يتوقف شعور الإنسان منا بالموت، بمدى إحساسه بأن فاطر السموات والأرض مطلع عليه في كل صغيرة وكبيرة، ولكن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا دائما في طاعة الله عز وجل، ويشعرون بأنه يراقبهم وأن عين الله تلاحقهم في سكناتهم وحركاتهم، فجعلوا كل شيء في حياتهم طاعة لله جل وعلا وفي كل زمان ومكان ممتثلين لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، احفظ الله يحفظك، وقوله أيضا: اتق الله حيثما كنت حتى لحظة الوفاة.
وها نحن نعيش اللحظات الأخيرة في حياة رجل عرف الله حق المعرفة، وهو مالك بن دينار، فيذكر أبو نعيم في الحلية وابن الجوزي في صفة الصفوة، قال حزم القطعي رحمه الله ادخلنا على مالك بن دينار، وهو يكبد بنفسه (يحتضر)، فرفع طرفه، ثم قال: اللهم، إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء لبطن، ولا فرج.
وقال ابن مرزوق: بلغني أن مالك بن دينار دخل المقابر ذات يوم، فإذا رجل يدفن، فجاء حتى وقف على القبر، فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن، فجعل يقول: مالك، غداً هكذا يصير، وليس له شيء يتوسده في قبره. فلم يزل يقول: مالك، غداً هكذا يصير، حتى خر مغشيا عليه في جوف القبر، فحملوه فانطلقوا به إلى منزله مغشيا عليه.
ويذكر أبو نعيم في الحلية أن أبا عيسى قال: دخلنا على مالك بن دينار عند الموت فجعل يقول: لمثل هذا اليوم كان دأبي. وقال عمارة بن زازان: إن مالك بن دينار لما حضره الموت، قال: لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن يقيدوني، وأن يجمعوا يدي إلى عنقي فينطلقوا بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق. وكانت وفاة مالك بن دينار في سنة ثلاثين ومائة، رحمه الله، تعالى.الحسن البصري
لما حضرت الحسن البصري الوفاة جعل يسترجع ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقام إليه ابنه وقال: يا أبت! قد غممتنا، فهل رأيت شيئا؟! قال: هي نفسي، لم أصب بمثلها. ويروى أنه اغمي عليه ثم أفاق إفاقة، فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون، ومقام كريم.
وقال رجل قبل موت الحسن لابن سيرين، (وابن سيرين كان مشهورا بتعبير الرؤى والأحلام): رأيت كأن طائرا أخذ أحسن حصاة بالمسجد؟ فقال ابن سيرين: إن صدقت رؤياك مات الحسن. أي: هو أحسن من عندنا في المسجد، فلم يكن إلا قليلا حتى مات الحسن، ووقع تفسير وتأويل الرؤيا. وكانت وفاة الحسن رضي الله عنه ليلة الجمعة، في أول رجب سنة (110ه). وقد عاش، كما قال ابنه، نحو (88) سنة، عمراً مباركاً في طاعة الله، وكانت جنازته مشهودة، وصلي عليه عقب صلاة الجمعة بالبصرة، فشيعه الخلق وازدحموا عليه. قال حميد الطويل: توفي الحسن عشية الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة، ففرغنا من أمره أي: جهزناه وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه.
الرقاشي وابن المنكدر
أما التابعي يزيد الرقاشي رحمه الله فقد كان يقول لنفسه لما حضرته الوفاة: ويحك يا يزيد من ذا الذي يترضي عنك ربك بعد الموت؟! ومن الذي يصلي عنك ويصوم بعد الموت؟! أيها الناس .. ألا تبكون على أنفسكم باقي حياتكم؟! .. من الموت طالبه، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون حاله؟!.. يا إخوتاه ... ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فارحموا كل بكاء. والله لوددت أن أبكي بعد الدموع الدماء، وبعد الدماء الصديد.
ولم يختلف الحال مع التابعي محمد بن المنكدر، فيروي أبو نعيم في الحلية وابن الجوزي في المقلق وفي صفة الصفوة والذهبي في السير، أنه لما احتضر محمد بن المنكدر، رحمه الله، اشتد جزعه وقال: أخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، وكذلك كان يقول أخوه عمر بن المنكدر، آية من كتاب الله أبكتني: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (سورة الزمر الآية 47).
وأتى صفوان بن سليم رحمه الله إلى محمد بن المنكدر رحمه الله وهو في الموت، فقال: يا أبا عبد الله، كأني أراك قد شق عليك الموت؟ قال: فمازال يهون عليه الأمر، وينجلي عن محمد بن المنكدر حتى لكأن في وجهه المصابيح، فقال له محمد بن المنكدر: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم قضى، رحمه الله، وكانت وفاة ابن المنكدر في المدينة، وذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة.
عبدالله بن مسعود
ويذكر أنه لما حضر عبد الله بن مسعود الموت دعا ابنه فقال: يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود إني أوصيك بخمس خصال فاحفظهن عليّ:
اظهر اليأس للناس، فإن ذلك غنى فاضل، ودع مطلب الحاجات إلى الناس فإن ذلك فقر حاضر، ودع ما تعتذر منه من الأمور ولا تعمل به، وإن استطعت ألا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالأمس فافعل، وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع كأنك لا تصلي بعدها.
وإذا كان ابن مسعود يوصي ابنه في اللحظات الأخيرة التي سبقت الوفاة، فإن محمد بن سيرين روي أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية وقلة عملي وما ينجيني من النار الحامية.