعة علمية كبرى.
اتجاه منطقي
كان ابن حزم ممن اتجهوا في عقيدتهم اتجاهاً منطقياً كلامياً إلى حد ما يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية (وكذلك.. أبو محمد بن حزم فيما صنعه من الملل والنحل، إنما يستحمد بموافقته السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، بخلاف ما انفرد به من قول بالتفضيل بين الصحابة وكذلك ما ذكره في باب الصفات فانه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول انه موافق للإمام احمد في مسألة القرآن وغيرها).
وعلى الرغم من أن ابن حزم تأثر ببعض أقوال المنطقيين والفلاسفة إلا انه ظل في عقيدته سليماً، وكانت مناظراته دائماً تتم من دون تجريح أو تكفير عن المناظرة أو غير ذلك، ولم يخرج ابن حزم عن الأسلوب والمنهج الذي كان سائدا في عصره في الفقه حيث كان الدارسون يتبعون ما اشتهر من المذاهب في ذلك العصر أو مالوا إليه بطبعهم وعقلهم.
اتجه ابن حزم إلى الفقه المالكي، وكان مذهبه سائدا في الأندلس، وكان المذهب الرسمي للدولة ثم اتجه إلى دراسة المذهب الشافعي واتبعه زمناً ثم انتقل إلى المذهب الظاهري حتى أصبح علماً من أعلامه واقترن باسمه بعد أن وضع له قواعد وأصولا فقيل عنه ابن حزم الظاهري.
استقر ابن حزم عند المذهب الظاهري بعدما وافق هذا المذهب ما في نفسه وعقله فاتجه إليه وعاشه وعايشه ودرسه وتعمق فيه حتى انه فاق صاحب المذهب نفسه داود بن علي الأصفهاني الذي تنسب له الطائفة الظاهرية التي سميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس.
شهادة العلماء
وقد شهد لابن حزم الكثير من العلماء الكبار، حيث قال ابن ماكولا عنه انه كان فاضلا في الفقه، حافظا في الحديث مصنفا فيه وله اختيار في الفقه على طريقة الحديث ،وروى عن جماعة من الأندلسيين وله شعر ورسائل.
وقال الحميدي (كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه ومستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة متقنا في علوم جمة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله من الوزارة وتدبير الممالك، متواضعا ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به العلوم وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والسندات شيئا كثيرا وسمع سماعا جما.
وقال الحافظ الذهبي (ابن حزم الأوحد البحر، ذو الفنون والمعارف، الفقيه الحافظ المتكلم، الأديب الوزير، الظاهري صاحب التصانيف).
وقد أخذ عن ابن حزم، وتتلمذ على يديه العديد من التلاميذ الذين درسوا عليه وتأثروا به وبآرائه وبمذهبه وأقواله فنهجوا نهجه وكان لهم الفضل الكثير في حفظ تراثه ونشره في أنحاء بلاد الأندلس والمغرب ومصر والشام والحجاز.
ومن أبرز هؤلاء التلاميذ ابنه (أبو رافع الفضل وأبو عبد الله الحميدي) ووالد القاضي (أبي بكر بن العربي ومحمد بن الوليد الفهري) وغيرهما كثير.
المصنفات والمؤلفات
وقد كثرت الأقوال حول مصنفات ومؤلفات ابن حزم بسبب كثرتها وتنوعها، حيث يقول الحافظ الذهبي: إنها بلغت ستة وسبعين كتابا وذكر له الدكتور احمد بن ناصر الحمد مائة وستة وثلاثين كتاباً، كما أحصى العلاّمة أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري لابن حزم ثلاثة وثمانين كتاباً.
ومن أشهر الكتب التي صنفها ابن حزم: كتاب أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا، وكتاب الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع، ومن كتبه المهمة: الأصول والفروع، وتسمية شيوخ مالك، والتقريب لحد المنطق، والأحكام في أصول الأحكام، والأخلاق في السير في مداواة النفوس، وجوامع السير، وحجة الوداع، والفصل في الملل والنحل، ومراتب الإجماع، وملخص أبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل، والنبزة الكافية في أصول الدين، وأيضا كتاب اليقين في نقض تمويه المعتذرين عن إبليس وسائر المشركين.
ورغم كل ما مر به ابن حزم من محن سواء في حياته السياسية أو بسبب أفكاره وإصراره على معتقداته إلا انه كان لا يميل إلى المجابهة التي تفضي به إلى القتل فكان يسجن أو ينفى أو يجرد من أمواله.
ولذلك كانت نهاية حياته الحافلة على فراش المرض الذي تحدث عنه في رسالته المسماة مداواة النفوس إذ قال: ولقد أصابتني علة شديدة ولدت على ربوا في الطحال شديدا، فولد على ذلك من الضجر وضيق الخلق وقلة الصبر والنزق أمرا حاسبت نفسي فيه، إذ أنكرت تبدل خلقي فاشتد عجبي من مفارقتي لطبعي واشتد على ابن حزم المرض فتوفاه الله تعالى في شعبان عام 456هـ .